طفرة التجارة الإلكترونية في عُمان توفر فرص عمل للشباب
استمع إلى الملخص
- التوسع في التجارة الرقمية أدى إلى تغيرات في عادات التسوق وزيادة الثقة في الدفع الإلكتروني، مع توقعات بنمو التجارة الإلكترونية إلى 3 مليارات دولار، مما يعزز السياسات الداعمة لهذا القطاع.
- نجاح التحول الرقمي في عمان يتجلى في تسهيل إنشاء الأنشطة التجارية عبر الإنترنت، مما جذب استثمارات جديدة وعزز الاقتصاد المحلي، مع توفير 600 خدمة حكومية إلكترونية.
شهدت سلطنة عُمان الشهر الجاري طفرة استثنائية في عدد رخص التجارة الرقمية، مسجلة أكثر من 10.500 رخصة، بزيادة سنوية بلغت 191% مقارنة بالعام السابق، ما سلط الضوء على تحولات عميقة في الاقتصاد العماني خلال الأشهر الماضية، مدفوعة بعدة عوامل محورية أسهمت في إحداث هذه النقلة النوعية الطامحة نحو اقتصاد رقمي متكامل. وتأتي هذه الطفرة نتيجة تلاقي متغيرات تقنية واجتماعية واقتصادية، فقد أسهم الانتشار الكاسح لمنصات التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وتيك توك وواتساب في فتح آفاق جديدة لتسويق المنتجات والخدمات، خصوصاً أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال الشباب.
من ناحية أخرى، يمثل هذا التوسع دلالة واضحة على تغير نمط اتخاذ القرار الاقتصادي لدى الأجيال الشابة والنساء في سلطنة عمان، واللاتي يجدن في المشاريع الرقمية فرصة لتحقيق الاستقلال المالي والمشاركة في الحياة الاقتصادية، إذ يشير تقدير نشره موقع RSIS International للأبحاث إلى أن تمكين النساء رقمياً لم يقتصر على تحسين فرص العمل والتعليم، بل امتد ليشمل تأسيس مشاريعهن الخاصة عبر الإنترنت، خصوصاً في مجالات مثل العطور ومستحضرات التجميل والملابس الجاهزة.
وإزاء ذلك، انعكست هذه الطفرة الرقمية في خلق فرص عمل ذات طابع مرن وأكثر توافقاً مع احتياجات الشباب العماني، الذين يشكلون الشريحة الأكثر عدداً في المجتمع، ولم تقتصر المكاسب على زيادة الدخل الفردي، بل أسهمت أيضاً في نمو سوق التجارة الإلكترونية في عمان، وهو ما يعد جزءاً من استراتيجية أوسع لتحقيق التنويع الاقتصادي ضمن رؤية عمان 2040، مع الإبقاء على وتيرة عالية من الابتكار والتحول الرقمي وتهيئة بيئة تشريعية داعمة، بحسب تقرير نشره موقع شركة Research and Markets لأبحاث السوق العالمية. وبرغم التفاؤل، لا يخلو هذا القطاع من التحديات، إذ تواجه التجارة الرقمية في عمان قضايا مثل الاحتيال، وإلغاء الطلبات، والمخاوف المرتبطة بسياسات الإرجاع وجودة المنتجات وحماية البيانات الشخصية، ما يستدعي من الجهات المنظمة مزيداً من اليقظة والعمل الدؤوب لتعزيز الأمان الرقمي وبناء الثقة في منصات التجارة الإلكترونية، حسبما رصد تقرير SAMENA.
فرص وتحديات في عُمان
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ"العربي الجديد"، إلى أن الارتفاع الكبير في إصدار رخص التجارة الرقمية بسلطنة عمان يتماشى مع التوسع العالمي المتسارع في مجال التجارة الإلكترونية، وبخاصة على مستوى دول الخليج، مدفوعاً بتحولات رقمية عميقة، أبرزها الانتشار الواسع للإنترنت، الذي تجاوزت نسب استخدامه في الدول الخليجية، ومنها عمان، 90 إلى 95% من السكان.
