استمع إلى الملخص
- يواجه المواطنون والشركات الصغيرة ضغوطاً بسبب ارتفاع الإيجارات، مما يدفعهم للبحث عن حلول بديلة مثل العمل عن بُعد، ويتطلب ذلك سياسات دعم لتفادي تأثيرات سلبية على المعيشة.
- زيادة الطلب في الرياض وجدة ناتجة عن خطة لجذب المقار الإقليمية للشركات، مما يتطلب آليات حكومية لتخفيف أثر ارتفاع الكلف على الشركات الصغيرة.
تشهد سوق المكاتب في السعودية ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الطلب وأسعار الإيجارات خلال عام 2025، وسط أرقام قياسية في نسب الإشغال وصلت إلى 98% ونمو سنوي في إيجارات الفئة الممتازة يتجاوز 10%، حسب بيانات رسمية، مدفوعاً بتوافد الشركات العالمية الكبرى وتزايد الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ما سلط الضوء على عوامل الحيوية الاقتصادية وزيادة ثقة المستثمرين في مستقبل المملكة بكونها منصة أعمال إقليمية كبرى.
وحسب تقرير نشرته OPlus Realty، المتخصصة في تحليل الأسواق العقارية وأخبارها عالمياً، فقد خلص خبراء إلى أن هذا النمو المتسارع في أسعار الإيجارات، الذي بلغ لبعض مناطق الرياض 23% للعام المنصرم فقط، يرتبط مباشرة بنقص المعروض من المساحات المكتبية عالية الجودة مقابل شهية متزايدة من قبل الشركات الدولية والمحلية على الانتقال والتوسع، ولا سيما مع إطلاق مبادرات حكومية مثل برنامج المقرات الإقليمية.
وخلقت هذه الظروف ضغوطاً غير مسبوقة على أسعار الإيجارات، مع توقعات بحدوث انفراجة محدودة فقط مع دخول مشروعات جديدة الخدمة بحلول عام 2026، إذ لا يزال الطلب يفوق الـ 900 ألف متر مربع المزمع طرحها خلال العامين القادمين، حسبما أورد تقرير نشرته Knight Frank، المجموعة البريطانية الرائدة في الاستشارات العقارية.
أما على مستوى المواطن السعودي، فإن ارتفاع إيجارات المكاتب يحمل آثاراً مباشرة وغير مباشرة، فزيادة التكاليف الثابتة للشركات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، تدفعها إلى تقليص حجم العمليات أو تحميل جزء من هذه التكاليف على العملاء والمستهلكين في نهاية المطاف، وكثير من رواد الأعمال قد يجدون أنفسهم مجبرين على البحث عن حلول بديلة مثل العمل عن بُعد أو مشاركة المساحات المكتبية، ما يستدعي سياسات دعم مبتكرة من صناع القرار لتفادي انتقال الضغوط إلى أسعار السلع والخدمات وارتفاع كلفة المعيشة للمواطنين، حسب تقرير نشرته منصة S&P Global Ratings، المتخصصة في التحليلات الاقتصادية والأسواق المالية.
ضغط متزايد على الشركات
يؤكد الخبير الاقتصادي، حسام عايش، لـ"العربي الجديد"، أن المملكة العربية السعودية تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في الطلب على إيجارات المكاتب، خصوصاً مع انتقال نحو 660 مقراً إقليمياً لشركات دولية إلى أراضيها، ما يعكس جاذبية البيئة الاستثمارية المتزايدة، موضحاً أن هذا الارتفاع في الطلب ترافق مع زيادة متوسطة في الإيجارات تصل إلى نحو 13%، مع تفاوت ملحوظ بين المدن، إذ تفوق مستويات الرياض وجدة نظيرتها في الدمام.
ويضيف عايش أن هذا التصاعد في تكاليف الإيجار يشكل ضغطاً متزايداً على الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعتمد على المكاتب عنصراً أساسياً في تشغيل أنشطتها، ما ينعكس بدوره على المواطن، سواء كعامل أو صاحب مشروع، من خلال ارتفاع تكاليف التشغيل واحتمال تأجيل إطلاق أو توسيع الأنشطة الاقتصادية.
