صناعة كادت تموت.. بريطانيا تنتزع عرش الجبن من فرنسا

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 23:48 (توقيت القدس)
بائع جبن في لندن، 18 إبريل 2021 (Getty)

تشهد صناعة الجبن البريطانية نهضة لافتة أعادت مئات المنتجين وآلاف الأصناف المحلية إلى الأسواق ودفعت الصادرات إلى مستويات قياسية، مستفيدة من حرية أكبر في الابتكار وتزايد الطلب على المنتجات الحرفية، حتى بات عدد أنواع الجبن في بريطانيا يتجاوز نظيره في فرنسا بأكثر من الضعف وفق بعض التقديرات. لكن الصناعة التي ارتفعت صادراتها إلى نحو 1.3 مليار دولار تواجه مرحلة أكثر صعوبة بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام والمخاوف المرتبطة بالإنتاج من الحليب الخام. وبحسب تقرير نشرته مجلة "ذي إيكونوميست"، أمس الاثنين، ارتفع عدد أصناف الجبن البريطانية إلى نحو 1400 نوع، أي أكثر من ضعف العدد الموجود في فرنسا وفق بعض طرق الإحصاء، فيما تجاوز عدد منتجي الجبن في بريطانيا 300 منتج.

ونقلت المجلة عن ماثيو أوكالاهان، منظم معرض الجبن الحرفي، وهو الأكبر من نوعه في بريطانيا، قوله إن التنوع بات واسعا إلى درجة تتيح للمستهلك تناول نوع مختلف من الجبن البريطاني ومن منتج مختلف كل يوم من أيام السنة. وجاء هذا الصعود بعد عقود كانت فيها صناعة الجبن التقليدية البريطانية مهددة بالاختفاء، قبل أن تنجح موجة جديدة من المنتجين الحرفيين في إعادة بناء القطاع، مستفيدين من تغير أذواق المستهلكين والطلب المتزايد على الأغذية التي تتمتع بهوية محلية واضحة. وتعود صناعة الجبن في المزارع البريطانية إلى قرون، إذ اعتاد المزارعون تحويل فائض الحليب إلى منتجات غذائية يمكن الاحتفاظ بها لفترات طويلة.

وتركت الحقب المختلفة بصماتها على الصناعة، فاستخدم الرومان الأجبان الجافة غذاء للجنود، وأتقن الرهبان صناعة أنواع ذات قشور مغسولة، فيما طورت أجيال من المزارعين أصنافاً محلية مثل "لانكشاير" و"وينسليديل". لكن الحربين العالميتين وجهتا ضربة قاسية للصناعة، إذ أدى تقنين الحليب خلال سنوات الحرب إلى تركيز جانب كبير من الإنتاج المحلي والقضاء على جزء كبير من منظومة المدارس والخبرات المتخصصة التي كانت تدعم المنتجين. وتراجع عدد منتجي الجبن في المزارع البريطانية من نحو 3500 إلى قرابة 100 خلال الحربين العالميتين، قبل أن تؤدي موجة التصنيع اللاحقة إلى انخفاض العدد إلى 62 منتجاً فقط في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وفق كتاب "الجبن البريطاني العظيم" لباتريك رانس الصادر عام 1982.

تطور صادرات الجبن البريطاني (بالمليار دولار)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وبدأت نقطة التحول في ثمانينيات القرن الماضي، عندما شرع منتجون حرفيون في إحياء الوصفات التقليدية. لكن اختفاء جزء كبير من الخبرات والمؤسسات المتخصصة جعلهم مضطرين عمليا إلى إعادة تعلم الصناعة من جديد. وتقول مؤسسة مصنع "نيتلبيد" للأجبان، روز غريموند، إن بريطانيا لا تمتلك مؤسسة متخصصة في تعليم صناعة الجبن على غرار فرنسا، ولذلك يضطر المنتجون إلى التعلم من أخطائهم التي قد تكون مكلفة، وفق "ذي إيكونوميست".وتجسد تجربة مصنعها حجم هذه المخاطر، بعدما أصاب فطر كامل إنتاج جبن "هايمور" قبل عيد الميلاد عام 2019. ورغم أن الجبن ظل آمناً للاستهلاك، فإن تغير مظهره جعله غير قابل للبيع، ما اضطر الشركة إلى التبرع بالإنتاج لبنك للطعام.

حلوم قبرصي
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

نهضة تعيد الصناعة من حافة الاختفاء

وتلقت الصناعة دفعة مهمة عام 1994 مع إلغاء مجلس تسويق الحليب، وهي الخطوة التي أنهت الأسعار المضمونة للحليب ومنحت مزارعي الألبان حافزا للبحث عن استخدامات أعلى قيمة لفائض إنتاجهم. وأصبح تحويل الحليب إلى أجبان متخصصة وسيلة أمام المزارعين للحصول على عوائد أعلى بدلا من الاكتفاء ببيع المادة الخام، ما ساعد على ظهور جيل جديد من المنتجين. وتزامن ذلك مع تغير في تفضيلات المستهلكين، إذ باتت شرائح متزايدة تبحث عن منتجات معروفة المصدر وترتبط بقصص محلية وأساليب إنتاج حرفية وممارسات زراعية أفضل. وبحسب شركة الأبحاث "آي مارك"، تنمو مبيعات العلامات التجارية المتخصصة في الجبن بوتيرة أسرع من السوق العامة، فيما بدأت المنتجات البريطانية تحصد اعترافا دوليا متزايدا. وفي جوائز الجبن العالمية العام الماضي، كان ثلاثة من بين 14 منتجا وصلت إلى النهائيات بريطانية، بينها نوعان من جبن "ريد ليستر"، إضافة إلى جبن ماعز طري مغطى بالرماد.