كذلك فإن التحول في عادات التسوق، من البيئة التقليدية إلى البيئة الإلكترونية، أصبح واقعاً ملموساً، ما دفع الدول الخليجية، ومن بينها عمان، إلى تبني سياسات داعمة لنمو هذا القطاع، بحسب عايش، مشيراً إلى أن هذا التوجه يتماشى مع الاستراتيجية الوطنية للتجارة الإلكترونية في عُمان، التي تهدف إلى تحويل السلطنة إلى مركز إقليمي في هذا المجال. ويلفت عايش، في هذا السياق، إلى أن التجارة الإلكترونية أسهمت في خلق عادات استهلاكية جديدة، فضلاً عن فتح قنوات تسوق إضافية، وزادت من خيارات المستهلكين وحسّنت تجربة الشراء، كذلك فإن الثقة في منصات الدفع الإلكتروني ارتفعت مقارنة بالماضي، ما عزز من انتشار المعاملات الرقمية.
وتشير المبادرات الحكومية المتواصلة في عُمان إلى حزمة من السياسات والإجراءات التنظيمية التي تسهل بيئة الأعمال الرقمية، وتدعم إنشاء منصات محلية للتجارة الإلكترونية، إلى جانب جذب الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي. ويضيف عايش أن نمو التجارة الإلكترونية بالسلطنة من شأنه أن يعزز الاقتصاد المحلي من خلال دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، وخلق فرص عمل في مجالات متعددة مثل التسويق الرقمي، والخدمات اللوجستية، وخدمات النقل والتوزيع، فضلاً عن تطوير التقنيات والأدوات المرتبطة بالتجارة الرقمية، ما يسهم في بناء سوق رقمية متكاملة، ويدفع نحو تحسين البنية التحتية وجذب استثمارات أجنبية كبيرة.
ومع ذلك، لا تخلو هذه العملية من تحديات، بحسب عايش، أبرزها تكاليف الشحن، وأحياناً حالات الغش أو ضعف جودة المنتجات، إلى جانب الحاجة إلى تسريع عمليات التسليم وتعزيز الأمن السيبراني لحماية بيانات المستهلكين، مشدداً على أن معالجة هذه التحديات ضرورية لضمان استدامة النمو في هذا القطاع. ويلفت عايش إلى أن التوقعات لحجم التجارة الإلكترونية في منطقة الخليج للعام الجاري تصل إلى نحو 50 مليار دولار، وفي سلطنة عمان إلى نحو 3 مليارات دولار.
آلية سلسة
يؤكد الخبير الاقتصادي العُماني، خلفان الطوقي، لـ"العربي الجديد"، أن التطور الملحوظ في منظومة التسجيل الإلكتروني بسلطنة عمان يعد مؤشراً قوياً على نجاح مسار التحول الرقمي، حيث أصبح بإمكان أي شخص إنشاء نشاط تجاري بشكل كامل عبر الإنترنت، دون الحاجة إلى زيارة أي جهة حكومية، موضحاً أن الآلية المعروفة بـ"القبول التلقائي" تبسط الإجراءات إلى حد كبير، وتجعل عملية التسجيل فورية وسلسة، ما يسهم في خفض الحواجز أمام رواد الأعمال، ويشجع على إقامة المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
ويشير الطوقي إلى أن هذا التسهيل أدى إلى تدفق استثمارات جديدة من دول متعددة، منها إيران، مصر وسورية والعراق، إضافة إلى الهند وباكستان، ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين الإقليميين ببيئة الأعمال في السلطنة، مؤكداً أن هؤلاء المستثمرين غالباً ما ينتمون إلى الشريحة متوسطة الدخل، وهي الفئة التي ينبغي أن تكون هدفاً للسياسات التنموية، لأنها تمثل العمود الفقري للاقتصاد المحلي وتساهم في تنويع النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة بعيداً عن الاعتماد الكلي على كبار المستثمرين أو المشاريع الضخمة.
وقد أحدث هذا التدفق نشاطاً اقتصادياً ملحوظاً، شكل زخماً في السوق، وساهم في تنشيط قطاعات متعددة، من الخدمات إلى التجارة والصناعة الصغيرة، وهو ما يعزو الطوقي جزءاً كبيراً منه إلى التطور الكبير في البنية التحتية الرقمية، حيث انتقلت الخدمات الحكومية من النمط التقليدي إلى النمط الإلكتروني بشكل متسارع، وأصبحت نحو 600 خدمة حكومية متاحة إلكترونياً، وهو رقم تجاوز المستهدفات المخطط لها، ما يدل على تقدم عمان في مسار التحول الرقمي، بل وضعها في مصاف الدول الرائدة إقليمياً في هذا المجال.