صورة واشنطن تهتز... لماذا يثق العالم بالصين أكثر من أميركا؟
- التغيرات الاقتصادية: الحرب التجارية أضعفت تنافسية الاقتصاد الأمريكي، بينما عززت الصين حضورها التجاري، محققة فائضًا تجاريًا قياسيًا، مما يغير موازين القوة الاقتصادية لصالح الصين.
- التكنولوجيا والطاقة: المنافسة تتجه نحو التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حيث تنافس النماذج الصينية نظيراتها الأمريكية، واستثمارات الصين في الطاقة المتنوعة تعزز مرونتها الاقتصادية.
لم يعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين يُقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو القوة العسكرية أو التفوق التكنولوجي، بل أصبح يمتد إلى عنصر أكثر تأثيراً في رسم موازين الاقتصاد العالمي، وهو الثقة الدولية. ففي الوقت الذي تسعى فيه بكين إلى ترسيخ مكانتها بوصفها شريكاً تجارياً واستثمارياً طويل الأجل، تواجه واشنطن تراجعاً ملحوظاً في صورتها العالمية، وسط تصاعد التساؤلات بشأن قدرتها على قيادة الاقتصاد الدولي والحفاظ على استقرار النظام التجاري الذي قادته لعقود.
وقال الكاتب في صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، إدوارد لوس، في تحليل نشره اليوم الثلاثاء، إن التراجع في مكانة الولايات المتحدة لم يعد قضية سياسية بحتة، بل أصبح يحمل أبعادا اقتصادية مباشرة، لأن ثقة الحكومات والمستثمرين والشركات العالمية تشكل أحد أهم مقومات النفوذ الاقتصادي. وأشار إلى أن نتائج استطلاعات مركز بيو للأبحاث أظهرت للمرة الأولى منذ نحو عقدين أن الصين باتت تحظى بثقة أكبر من الولايات المتحدة في غالبية الدول التي شملها الاستطلاع، رغم استمرار تفوق واشنطن في مؤشرات الحريات الفردية. وخلص إلى أن كثيرا من الدول أصبحت تربط بين الثقة وكفاءة الإدارة، بحيث لم تعد القوة الاقتصادية وحدها كافية للحفاظ على النفوذ العالمي.
وتعزز نتائج استطلاع نشره مركز بيو للأبحاث في 15 يوليو/تموز 2026 هذا الاتجاه، إذ أظهر الاستطلاع، الذي استند إلى مقابلات أُجريت بين 8 فبراير/شباط و13 مايو/أيار 2026 وشمل 42,151 شخصا في 36 دولة عبر ست قارات، أن عدد الذين يثقون بالرئيس الصيني شي جين بينغ أصبح يفوق عدد الذين يثقون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، في تحول يعد الأول من نوعه خلال نحو عشرين عاما من استطلاعات المركز. كما لم تتفوق الولايات المتحدة على الصين إلا في ست دول فقط، بينما سجلت بكين تقدما واضحا حتى داخل عدد من الدول الحليفة لواشنطن، مثل كندا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. وأشار الاستطلاع إلى أن متوسط الثقة في شي جين بينغ داخل 20 دولة يتابعها المركز سنويا منذ عام 2023 أصبح أعلى من الثقة في ترامب بفارق 10 نقاط، في مؤشر على تحول ملموس في صورة القوتين الاقتصاديتين لدى الرأي العام العالمي.
الاقتصاد في قلب التحول
ولا ينفصل هذا التحول في الصورة الدولية عن الأداء الاقتصادي للبلدين. فوفق تقرير لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، الصادر في 10 مارس/آذار 2026، أدت الحرب التجارية والرسوم الجمركية إلى إضعاف تنافسية الاقتصاد الأميركي، بينما نجحت الصين في تعزيز حضورها التجاري والاستثماري عالميا. ويشير التقرير إلى أن الشركات الأميركية سجلت أعلى مستويات الإفلاس خلال خمسة عشر عاما، كما تراجعت صادرات فول الصويا الأميركية إلى السوق الصينية بنسبة 32%، في حين تحملت الأسر الأميركية أعباء إضافية بلغت في المتوسط نحو 1700 دولار سنويا نتيجة الرسوم الجمركية. وفي المقابل، حققت الصين أكبر فائض تجاري في تاريخها، بما عزز موقعها كمحرك رئيسي للتجارة العالمية.
وبحسب وكالة رويترز، اليوم الثلاثاء، يستعد الرئيس الأميركي لفرض رسوم جمركية جديدة على عشرات الدول، مع اقتراب انتهاء العمل بالرسم العالمي المؤقت البالغ 10% يوم الجمعة المقبل. وذكرت أن الإدارة تبحث عن مسارات قانونية تسمح لها بإبقاء الرسوم عند مستويات مماثلة، وربما زيادتها، بعدما قيدت أحكام قضائية بعض الصلاحيات التي استخدمها ترامب سابقا، ما يعيد حالة عدم اليقين إلى الشركات والأسواق وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي أحدث حلقات التصعيد، أعلنت واشنطن فرض رسوم بنسبة 50% على مجموعة من الواردات الكندية تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار سنويا، على أن تدخل حيز التنفيذ بعد 30 يوما، مستندة إلى مادة نادرا ما استخدمت من قانون التعرفة لعام 1930. وتشمل الإجراءات سلعا مثل الأسمنت والمشروبات وبعض المنتجات الاستهلاكية، بينما استثنيت منها قطاعات استراتيجية، من بينها الطاقة والبوتاس والمعادن الحيوية. وردت الحكومة الكندية بالتأكيد على استعدادها لتكثيف المفاوضات، وسط تحذيرات من أن التصعيد قد يرفع الأسعار ويزيد تكاليف الإنتاج ويعمق اضطراب العلاقات التجارية داخل أميركا الشمالية.
