صفقة كولومبيا لشراء مقاتلات "غريبن" تفتح مرحلة جديدة للصناعات الدفاعية السويدية
استمع إلى الملخص
- تأتي الصفقة في سياق تحديث كولومبيا لدفاعها الجوي وسط توترات في البحر الكاريبي، وتبرز رغبة السويد في توسيع التعاون الدفاعي مع دول أخرى، مما يعزز مكانتها كقوة دفاعية رائدة.
- تتميز مقاتلة "غريبن" بفعاليتها الاقتصادية وقدرتها على العمل في ظروف طوارئ، مما يعكس قوة الصناعات الدفاعية السويدية واستقلاليتها التقنية في سوق الأسلحة العالمية.
فتحت صفقة كولومبيا لشراء 17 مقاتلة سويدية من طراز "جاس غريبن"، بقيمة تتجاوز 3.1 مليارات يورو، فصلاً جديداً في مسار الصناعات الدفاعية السويدية التي تشهد توسعاً متسارعاً منذ سنوات. فالصفقة، التي تُعد من أكبر اتفاقيات التصدير العسكري في تاريخ السويد، تعكس حجم التحول الاستراتيجي الذي تشهده ستوكهولم بعد انضمامها إلى حلف الناتو، وتزايد الطلب الدولي على أنظمتها القتالية.
وقالت شركة "ساب" (شركة صناعة طائرات ومعدات دفاع مقرها السويد) في بيان رسمي إن تسليم المقاتلات سيجري بين 2026 و2032، وإن الاتفاقية تشمل تجهيزات عسكرية وبرامج تدريب وتسليح متكامل. واعتبر وزير التجارة الخارجية السويدي، بنيامين دوسا، أن الصفقة "إنجاز استراتيجي" يعزّز الأمن السويدي ويؤكد ارتباط الدفاع بالتجارة. أما الرئيس التنفيذي لشركة "ساب"، ميكائيل يوهانسون، فرأى فيها "بداية شراكة طويلة الأمد تعزز دفاع كولومبيا وقدرتها الابتكارية".
سياق إقليمي وسياسي أوسع
وجاءت الصفقة في وقت تعمل فيه حكومة الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو على تحديث دفاعها الجوي، وسط تصاعد التوتر في البحر الكاريبي وتزايد الحشود الأميركية قرب فنزويلا، وهو ما تعارضه بوغوتا بشدة، وقد رحبت وزيرة الخارجية السويدية ماريا مالمر ستينرغارد بالاتفاقية مؤكدة رغبتها في "توسيع التعاون بين البلدين".
ويعزز هذا التوجه سلسلة من العقود الحديثة التي وقعتها السويد، من بينها شراء تايلاند أربع مقاتلات غريبن في أغسطس/آب، وإعلان ستوكهولم في مارس/آذار توفير ست إلى ثمان طائرات للدفاع الجوي البولندي بطلب من الناتو.
تزايد جاذبية غريبن
وتميُّز مقاتلة غريبن يكمن في فلسفتها "الفعّالة اقتصادياً"، ما يجعلها مختلفة عن المقاتلات الأميركية والأوروبية الثقيلة. فهي الأقل تكلفة تشغيلية مقارنةً بـ F-35 الأميركية أو رافال الفرنسية، وقادرة على العمل من مدارج قصيرة وطرقات عامة، ما يضمن استمرار العمليات حتى في ظروف طوارئ أو استهداف القواعد الجوية، ومجهزة بأحد أقوى أنظمة الحرب الإلكترونية في فئتها قادر على التشويش والحماية وتوفير دعم إلكتروني للطائرات الصديقة، ومرنة في التسليح، وقادرة على استخدام صواريخ سويدية وأوروبية وأميركية، بما في ذلك صاروخ "ميتيور" بعيد المدى، من دون الخضوع لقيود ITAR الأميركية. ويمكن تجهيزها والإقلاع بها خلال دقائق وبطاقم صغير، ما يعكس الفلسفة السويدية القائمة على الفعالية والجاهزية السريعة. ورغم أنها ليست طائرة شبحية بالكامل، إلّا أنها تتمتع بقدرات قتالية شبكية متقدمة تجعل الطائرات تعمل وحدةً واحدةً تتبادل المعلومات في الزمن الحقيقي.
