صنع في أوروبا: معسكر اقتصادي يرفض التوجه الحمائي الفرنسي
- تتبنى فرنسا أجندة "شراء المنتجات الأوروبية"، بينما تستعد المفوضية الأوروبية لإصدار قوانين تحدد نسبة المدخلات الأوروبية، في حين تفضل ألمانيا وإيطاليا نهج التجارة الحرة.
- يمتد الانقسام إلى التوتر مع الولايات المتحدة، حيث يتبنى ماكرون موقفًا تصادميًا، بينما تتخذ ألمانيا وإيطاليا نهجًا أكثر حذرًا.
ينقسم القادة الأوروبيون مجدداً، وهذه المرة على مشروع ضخم يدعمه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وتضعه المفوضية الأوروبية على جدول النقاشات بجدية مطلقة: "صنع في أوروبا". يذهب ماكرون إلى إعطاء الأولوية للموارد المحلية في القطاعات الاستراتيجية مثل المواد الكيميائية والرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا وغيرها، وذلك في مواجهة الإغراق الصيني للأسواق، والحمائية التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. إلا أن مجموعة أخرى من الدول، على رأسها ألمانيا، ترفض تماماً هذا التوجه، وتعتبره أداة لخفض حجم التجارة والاستثمار مع التكتل. وبين فرنسا وألمانيا تتعمق الفجوة ويتصاعد الفشل في ترسيخ السوق الموحدة الأوروبية.
يقول بعض المسؤولين لـ"فاينانشال تايمز" إن هذه السياسة تشبه إلى حد ما السياسات الصناعية الصينية "صنع في الصين 2025" و"معايير الصين 2035"، والتي هدفت إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي للصين في القطاعات الاستراتيجية ودفع الشركات الأجنبية نحو المشاريع المشتركة مع الشركات الصينية للوصول إلى سوقها.
وفي حديثه أمام حشد من قادة الأعمال في مدينة أنتويرب البلجيكية الساحلية، قال ماكرون منذ أيام: "إذا كنتم تريدون الحفاظ على الوظائف في هذه القارة، وإذا كنتم تريدون الحفاظ على نماذجنا الاجتماعية، وإذا كنتم تريدون التحدث عن أشباه الموصلات والصناعات الكيميائية وما إلى ذلك، فعلينا الحفاظ على المحتوى الأوروبي وتحديده عن طريق التصميم". هذا الخطاب أثار حفيظة المستشار الألماني فريدريش ميرز، محذراً من أن نهج "صنع في أوروبا" قد يكون ضيقاً للغاية. وقال ميرز في الاجتماع نفسه: "ينبغي لنا استخدام قواعد التفضيل الأوروبية، ولكن بطريقة ذكية، فقط للقطاعات الاستراتيجية الحيوية وكحل أخير فقط".
وعلى الرغم من أن الدول الأوروبية متحدة في إدراكها لحاجة التكتل إلى تعزيز قدرته التنافسية وتقوية سوقه الموحدة، تبقى الانقسامات عميقة حول كيفية حدوث ذلك، بحسب وكالة "بلومبيرغ".
تتبنى فرنسا أجندة "شراء المنتجات الأوروبية" على مستوى الاتحاد الأوروبي في مختلف المجالات، بدءاً من الإنتاج الدفاعي وصولاً إلى قواعد المشتريات. ويأتي ذلك في الوقت الذي تستعد فيه المفوضية الأوروبية، الذراع التنفيذية للاتحاد الأوروبي، للكشف عن قانون تسريع الصناعة الشهر المقبل، والذي سيحدد نسبة المدخلات الأوروبية التي يجب تضمينها في المنتجات.
