استمع إلى الملخص
- تركز الحكومات على مشروعات إعلامية وتهمش الأولويات الحقيقية مثل توفير فرص العمل وتحسين الخدمات، مما يدفع الشباب إلى اليأس أو التفكير في الهجرة.
- الاحتجاجات الشبابية في المغرب تعكس وعي الشباب بمشاكلهم وتطالب بتغيير السياسات الحكومية، مشيرة إلى تجارب مشابهة في دول عربية أخرى.
تتجاهل معظم الحكومات العربية مطالب الشباب، خاصة من الفئات الحاصلة على تعليم عالٍ، وتتعامل مع مطالبهم المشروعة، إما بالقهر الأمني والتلويح بسيف السجن والاعتقالات والملاحقات في حال الاعتراض على السياسات الرسمية الفاشلة المتعلقة بسوق العمل وإدارة موارد وثروات الدولة وشؤون الاقتصاد، أو تتعامل مع أهم شريحة في المجتمع وكأنها غير موجودة من الأصل.
فهذه الشريحة، من وجهة نظر تلك السلطات، لا تختلف كثيراً عن الشرائح المهمشة الأخرى المحرومة من الحقوق والفرص، سواء كانت المرأة أو العجائز وكبار السن والأشخاص ذوي الحالات الخاصة، وأحياناً يتم التعامل مع هذه الشريحة عبر إغراقهم في كل أنواع التفاهات والمخدرات والثقافة الفاسدة، وبالتالي يتعمق لديهم إحساس بالمعاناة من التمييز وسياسات الإقصاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
الشباب يريدون حقوقهم في ثروات بلدهم ومستوى معيشياً لائقاً وفرصة عمل ووظيفة تتناسب مع تعليمهم وخبراتهم، وتوفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة وبناء أسرة
ولذا لا تضع تلك الحكومات مطالب الشباب المنطقية وقابلة التنفيذ ضمن أولوياتها، ولا تنظر إليها بجدية عندما تضع السياسات السنوية أو الخطط طويلة الأجل، ونراها غائبة تماماً عن برامج الحكومة ومخصصات الموازنة العامة.
ببساطة، الشباب يريدون حقوقهم في ثروات بلدهم ومستوى معيشياً لائقاً وفرصة عمل ووظيفة تتناسب مع تعليمهم وخبراتهم، وتوفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة وبناء أسرة، يريدون عدالة اجتماعية وتقليص التفاوت بين الأثرياء والأغنياء والطبقات المختلفة. يريدون إصلاحات جذرية في أنظمة التوظيف، والحد من الواسطة والمحسوبيات، والتوقف عن بيع أصول الدولة وشركاتها التي تمثل متنفساً لهؤلاء في الالتحاق بسوق العمل.
وهذا يتحقق بإدارة ذات كفاءة لموارد الدولة، وخلق الوظائف، وتنشيط الاقتصاد، خاصة الموفرة لفرص العمل، وزيادة معدل النمو الاقتصادي، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وإطلاق المبادرات الخاصة والأفكار الخلاقة، والتوسع في نشر المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ورفع مستوى الخدمات المقدمة للمجتمع، سواء كانت تعليماً أو رعاية صحية ومواصلات عامة، كما أن الشباب بحاجة إلى حرية حتى يعبر عن رأيه بدلاً من أن يذهب لجماعات الإرهاب والتطرف.
لكن في المقابل تهتم الحكومات بمشروعات "الشو" الإعلامي والمتاجرة بقضايا الشباب في الفضائيات وعلى صفحات الجرائد، وتهتم بمشروعات أخرى بعيدة عن اهتمامات الشباب، مثلاً أولوياتها هي إقامة مزيد من العقارات الفارهة، والمدن السياحية والمقار الحكومية الفخمة، والمتاجرة في الأراضي وأصول الدولة، وأحياناً التوسع في إقامة السجون والمقار الأمنية، وتأتي المصانع والمستشفيات والمدارس والجامعات وتوفير سكن بسعر مناسب في مرتبة ثانية أو حتى خامسة، كما تأتي الاستثمارات في قطاعات إنتاجية والتطور التكنولوجي في مرتبة عاشرة.
ما يحدث في المغرب ليس بالجديد على المنطقة العربية، بل بدأ بمصر وتونس واليمن وليبيا حينما خرج الشاب قبل ما يقرب 15 سنة مطالبين بالحرية والعدالة الاجتماعية والحياة الكريمة
ومن أعلى درجات اهتمام الحكومات التوسع في سياسة الجباية عبر فرض مزيد من الضرائب والجمارك والرسوم، وزيادة أسعار السلع الرئيسية والخدمات، سواء كانت أغذية أو وقوداً أو كهرباء ومياهاً واتصالات ومواصلات وإيجار سكن، والأخطر معاملة شريحة الشباب على أنهم عالة على الدولة وموازنتها وأجهزتها الرسمية.
ونتيجة تلك السياسات الحكومية الحتمية والمتخلفة هي دخول شريحة من الشباب العربي مرحلة اليأس، والغرق في الانكفاء على الذات، أو التسكع في المقاهي ونواصي الطرق والشوارع، أو التفكير في الهجرة إلى الخارج، لكن الشريحة الأكبر من الشباب تفاجئ الحكومات بوعيها المرتفع وتمسكها ببلادها، وتطالب بحقها في ثرواتها، وأن الحكومة مجرد موظف عند المجتمع يتلقى وزراؤها وكبار مسؤوليها رواتب شهرية، وليس من حقهم نهب ثروات الدولة.
وما يحدث في المغرب من تظاهرات شبايبة لمجموعة شبابية مجهولة تحمل اسم " جيل زد" هو أحدث مثال. فالسلطة ومعها الإعلام داخل المملكة كانت "تتريق" على هؤلاء الشباب، وتصور تلك الشريحة على أنهم عالة على المجتمع ومهووسون بالهواتف الذكية فقط، بل وتحاول ترويج أن الشباب كسالى لا يريدون أن يعملوا، إلى أن اكتشف الجميع أن هؤلاء يعون جيداً ما يدور حولهم، وأن الحكومة لا توفر لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، ولا توفر فرص عمل، وتعطي أولوية قصوى لملفات القروض على حساب إقامة مستشفيات ودور رعاية صحية ومدارس، وأن الحكومة التي يقودها ملياردير غارقة في الفساد، ومهمتها الأولى هي تراكم ثرواتها الشخصية، وليس توفير فرص عمل وحياة كريمة.
ما يحدث في المغرب من احتجاجات يقودها شباب "جيل زد" ليس بالجديد على المنطقة العربية، بل بدأ بمصر وتونس واليمن وليبيا حينما خرج الشاب قبل ما يقرب 15 سنة مطالبين بالحرية والعدالة الاجتماعية والحياة الكريمة، وكادت أن تنجح تلك الثورات الشعبية لولا أن التفت عليها ثورات مضادة وأنظمة سلطوية ومال سياسي ونخبة فاسدة.