وإزاء ذلك، يلجأ بعض الأفراد إلى حلول بديلة، مثل الاعتماد على الأدوات الرقمية أو تأجيل التسجيل القانوني لمشاريعهم، انتظاراً لتوفر خيارات إيجارية أكثر ملاءَمة مالياً، حسب عايش، لافتاً إلى أن القطاع العقاري في المملكة سجل نمواً بلغ 6.5% في عام 2024، كذلك ارتفعت الاستثمارات في التطوير العقاري إلى نحو 53 مليار دولار سنوياً، ومع ذلك فإن مؤشر ثقة السوق العقاري التجاري سجل تراجعاً نسبياً، إذ انخفض من +22 إلى +9، ما يدل على دخول السوق مرحلة أكثر تحفظاً وهدوءاً.
ويعزو عايش هذا التحول إلى مزيج من العوامل، أبرزها ارتفاع الكلف التشغيلية واكتمال الموجة الأولى من انتقال المقار الإقليمية الكبرى إلى السعودية، ما خفف من زخم الطلب مقارنةً بالفترات السابقة.
ويشدد عايش على أن القطاع العقاري يمثل إحدى أهم روافع التنويع الاقتصادي في السعودية، إذ يسهم بأكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويرى عايش أن مراجعة هذه الكلف، خصوصاً في ظل اعتماد الاقتصاد السعودي على دعم هذه الفئة، يعد ضرورة لضمان استمرارية الانتعاش الاقتصادي وتحقيق أهداف رؤية 2030 في تمكين المواطن وتنويع مصادر الدخل.
قفزة الطلب بالرياض وجدة
وفي السياق، يشير الخبير الاقتصادي، محمد الناير، لـ"العربي الجديد"، إلى أن زيادة الطلب على إيجارات المكاتب بالسعودية يأتي مدفوعاً بتنفيذ خطة وطنية طموحة تهدف إلى جذب المقار الإقليمية للشركات العاملة في المنطقة، موضحاً أن نقل المقرات الإقليمية للشركات إلى داخل المملكة أسهم مباشرةً في دفع الطلب على المكاتب الإدارية، وخصوصاً في المدينتين الرئيسيتين، الرياض وجدة، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الإيجارات.
ويعتبر الناير هذا التطور مؤشراً إيجابياً على نجاح تنفيذ محاور رؤية 2030 المتعلقة بجذب الاستثمارات وترسيخ مكانة المملكة مركزاً إقليمياً للأعمال، مضيفاً أن سوق العقارات، الذي تأثر سابقاً بانخفاض الطلب نتيجة قرارات تجديد الإقامات للأجانب وعودة أسرهم إلى بلدانهم، عاد للانتعاش بقوة بفضل السياسات السعودية الجديدة.
فقرار إلزام الشركات بنقل مقارها إلى المملكة أعاد ضخ دماء جديدة في القطاع العقاري، وخصوصاً في قطاع المكاتب، ما يفتح الباب أمام توسع محتمل في العرض العقاري خلال المرحلة المقبلة لتلبية الطلب المتزايد، حسب الناير.
ومع ذلك، يلفت الناير الانتباه إلى أن هذا الارتفاع في الإيجارات يشكل عبئاً متزايداً على الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تعمل بإمكانات محدودة، وقد تجد صعوبة في تحمل تكاليف إيجارية مرتفعة، مشيراً إلى أن الملاك، في ظل تزايد الطلب، قد لا يواصلون تقديم تسهيلات تأجيرية ميسّرة كما في السابق، ما يهدد بخلق اختلالات في بيئة الأعمال الناشئة.
ومن هذا المنطلق، يرى الناير أن على الجهات الحكومية المعنية في السعودية أن تراعي هذا التحدي، وتضع آليات مناسبة للتخفيف من أثر ارتفاع الكلف على الفئات الأكثر تأثراً، سواء عبر تحفيز العرض في الفئات المتوسطة، أو عبر دعم مباشر لقطاع المنشآت الصغيرة، لضمان استمرارية الزخم الاقتصادي دون استبعاد فئات فاعلة من منظومة العمل.