صعود سعر القمح يُنذر باشتداد موجة غلاء الأغذية

17 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 05:03 (توقيت القدس)
يحمل ربطة خبز في بيروت، 29 يوليو 2022 (جوزيف عيد/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تشهد أسعار القمح ارتفاعًا بسبب التوترات الجيوسياسية بين روسيا وأوكرانيا، مما يؤثر على صادرات الحبوب وتكاليف النقل، ويؤدي إلى زيادة أسعار الخبز والسلع الغذائية، خاصة في الدول العربية التي تعتمد على استيراد القمح.

- وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة، ارتفعت تكاليف الغذاء بنسبة 25% منذ 2021، مما يجعل ثلث سكان العالم غير قادرين على تحمل تكلفة نظام غذائي صحي، ويزيد من الضغوط على الدول المستوردة للحبوب.

- تواجه الدول العربية مثل مصر ولبنان وتونس تحديات كبيرة بسبب ارتفاع أسعار القمح، مما يهدد الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي نتيجة زيادة الأعباء المالية والاقتصادية.

قد لا يهتم كثيرون بحركة عقود القمح الآجلة في بورصة شيكاغو، لكن ملايين الأسر حول العالم ستشعر بأيّ ارتفاع جديد في هذه السلعة الأساسية عندما تقف أمام المخبز أو متجر المواد الغذائية. فالقمح ليس مجرد محصول زراعي أو رقم في الأسواق المالية، بل هو المكون الرئيسي لرغيف الخبز الذي تعتمد عليه مئات الملايين من الأسر، بخاصة في الدول العربية التي تستورد معظم احتياجاتها من الحبوب.

وتتزايد المخاوف من موجة جديدة من غلاء الغذاء بعدما ارتفعت أسعار القمح إلى أعلى مستوياتها في نحو شهرين، إثر تصاعد الهجمات المتبادلة بين روسيا وأوكرانيا في البحر الأسود، أحد أهم ممرات تصدير الحبوب في العالم. ويخشى متعاملون أن يؤدي استمرار استهداف الموانئ والسفن التجارية إلى تعطيل الصادرات ورفع كلفة النقل والتأمين، بما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار الخبز والسلع الغذائية.

وبحسب وكالة بلومبيرغ، الخميس، قفزت العقود الآجلة للقمح في بورصة شيكاغو بنحو 5% قبل أن تستقر قرب 6.76 دولارات للبوشل، بعدما شنت القوات الأوكرانية هجمات على سفن روسية في البحر الأسود، فيما كثفت موسكو ضرباتها على الموانئ الأوكرانية، مستهدفة سفناً ومنشآت شحن في موانئ تشورنومورسك وأوديسا وبيفديني. والبوشل هو وحدة قياس أميركية تُستخدم في تجارة الحبوب، ويعادل في حالة القمح نحو 60 رطلاً، أو ما يقارب 27.2 كيلوغراماً. ويعني ذلك أن السعر الحالي يعادل نحو 248 دولاراً للطن، وهو المقياس الأكثر استخداماً في تجارة الحبوب العالمية، ما يسهّل مقارنة الأسعار بين الدول والشركات المستوردة.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن روسيا تعد أكبر مصدّر للقمح في العالم، فيما كانت أوكرانيا قبل الحرب من أبرز موردي الحبوب إلى الأسواق العالمية، ولا سيما إلى دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تعتمد بصورة كبيرة على الواردات لتأمين احتياجاتها الغذائية.

وبحسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو)، يشكل القمح أحد أهم مصادر الغذاء لمليارات البشر، فيما تعتمد عشرات الدول على الاستيراد لتغطية جانب كبير من احتياجاتها، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار العالمية. وذكرت المنظمة الخميس، أن نحو ثلث سكان العالم غير قادرين على تحمل تكلفة النظام الغذائي الصحي، بعد ارتفاع تكلفته 25% منذ عام 2021. وبحسب أحدث تقاريرها لعام 2026 بشأن حالة الأمن الغذائي في العالم، يبلغ متوسط تكلفة النظام الغذائي الصحي 4.28 دولارات للفرد يومياً.

وصرح كبير الاقتصاديين فيها ماكسيمو توريرو، خلال مؤتمر صحافي بمقر الأمم المتحدة في نيويورك: "نتيجة لذلك، لا يزال 2.69 مليار شخص، أي ما يقارب ثلث سكان العالم، غير قادرين على تحمل تكلفة نظام غذائي صحي" بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس. كما يشير التقرير إلى أن الأغذية الأساسية، مثل البقوليات والحبوب، تشكل نحو 13% من تكلفة النظام الغذائي الصحي، في حين تمثل المنتجات الحيوانية ما يقارب 30%، والفواكه والخضراوات 16%.

ماذا عن تبعات غلاء القمح في الدول العربية؟

وتبدو مصر في مقدمة الدول المعرضة لهذه الضغوط، باعتبارها أكبر مستورد للقمح في العالم، إذ يعتمد عشرات الملايين من المواطنين على منظومة الخبز المدعوم. وأي ارتفاع مستمر في الأسعار العالمية يرفع فاتورة الاستيراد ويزيد الأعباء على الموازنة العامة، في وقت تحاول الحكومة احتواء الضغوط التضخمية. يتكرر الموقف في دول عربية أخرى مستوردة للقمح وغيره من الحبوب مثل تونس وسورية واليمن والسودان والمغرب والأردن.

أما في لبنان، حيث لا تزال الأزمة الاقتصادية تلقي بثقلها على القدرة الشرائية، فإن أي زيادة في أسعار القمح تعني مزيداً من الضغط على الأسر التي تستنزف الجزء الأكبر من دخلها لتأمين الاحتياجات الأساسية. كما أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يضيف عبئاً جديداً على بلد يعتمد بصورة شبه كاملة على استيراد القمح، ولا يزال يعاني محدودية قدراته التخزينية بعد تدمير أهراءات أو صوامع مرفأ بيروت.

ولا تختلف الصورة كثيراً في دول مثل تونس والأردن واليمن والسودان، حيث يمثل الخبز سلعة أساسية ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، فيما تجد الحكومات نفسها أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على الدعم أو تحمل ارتفاع فاتورة الواردات.

ومن الواضح أن استمرار التوتر في البحر الأسود سيبقي أسعار القمح عرضة للتقلب خلال المرحلة المقبلة، حتى لو لم تتراجع الإمدادات بصورة كبيرة، لأن الأسواق تسعر المخاطر الجيوسياسية سريعاً، وتضيف إليها ارتفاع كلفة الشحن والتأمين.

وفي الإجمال، يمكن القول إن الهجمات على الموانئ والسفن ربما تبدو أحداثاً عسكرية بعيدة عن حياة الناس العاديين حول العالم، لكنها تصل إلى موائدهم بصورة مباشرة. فكل اضطراب في حركة الحبوب عبر البحر الأسود قد يتحول إلى رغيف خبز أعلى سعراً في الأفران والسوبرماركت، ما يعني فاتورة غذاء أثقل على الأسر، بخاصة في الدول التي تكافح أصلاً أزمات اقتصادية ومالية تجعل أي زيادة في أسعار الغذاء عبئاً يصعب تحمله.