صناعة دفاع كاملة
وتعود قوة الصناعات السويدية إلى مسار تاريخي طويل بدأ مع تأسيس شركة "ساب" عام 1937، وإنتاج أولى المقاتلات محلياً خلال الحرب العالمية الثانية. ومع دخول السويد عصر الطائرات النفاثة في خمسينيات القرن الماضي، عبر مقاتلات "لانسن" (Lansen) و"داركن" (Draken) و"فيغن" (Viggen) ترسخت مكانتها قوةً تقنية رائدة، قبل إطلاق "غريبن" في تسعينيات القرن الماضي والتي أصبحت اليوم أحد أهم صادراتها العسكرية.
وتُعد السويد، رغم صغر عدد سكانها الذي يتجاوز 10 ملايين بقليل، واحدة من الدول القليلة عالمياً، والوحيدة تقريباً في شمال أوروبا الاسكندنافية، التي طوّرت مجمعاً صناعياً عسكرياً متكاملاً قادراً على إنتاج أنظمة قتالية متقدمة من الجو والبحر والبر. وقد اكتسبت الصناعات الدفاعية السويدية سمعة راسخة تقوم على الدقة والابتكار والجودة التقنية، مدعومة بتاريخ طويل من الحياد الذي فرض عليها الاعتماد على قدراتها الذاتية لأكثر من قرنين.
وتُصنف السويد اليوم بين أقدم وأقوى الدول الأوروبية المنتجة للطائرات المقاتلة، إذ تواصل شركة "ساب" بناء منظومة جوية متقدمة تُشكّل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الدفاعية والاقتصادية للبلاد. ويتجلى هذا التفوق في قدرة ستوكهولم على تصميم طيف واسع من الأنظمة القتالية المتطوّرة، بفضل خبرة هندسية عميقة واستقلالية سياسية واستثمار ثابت في التكنولوجيا.
وبات النفوذ السويدي يتجاوز الجو إلى البر والبحر، إذ تنتج الغواصتان غوتلاند (Gotland) و"إيه 26"، من الأفضل عالمياً بفضل الدفع المستقل عن الهواء وقدرات التخفي المتقدمة. وتنتج مركبة "سي في 90" (CV90) إحدى أنجح المدرعات الأوروبية، والمدفعية ذاتية الحركة "آرشر" (Archer) التي تُعد من الأكثر تطوراً في العالم، والصاروخ المضاد للدبابات "إنلاو" (NLAW) الذي برز في أوكرانيا، ومنظومات الدفاع الجوي "آربي أس RBS) و"آربي أس 90" المقاومة للتشويش، وطائرة الإنذار المبكر "غلوبال آي" (GlobalEye) من أكثر أنظمة المراقبة تطوراً عالميا، وسفن "فيسبي" (Visby) الشبحية المتقدمة في تقنيات التخفي العملياتي.
استقلالية تقنية ومرونة سياسية
وتتميّز السويد بتوليفة نادرة تجمع بين الاستقلالية التكنولوجية ومرونة التصدير، بعيداً عن القيود السياسية المعقدة التي ترافق بيع الأسلحة الأميركية. وقد منحها ذلك مكانة فريدة في السوق العالمية، خصوصاً لدى الدول الراغبة في أسلحة متطورة دون التزامات سياسية ثقيلة.
ومع انضمامها رسمياً إلى حلف الناتو في مارس/آذار من العام الماضي، وطيّ صفحة 200 عام من الحياد، تدخل الصناعات الدفاعية السويدية مرحلة توسع جديدة، تتلاقى فيها القدرة الصناعية مع متطلبات التحالف. وتبدو صفقة كولومبيا مثالاً واضحاً على آفاق هذا التوسع.