- يشير نيك هيلمان إلى ضرورة إعادة النظر في معايير نظام القروض الجامعية بسبب التعديلات المتكررة، مع التأكيد على أهمية دعم نفقات المعيشة أثناء الدراسة نظرًا لارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ نمو الأجور.
- تعكس البيانات الرسمية تراكماً في ديون الطلاب، حيث بلغت الفوائد المضافة 15 مليار جنيه إسترليني في السنة المالية 2024–2025، مما يعزز الجدل حول عدالة النظام الحالي.
أعاد الجدل الذي أثارته تصريحات وزيرة الخزانة البريطانية، ريتشيل ريفز، في مطلع فبراير/شباط حول نظام القروض الجامعية تسليط الضوء على الكلفة الفعلية للتعليم العالي في إنكلترا وويلز ومن يتحمّلها عملياً. ففي حين تؤكد الحكومة أن غير الجامعيين لا ينبغي أن يدفعوا ثمن تعليم الآخرين، تُظهر بيانات حديثة أن العبء انتقل في معظمه إلى الخريجين. وبحسب معهد الدراسات المالية في بريطانيا (IFS)، فإن تجميد عتبة سداد قروض الطلبة الذين التحقوا بالجامعات بين عامي 2012 و2023 يعني أن الخريجين مرشّحون، في المتوسط، لسداد مبالغ تفوق ما اقترضوه، ما يجعل الكلفة طويلة الأجل لهذه القروض "سلبية" بالنسبة للخزينة.
ويقدّر المعهد أن دافعي الضرائب موّلوا نحو 3% فقط من كلفة التعليم العالي للدفعات التي التحقت بالجامعات بعد جائحة كوفيد-19 (ما يُعرف بالخطة الثانية)، فيما تحمّل الطلبة والخريجون النسبة الساحقة المتبقية، في تحوّل يعكس انتقال تمويل التعليم العالي من استثمار عام إلى عبء فردي طويل الأمد.
في هذا السياق يقول نيك هيلمان، مدير معهد سياسات التعليم العالي لـ"العربي الجديد"، إنّه من الصحيح من حيث المبدأ أن يساهم الخريجون في كلفة تعليمهم العالي، لافتًا إلى أن الخريجين غالباً يميلون إلى تحقيق دخول أعلى بكثير مقارنة بغير الخريجين. ويضيف أن هذا الواقع يوفّر مبرراً قوياً لوجود نظام القروض الجامعية بالشكل العام المعمول به في بريطانيا. غير أن هيلمان يشدّد في المقابل على أن هناك ما يستدعي إعادة النظر في المعايير الدقيقة التي يقوم عليها هذا النظام، موضحاً أنه تعرّض على مدار السنوات الماضية لتعديلات متكررة وكثيفة، غالبًا بدوافع سياسية قصيرة الأمد.
وبرأيه، إن هذا التلاعب المستمر في قواعد النظام قد يكون أدى إلى نتائج غير عادلة، بحيث جرى تحميل بعض أفواج الخريجين أعباءً أثقل من غيرهم، مقارنة بخريجين من سنوات أو مسارات دراسية مختلفة. ويتقاطع هذا الموقف مع رؤية أوسع يتبنّاها معهد سياسات التعليم العالي (HEPI)، الذي يرى أن نموذج القروض الجامعية يظل، من حيث المبدأ، أكثر عدالة من التمويل المباشر من الضرائب، كونه يربط المساهمة في الكلفة بحجم الاستفادة المالية من التعليم العالي.
غير أن المعهد يقرّ بأن ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ نمو الأجور جعلا حتى الدخول المتوسطة تواجه صعوبة متزايدة في تحمّل أعباء السداد، لا سيما في المدن الكبرى، معتبراً أن دعم نفقات المعيشة أثناء الدراسة بات أكثر إلحاحاً من الجدل حول إلغاء الرسوم بالكامل.
وعلى المستوى الكلي، تعكس بيانات رسمية نقلتها تقارير برلمانية وإعلامية بريطانية حجم الاختلال الذي أنتجه هذا النموذج حتى بلغت الفوائد المضافة إلى ديون قروض الطلاب في إنكلترا نحو 15 مليار جنيه إسترليني في السنة المالية 2024–2025، في حين أن قيمة السداد لم تتجاوز 5 مليارات جنيه، ما يعكس تراكُماً مستمراً في الدين. اقتصادياً، يعمل هذا النظام كضريبة إضافية على العمل. فخريجو ما بعد كوفيد يبدأون سداد 9% من أي دخل يتجاوز عتبة سنوية تبلغ نحو 29 ألف جنيه إسترليني، بينما تستمر الفوائد في التراكم بمعدلات مرتفعة، ما يعني أن إجمالي الدين قد يواصل الارتفاع حتى بعد بدء السداد. ويستمر هذا الالتزام لما يصل إلى 30 عاماً أو 40 عاماً بالنسبة للأفواج الأحدث ضمن "الخطة الخامسة"، قبل شطب الرصيد المتبقي إن لم يُسدَّد بالكامل.