وتمنح القواعد التنظيمية المنتجين البريطانيين مساحة أكبر للابتكار مقارنة بنظرائهم الفرنسيين، إذ يخضع عدد أقل من الأجبان البريطانية لقواعد "تسمية المنشأ المحمية"، كما تقل الضغوط المرتبطة بإنتاج أصناف محددة في مناطق جغرافية بعينها. واستغل المنتجون هذه المرونة للجمع بين الوصفات التاريخية وأساليب إنتاج جديدة. ففي مزرعة "سباركنهو"، يُنتج جبن "ريد ليستر" وفق وصفة تعود إلى القرن الثامن عشر، بينما تنتج مزرعة "فيلثام" في سومرست جبن "رينيغيد مونك" الذي يجمع مستنبتات الجبن الأزرق مع قشرة مغسولة بالجعة البريطانية. وفي سوفولك، تستخدم مزرعة "فين فارم ديري" طريقة يدوية قديمة لإنتاج جبن "بارون بيغود" الشبيه بجبن "بري" الفرنسي، وهي تقنية أصبحت أقل انتشارا حتى داخل فرنسا نفسها.

كما انتقل صانع الجبن الأميركي جو شنايدر إلى نوتنغهامشير لإنتاج جبن "ستيتشلتون"، الذي يشبه "ستيلتون" لكنه يستخدم الحليب الخام، وهو أمر محظور بالنسبة إلى الجبن الذي يحمل اسم "ستيلتون" بموجب قواعد تسمية المنشأ المحمية التي لا تزال مطبقة في بريطانيا، وفق المجلة. ويلجأ شنايدر إلى الحليب الخام لتجنب فقدان النكهات المميزة لمزرعته بسبب البسترة، ويرى أن إحدى نقاط قوة الجبن البريطاني تكمن في ارتباط المنتج بالمزرعة والمكان والشخص الذي يقف خلف عملية الإنتاج.

معرض للجبن في لندن (getty)
اقتصاد الناس
التحديثات الحية

صادرات تتوسع والتكاليف تهدد المنتجين

وتتطلع الصناعة الآن إلى الأسواق الخارجية لتعزيز نموها، إذ ارتفعت قيمة صادرات الجبن البريطاني، بما يشمل المنتجات الحرفية والصناعية، من 818 مليون جنيه إسترليني في 2023 إلى 971 مليون جنيه إسترليني، بما يعادل نحو 1.3 مليار دولار، في 2025. وباحتساب التضخم، يمثل ذلك نموا حقيقيا قدره 12% خلال عامين، ما يعكس توسع الطلب الخارجي على المنتجات البريطانية في وقت يبحث فيه المنتجون عن أسواق قادرة على دفع أسعار أعلى مقابل الأجبان المتخصصة. وتعد أسواق أوروبا الغربية تقليديا من أبرز المشترين، نظرا لاعتياد المستهلكين فيها دفع أسعار أعلى مقابل الأجبان عالية الجودة. وقبل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كان متجر "نيلز يارد ديري" يبيع جبن "ستيلتون" في فرنسا أكثر مما يبيعه داخل بريطانيا، فيما بدأت كندا والصين خلال السنوات الأخيرة شراء كميات أكبر من الجبن البريطاني.

ويظل "تشيدر" القوة الرئيسية في تجارة الجبن البريطانية الخارجية، إذ يستحوذ وحده على نحو 60% من إجمالي قيمة الصادرات، مستفيدا من قدرته على تحمل النقل والتخزين مقارنة بالأجبان الطازجة الأكثر حساسية والأقصر من حيث مدة الصلاحية. غير أن المرحلة المقبلة تبدو أكثر صعوبة، إذ تواجه الشركات ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة. وتقول برونوين بيرسيفال، المشترية لدى متجر "نيلز يارد ديري"، الذي لعب دورا في دعم نهضة الأجبان الحرفية، إن المنتجين باتوا في موقف صعب بفعل ارتفاع التكاليف، بحسب المجلة. كما أضاف ظهور مسببات أمراض جديدة تحديا آخر أمام صناعة الجبن باستخدام الحليب الخام، وأثار مخاوف المنتجين، فيما أصبح عدد العاملين بهذه الطريقة أقل مما كان عليه قبل عقد.

وتراهن الصناعة في المقابل على تحول في الطلب المحلي، إذ تظهر البيانات إقبالا أكبر بين المستهلكين الأصغر سنا على المنتجات الحرفية. ولم تعد المزارع تعتمد على بيع الجبن وحده، إذ بدأت السياحة الغذائية تتحول إلى مصدر إضافي للدخل وأداة لتسويق العلامات المحلية. وتقدم شركة السفر الأميركية "رحلات الجبن"، على سبيل المثال، رحلة تستمر أسبوعا تحت اسم "ملحمة الجبن البريطانية"، تبدأ تكلفتها من 6200 دولار، أو نحو 4600 جنيه إسترليني. وفي نيتلبيد، تحولت المزرعة نفسها إلى وجهة تستقطب العائلات وراكبي الدراجات والخيول، حيث يمكن للزوار تناول شطائر الجبن المحمص ومشاهدة عملية التصنيع من خلال جدران زجاجية. وتكشف التجربة عن تحول اقتصادي أوسع في القطاع، إذ لم يعد المنتج الصغير يبيع قطعة الجبن وحدها، وإنما المصدر وطريقة الإنتاج وتجربة زيارة المزرعة والقصة المرتبطة بالمنتج.