استمع إلى الملخص
- النمو الائتماني السريع يوفر سيولة ويحفز الاستثمار، لكنه قد يؤدي إلى تضخم الأصول وزيادة هشاشة النظام المالي إذا لم يتم ضبطه، خاصة مع الاعتماد على الدين في رؤية 2030.
- التحولات الثقافية والمالية جعلت الاقتراض جزءًا أساسيًا من الاقتصاد، مع تحذيرات من مخاطر المديونية العالية وضرورة التوعية المالية لضمان توجيه القروض نحو مشاريع منتجة.
كشفت تقارير بحثية أميركية وأوروبية حديثة أن سوق الإقراض في السعودية يشهد طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالتوسع في الإقراض الرقمي ونماذج التمويل البديل مثل المنصات الإلكترونية والإقراض من نظير إلى نظير (P2P) والتمويل الجماعي. وبحسب تقديرات منصة غلوبي نيوز واير، تجاوز حجم سوق الإقراض الرقمي 42 مليار دولار عام 2024، مع توقع أن يصل إلى أكثر من 56 ملياراً بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز 13%. كما أظهرت دراسة لـ Mobility Foresights أن سوق الإقراض P2P بلغ نحو 10 مليارات دولار في 2022، مع استمرار الطلب على التمويل السريع والمرن بعيداً عن البنوك التقليدية.
ترى منصة Statista أن هذه الطفرة تعزز الشمول المالي وتوفر فرص تمويل لرواد الأعمال والشركات الصغيرة والشباب الذين يواجهون صعوبات مع البنوك التقليدية. كما تتيح المنصات الرقمية وصولاً أسرع وأكثر شفافية وتدعم الابتكار في خدمات التمويل. لكن تقارير أخرى مثل TechSci Research تحذر من مخاطر التوسع السريع من دون ضوابط تنظيمية كافية، أو من تراخي معايير التقييم الائتماني، ما قد يفاقم المخاطر إذا لم يتم ضبط الجودة. ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن تحديث اللوائح السعودية ساعد على موازنة النمو مع ضبط نسبي للمخاطر.
سيف ذو حدين
يقول فاتح بييكلي، عضو الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، لـ"العربي الجديد"، إن النمو الائتماني السريع سيف ذو حدين: فهو يوفر السيولة ويحفز الاستثمار، لكنه في حال عدم الانضباط قد يؤدي إلى تضخم أسعار الأصول وزيادة هشاشة النظام المالي. ويضيف أن الخليج واجه سابقاً أزمات مشابهة، ما يجعل السعودية عرضة للتجربة نفسها إذا لم تتخذ إجراءات وقائية.
ويطرح بييكلي تساؤلات حول هوية المقترضين وأهداف القروض؛ فإذا تركزت في العقارات أو الاستهلاك قصير الأجل أو الشركات عالية المديونية، فإن المخاطر تتضاعف. أما إذا وجهت للاستثمار المنتج والابتكار وتنويع الاقتصاد، فقد تمثل خطوة حقيقية نحو نمو مستدام. ويشير إلى أن البيانات تظهر مزيجاً من النمطين في السعودية: تمويل للبنية التحتية والتحول الاقتصادي، إلى جانب تمويل استهلاكي قائم على الاقتراض.
ويرى بييكلي أن رؤية 2030 تقوم على التنويع، لكن الاعتماد المفرط على الدين أساس هش. فإذا تجاوز نمو الاقتراض نمو الدخل، فإن القدرة على السداد تتراجع. ومع أي هبوط في أسعار النفط أو تشديد عالمي في السيولة، قد تتحول الضغوط إلى أزمة نظامية تهدد القطاع المصرفي والإصلاحات الاقتصادية. ويؤكد أن تقييم الظاهرة يتوقف على الأفق الزمني: قصير المدى محفز للنمو، أما على المدى الطويل فقد يتحول إلى فخ ديون ما لم يوجه نحو استثمارات منتجة.
تحولات ثقافية ومالية
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي حسام عايش أن السعودية ودول الخليج تشهد تحولات ثقافية ومالية جعلت الاقتراض جزءاً أساسياً من السلوك الاقتصادي، متأثرة بالنموذج الأميركي حيث يرتبط القرض بالمنازل والتعليم والسيارات. ويضيف أن هذه المرحلة الانتقالية في الاقتصاد السعودي تتطلب نشاطاً اقتصادياً يفوق ما يوفره الدخل التقليدي، لذا سهلت البنوك والمؤسسات المالية الحصول على القروض، أحياناً مع توقع تدخل حكومي عند التعثر.
ويوضح أن المديونية الحكومية تجاوزت 30% من الناتج المحلي، رغم بقاء التصنيف الائتماني عند مستوى A، ما يسمح بالاقتراض بفوائد منخفضة. كما أنشئت صناديق تمويل متخصصة تغطي العقارات، المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والتكنولوجيا، والرياضة، والمبادرات الاجتماعية، إضافة إلى أدوات تمويل مبتكرة مثل صناديق رأس المال الجريء والتمويل الجماعي. أسهمت هذه الديناميكية في تمويل مشاريع واسعة ودعم ريادة الأعمال وتسريع النشاط الاقتصادي، بما يخدم طموح المملكة للانضمام إلى أكبر 10–12 اقتصاداً عالمياً. وتوازن الحكومة بين توظيف أموالها واحتياطيات صندوقها السيادي وبين الاقتراض منخفض الكلفة، ما يعزز الكفاءة المالية ويوفر عائداً يفوق تكلفة الدين.
لكن عايش يحذر من أن المديونية تخضع لقانون "تناقص الغلة": فبعد مستوى معين يصبح الاقتراض أقل فائدة وأكثر عبئاً، وقد يقود إلى صعوبات سداد أو فقاعات اقتصادية، خاصة في العقارات. ويستشهد بأزمات سابقة كفقاعة اليابان في التسعينيات، وأزمة 2008، والحالة الصينية الحالية.
ويؤكد أن التوسع الائتماني يحتاج إلى حملات توعية مالية وضبط أكبر للاستخدام، بحيث توظف القروض في مشاريع منتجة تحقق عائداً حقيقياً، وتسهم في القدرة على السداد. ويخلص إلى أن الاقتراض قد يكون أداة تنموية فعالة إذا ظل موجهاً ومحكوماً، لكن الاعتماد المفرط عليه قد يهدد الاستقرار ويقوض المكاسب الاقتصادية.