وتزداد حدة هذه الضغوط مع اقتراب الحد الأدنى للأجور من عتبة السداد. إذ يتوقع مكتب مسؤولية الموازنة أن يرتفع الحد الأدنى للأجور إلى نحو 28,995 جنيهًا سنويًا بحلول عام 2030، أي أقل بنحو 400 جنيه فقط من عتبة السداد المجمدة. ويعني ذلك أن خريجين يتقاضون أجوراً منخفضة نسبيًا سيدخلون تلقائيًا دائرة السداد، من دون تحسّن فعلي في قدرتهم الشرائية. ويشير خبراء في السياسات الضريبية إلى أن أقساط القروض الجامعية، عند جمعها مع ضريبة الدخل والتأمين الوطني، ترفع المعدل الضريبي الهامشي لبعض الخريجين إلى أكثر من 50% وهو مستوى يُضعف الحوافز على الترقية الوظيفية وزيادة الإنتاجية ويجعل العائد من العمل الإضافي محدود الجدوى اقتصاديًا. كما ينعكس هذا العبء على قرارات الادخار طويلة الأجل.
إذ تقول مجموعات بحثية معنية بإصلاح نظام القروض إن الاقتطاعات الشهرية المرتفعة تعرقل قدرة الشباب على الادخار لشراء المنازل أو تكوين أسر أو التخطيط للتقاعد، محذّرة من أن هذه الآثار قد تترك بصمة سلبية على النمو الاقتصادي في المدى البعيد. وفي شهادة لـ"العربي الجديد"، تقول يارا، وهي خريجة جامعية أنهت دراستها في صيف عام 2023 ضمن نظام القروض المعروف بـ"الخطة الثانية"، إنّ حجم دينها الجامعي بلغ عند التخرج نحو 61 ألف جنيه إسترليني، قبل أن ينخفض لاحقاً إلى نحو 48 ألف جنيه.
وتشير إلى أنها تسدّد حالياً ما يقارب 105 جنيهات إسترلينية شهريًا، تشمل أقساط قروض مرحلتي البكالوريوس والدراسات العليا. وفي تقييمها للنظام القائم، ترى يارا أن نظام القروض الجامعية عادل من حيث المبدأ، لأنه يتيح للطلبة متابعة تعليمهم من دون الحاجة إلى دفع الرسوم مقدمًا، ما يفتح باب الجامعة أمام شريحة واسعة من المواطنين في المملكة المتحدة. وبرأيها، فإن ربط السداد بالحصول على دخل مستقر بعد التخرج يجعل النظام عمليًا، إذ لا يبدأ الخريجون بتسديد القروض إلا عندما يصبحون قادرين على ذلك مالياً.
غير أن تجربة يارا لا تعكس بالضرورة واقع جميع الخريجين، إذ تُظهر شهادات أخرى تفاوتًا واسعًا في أثر القروض الجامعية باختلاف الدخل والمسار المهني وتوقيت التخرج. ففي تقرير نشرته مجلة "بيغ إيشو"، يروي جورج، وهو خريج يعمل في وظيفة جيدة الأجر نسبيًا، أن دينه الجامعي واصل الارتفاع رغم انتظامه في السداد، نتيجة معدلات الفائدة المرتفعة. ويشير إلى أن الاقتطاعات المرتبطة بالقرض الجامعي، عند جمعها مع ضريبة الدخل والتأمين الوطني، رفعت معدله الضريبي الهامشي إلى نحو 51%، ما جعله يعيد التفكير في جدوى السعي إلى الترقيات أو زيادة دخله.
ويبرز هذا التباين بين التجربتين أن نظام القروض الجامعية، وإن بدا قابلاً للإدارة بالنسبة لبعض الخريجين في المراحل الأولى من حياتهم المهنية أو ضمن دخول متوسطة، قد يتحول إلى عبء متراكم لدى آخرين مع تقدّمهم الوظيفي، لا سيما في ظل الفوائد المرتفعة وتجميد عتبات السداد. وهو ما يعزّز الجدل الدائر حول ما إذا كان النظام الحالي يعامل أفواج الخريجين بعدالة متساوية، أم أنه يأتي بنتائج مختلفة جذرياً بحسب التوقيت والدخل والظروف الاقتصادية العامة.