صناعة السيارات الأوروبية تدفع ثمن حرب الرقائق مع الصين
استمع إلى الملخص
- في ألمانيا، دخلت شركات مثل فولكسفاغن و"زد إف" في حالة طوارئ، بينما قلصت بوش ساعات العمل بسبب نقص الرقائق. أعلنت فاليـو الفرنسية عن إيجاد بدائل، لكن القلق يزداد من تحول الأزمة إلى حرب تجارية مفتوحة.
- تصاعدت التوترات السياسية مع إلغاء زيارة وزير الخارجية الألماني للصين وتهديد واشنطن بإدراج نيكسبيريا في قائمة الحظر. الأزمة كشفت هشاشة البنية الصناعية الأوروبية واعتمادها الكبير على الإمدادات الآسيوية.
تخوض صناعة السيارات الأوروبية واحدة من أكثر معاركها تعقيداً منذ أزمة نقص الرقائق العالمية في عام 2021، بعدما تفاقم الصراع التجاري بين الصين والغرب ليضرب قلب سلاسل الإمداد مجدداً. وفي مركز هذه الأزمة الجديدة تقف شركة نيكسبيريا (Nexperia) الهولندية، المملوكة لمجموعة صينية، والتي أصبحت فجأة محور مواجهة دبلوماسية وصناعية تهدد بإرباك خطوط الإنتاج في مصانع كبرى شركات السيارات في أوروبا واليابان على حدّ سواء.
ومنذ أن أقدمت الحكومة الهولندية هذا الشهر على الاستحواذ على شركة نيكسبيريا بدعوى حماية الأمن الصناعي الأوروبي، ردّت بكين بإجراءات مضادة شملت منع تصدير الرقائق من مصانع الشركة داخل الصين، وفقاً لما أورد تقرير لوكالة بلومبيرغ، اليوم الجمعة، مشيرة إلى أن الخطوة فجّرت أزمة سلاسل توريد جديدة، إذ تعتمد مئات المصانع الأوروبية على هذه الشرائح الإلكترونية البسيطة التي تُعدّ مكوّناً أساسياً في معظم السيارات الحديثة، من أنظمة التوجيه إلى وحدات التحكم الإلكترونية.
في ألمانيا، دخلت الشركات في وضع الطوارئ الصناعي. فداخل مقارّ شركتي فولكسفاغن (Volkswagen) و"زد إف" (ZF Friedrichshafen)، تعمل فرق متخصصة على مدار الساعة للبحث عن موردين بدائل وتعزيز مخزونات أشباه الموصلات. وبالرغم من نجاح نسبي في تأمين بعض الإمدادات من شركات مثل إنفينيون تكنولوجيز (Infineon Technologies)، ما زال الخطر ماثلاً في غياب مكوّن واحد فقط يمكن أن يوقف خط إنتاج كامل.
أما شركة بوش (Bosch) فقد بدأت فعلياً التحضير لتقليص ساعات العمل في مصنعها بمدينة زالتسغيتر، الذي يعتمد على تدفق متواصل من الرقائق لتشغيل خطوط إنتاج وحدات التحكم الإلكترونية. وقال أحد ممثلي نقابة العمال في الشركة إنّ "العمل بنظام الساعات المرنة أصبح خياراً واقعياً لتفادي توقف الإنتاج الكامل".
وفي فرنسا، أعلنت شركة فاليـو (Valeo)، التي تزود علامات مثل "مرسيدس" و"ستيلانتيس" و"فولكسفاغن"، أنها نجحت في إيجاد بدائل لغالبية منتجاتها التي تعتمد على شرائح "نيكسبيريا"، مستفيدة من كون تلك الرقائق "سلعية وغير متطورة تكنولوجياً"، بحسب المدير المالي إدوا دو بيرييه. لكنّ القلق يزداد من تصاعد الأزمة وتحولها إلى حرب تجارية مفتوحة. فقد ذكرت تقارير أن "نيكسبيريا" أخطرت عملاءها اليابانيين بأنها قد لا تستطيع ضمان استمرار التوريد، ما يفتح الباب أمام أزمة توريد آسيوية – أوروبية مشتركة.
وقد حذّرت النقابات العمالية في ألمانيا من أن عشرات المصانع الصغيرة والمتوسطة قد تضطر إلى تقليص ساعات العمل الأسبوع المقبل بسبب نقص الرقائق. وقال هورست أوت، المدير الإقليمي لاتحاد عمال المعادن "آي جي ميتال" (IG Metall) في بافاريا، إن ما يجري "ليس أزمة سوق، بل أزمة جيوسياسية ناتجة عن شدّ الحبال بين واشنطن وبكين"، مؤكداً استعداد العمال لنظام "العمل الجزئي المؤقت" إذا استمر الوضع.
وفي مؤشر على تنامي التوتر السياسي، ألغى وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول زيارته الرسمية الأولى إلى الصين قبل يومين فقط من موعدها، بعد أن رفضت بكين تحديد جدول اجتماعات واضح. الخطوة تعكس تدهوراً حاداً في العلاقات الدبلوماسية على خلفية النزاع حول الشركة الهولندية.
والشركة المالكة لـ"نيكسبيريا" وهي "وينغتيك تكنولوجي" (Wingtech Technology) الصينية، وجدت نفسها بين فكي كماشة بعد تهديد واشنطن بإدراج الشركة في "قائمة الحظر التجاري" ضمن معركة السيطرة على التقنيات المتقدمة. النتيجة أن الشركة باتت تمثل بؤرة جديدة في الحرب التكنولوجية العالمية التي باتت تمتد من الرقائق الدقيقة إلى المعادن النادرة، والتي تُعدّ عنصراً حيوياً في صناعة السيارات الكهربائية.
وتحاول الشركات الأوروبية الآن الصمود عبر خطط طوارئ متعددة: تنويع الموردين، وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد، وتخزين المكونات الحساسة تحسباً لأي تصعيد جديد. ومع ذلك، تحذر مؤسسات صناعية من أن هذه الحلول مؤقتة ولا يمكنها الصمود طويلاً أمام اضطراب الإمدادات الآسيوية. ونقلت "بلومبيرغ" عن الأمين العام لجمعية مورّدي السيارات الأوروبية (CLEPA)، بنجامين كريغر، قوله إنّ "عملية التحول في التنقل الأوروبي تعتمد كلياً على استقرار منظومة أشباه الموصلات. الشركات تتلقى ضربات قوية بصفتها منتجين وسطيين بين مصانع المكونات ومصنّعي السيارات".
وبينما يسعى صانعو السيارات الأوروبيون جاهدين لمنع توقف خطوط الإنتاج، يبدو أن الأزمة الحالية أظهرت هشاشة البنية الصناعية في القارة، التي لا تزال تعتمد بشكل شبه كامل على الإمدادات القادمة من آسيا. ومع تصاعد الحرب الاقتصادية بين بكين وواشنطن، يبدو أن المعركة على الرقائق لم تعد تقنية فقط، بل باتت معركة بقاء صناعي لأوروبا بأسرها.