ويرى تقرير لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي أن مؤشرات تراجع تنافسية الاقتصاد الأميركي، مقابل تنامي الحضور التجاري والاستثماري للصين، لا تمثل مجرد انعكاس لدورة اقتصادية عابرة، وإنما تعكس تحولا تدريجيا في موازين القوة الاقتصادية العالمية. ويعزو التقرير ذلك إلى توسع الصين في الأسواق الناشئة، واستمرارها في الاستثمار في البنية التحتية وسلاسل الإمداد، مقابل تراجع اعتماد الولايات المتحدة على أدواتها الاقتصادية التقليدية لتعزيز نفوذها الدولي. ويؤكد أن هذه المتغيرات أسهمت في ترسيخ صورة الصين لدى عدد متزايد من الدول باعتبارها شريكا اقتصاديا أكثر استقرارا وقابلية للتنبؤ، وهي عوامل باتت تؤثر بصورة مباشرة في قرارات الاستثمار والتجارة الدولية.
الطاقة.. نموذجان متباينان
ويعد ملف الطاقة أحد أبرز المجالات التي يرى مراقبون أنها أسهمت في إعادة تشكيل صورة البلدين لدى الأسواق العالمية. فبحسب تحليل إدوارد لوس، واصلت الصين الاستثمار في جميع مصادر الطاقة، من النفط والغاز والفحم إلى الطاقة المتجددة، في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز أمن الإمدادات وتقليل الاعتماد على الخارج، بينما ركزت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على دعم الوقود الأحفوري وتقليص الحوافز الموجهة لمشروعات الطاقة النظيفة. ويرى لوس أن هذا التباين منح بكين مرونة أكبر في التعامل مع اضطرابات أسواق الطاقة، كما ساعدها على الحد من تأثير ارتفاع أسعار النفط في الاقتصاد المحلي خلال الأشهر الأخيرة.
ولا يقتصر الأمر على أمن الطاقة، بل يمتد إلى الاقتصاد الأخضر، إذ أصبحت الصين المنتج الأكبر عالميا للألواح الشمسية والبطاريات والسيارات الكهربائية، ما منحها موقعا متقدما في القطاعات التي يتوقع أن تقود النمو العالمي خلال العقود المقبلة، في وقت لا تزال فيه الولايات المتحدة تواجه انقساما سياسيا حول سياسات التحول الطاقي.
ويرى تقرير مجلس الشيوخ، أن توسع الصين في الاستثمار الخارجي بات أحد أهم أدوات تعزيز نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي. ويشير إلى أن بكين سجلت عقود إنشاءات بقيمة 66.2 مليار دولار واستثمارات مباشرة بلغت 57.1 مليار دولار ضمن مبادرة الحزام والطريق خلال النصف الأول من عام 2025، وهو ما عزز حضورها في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، في وقت خفضت فيه الولايات المتحدة مساعداتها الخارجية، الأمر الذي أضعف قدرتها على المنافسة في كثير من الأسواق النامية. ويضيف التقرير أن هذا التوسع لم يعد يقتصر على تمويل مشروعات البنية التحتية، بل أصبح يشمل الموانئ، والخدمات اللوجستية، والطاقة، والاتصالات، وسلاسل التوريد، وهي قطاعات تمنح الصين نفوذا اقتصاديا طويل الأجل وتزيد اعتماد عدد متنامٍ من الدول على الشراكة معها.
التكنولوجيا... ساحة المنافسة الجديدة
وفي موازاة ذلك، تتجه المنافسة الأميركية الصينية إلى مرحلة جديدة تقودها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ويشير إدوارد لوس إلى أن النماذج الصينية منخفضة التكلفة ومفتوحة المصدر بدأت تنافس بقوة نظيراتها الأميركية الأعلى تكلفة، وهو ما يضعف إحدى أهم ركائز التفوق الأميركي خلال العقود الماضية، ويجعل المنافسة أكثر ارتباطاً بسرعة الابتكار وقدرة الشركات على خفض التكاليف والوصول إلى الأسواق العالمية. ويتفق تقرير مجلس الشيوخ مع هذا الطرح، موضحا أن الصين توسع برامج استقطاب الباحثين والمهندسين، بينما تجاوزت جامعاتها نظيراتها الأميركية في الإنتاج العلمي، إلى جانب ريادتها في صناعات السيارات الكهربائية والبطاريات والألواح الشمسية. ويرى التقرير أن هذه التطورات تعزز قدرة بكين على قيادة صناعات المستقبل، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات تتعلق بنقص الكفاءات والقيود المفروضة على استقطاب المواهب الأجنبية.
وتشير نتائج استطلاع مركز بيو للأبحاث إلى أن تحسن صورة الصين لا يرتبط فقط بالاقتصاد، بل أيضا بنظرة كثير من الدول إليها باعتبارها شريكا أكثر موثوقية في دعم الاستقرار. فقد أظهر الاستطلاع أن غالبية المشاركين في الدول متوسطة الدخل يرون الصين شريكا أفضل، بينما قال 75% منهم إن الولايات المتحدة تتدخل في شؤون الدول الأخرى، مقابل 45% فقط قالوا الشيء نفسه عن الصين. كما سجلت الولايات المتحدة تراجعا حادا في نظرتها الإيجابية داخل عدد من أقرب حلفائها، إذ انخفضت شعبيتها في كندا من 57% عام 2023 إلى 33% في عام 2026، مقابل ارتفاع نظرة الكنديين الإيجابية إلى الصين من 14% إلى 44% خلال الفترة نفسها.