كما ستنشر المفوضية قواعد تُخضع الاستثمارات الأجنبية الرئيسية لشروط صارمة تتعلق بمشاركة التقنيات، وتوظيف العمال المحليين، وإقامة مشاريع مشتركة مع الشركات الأوروبية. قال ماكرون: "إذا أردنا استثماراً كافياً في مجالات الفضاء والدفاع والأمن، والتقنيات النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، وتحسين الإنتاجية والتنافسية، فإن السبيل الوحيد هو إصدار سندات دين مشتركة". وتعارض برلين هذا الرأي، مؤكدة ضرورة توجيه المزيد من الأموال في ميزانية الاتحاد الأوروبي طويلة الأجل نحو الاستثمارات، بدلاً من تقليص الإنفاق على قطاعات مثل الزراعة، على سبيل المثال.
وتقف إيطاليا جنباً إلى جنب مع ألمانيا في رفض خطة ماكرون، حيث تحشد الدولتان الدعم لبرنامج مختلف يركز بشكل أكبر على التجارة الحرة. فقد أوضح ميرز ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في الأسابيع الأخيرة أنهما يفضلان نهجاً يهدف إلى إنعاش الصناعة الأوروبية، ولكن بطابع أقل حمائية لتجنب إبعاد الشركاء التجاريين والاستثماريين المحتملين. وتُعارض إستونيا وفنلندا ولاتفيا وليتوانيا وهولندا والسويد بشكلٍ أكثر وضوحاً خطط فرنسا "صُنع في أوروبا". وقد حذّرت هذه الدول، في ورقة موقف مشتركة نُشرت الأسبوع الماضي، من أن السعي وراء الأفضلية الأوروبية يُنذر بخطر "إبعاد الاستثمارات عن الاتحاد الأوروبي".
والانقسام الحاصل يمتد أيضاً إلى مستوى التوتر مع واشنطن، حيث اتخذ ميلوني وميرز نهجاً أكثر حذراً، في حين أن الرئيس الفرنسي يتبنى الآن علناً موقفاً أكثر تصادمية. قال ألبرتو ريتزي، الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية لـ "بوليتيكو": "يبدو أن كلّاً من ميرز وميلوني أقل استعداداً من ماكرون لإغضاب الرئيس ترامب. روما وبرلين أكثر عرضة للخطر في ما يتعلق بالمشتريات العامة، ولا سيما في مجال المعدات العسكرية، مقارنة بباريس".
وقعت ألمانيا الشهر الماضي وثيقة مشتركة مع إيطاليا تحدد أولوياتهما التجارية، وهو نوع الوثائق التي اعتادت فرنسا وألمانيا صياغتها معاً، بحسب "بوليتيكو". وتدعم الورقة مرونة أكثر بشأن الأفضلية الأوروبية التي لا تنطبق إلا على "القطاعات الاستراتيجية الأساسية والحيوية". على الجانب الآخر، يجادل مؤيدو قواعد "الشراء الأوروبي" بأنها الطريقة الوحيدة لمنع التآكل المستمر لصناعة التصنيع في الاتحاد الأوروبي التي تبلغ قيمتها 2.58 تريليون يورو وسط ارتفاع أسعار الطاقة، والمنافسة من المنتجات الصينية والجنوب آسيوية الرخيصة، وبرنامج الرئيس الأميركي دونالد ترامب التجاري المتقلب.
يقول ستيفان سيجورنيه، نائب الرئيس التنفيذي للاتحاد الأوروبي لشؤون الازدهار والاستراتيجية الصناعية لـ "فاينانشال تايمز": "إن استقلالنا الأوروبي له ثمن، لكنه أقل بكثير من ثمن تبعيتنا للآخرين. الصين لديها شعار "صنع في الصين"، والولايات المتحدة لديها شعار "اشترِ أميركياً"، وكندا لديها شعار "اشترِ كندياً"، لقد حان الوقت لأوروبا أن تدافع عن نفسها، وأن يكون لديها نظام مماثل".
وقد نُشر هذا الأسبوع مقال رأي كتبه فريق سيجورنيه في 15 صحيفة وطنية، يُحدد مبادئ تشريع "صُنع في أوروبا"، ووقعه أكثر من 1000 رئيس تنفيذي أوروبي. ومع ذلك، قال بنيامين دوسا، وزير التجارة السويدي، إن هذا "التوجه الواضح نحو الحمائية" من شأنه أن يبطئ التجارة بدلاً من تسهيلها.