صراع على ثروات القطب الشمالي...التعاون الروسي الأميركي محتمل والصين تزاحم
استمع إلى الملخص
- تواجه روسيا منافسة شديدة من الولايات المتحدة ودول أخرى، حيث تتزايد الأنشطة العسكرية والتوترات، رغم امتلاكها أكبر عدد من كاسحات الجليد، إلا أن استخراج الموارد يظل تحدياً تقنياً ومكلفاً.
- يُعتبر الممر البحري الشمالي ذو أهمية استراتيجية، حيث يربط بين آسيا وأوروبا، مع دعوات لتعزيز التعاون العلمي بين الدول المطلة لتطوير الملاحة والاستفادة من الموارد.
في ظل الصراع والتنافس بين الدول الكبرى وغيرها في مناطق العالم المختلفة، تبرز منطقة القطب الشمالي منطقة محتملة لمثل هذه الصراعات، لما تتمتع به من احتياطيات كبيرة من النفط والغاز وغيرهما من ثروات طبيعية، بجانب الممرات البحرية لنقل البضائع بكافة أنواعها مع ذوبان الجليد والاحتباس الحراري.
ويُقدر تقرير لمعهد "تروفيموك" لجيولوجيا وجيوفيزياء البترول التابع لفرع سيبيريا بأكاديمية العلوم الروسية، نشرته وسائل إعلام روسية، في 12 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، أن روسيا تمتلك احتياطيات هائلة من النفط والغاز في الجرف القاري القطبي التابع لها، تبلغ 57 مليار طن من موارد النفط الأولية، و100 تريليون متر مكعب من الغاز، موضحاً، في نفس الوقت، أنه نظراً لارتفاع تكاليف الإنتاج بسبب الظروف المناخية الصعبة والبنية التحتية المكلفة وأسعار الطاقة الحالية، فإن معظم مشاريع التنقيب البحري غير مربحة في الوقت الراهن.
ويرى سيرغي نيكانوروف، مدير مركز أبحاث المشكلات الاقتصادية لتنمية القطب الشمالي بجامعة موسكو الحكومية، أن دراسة هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS) في أواخر عام 2008، حول احتياطيات النفط والغاز في القطب الشمالي ربما هي الأكثر دقة حتى يومنا الحاضر، حيث تشير إلى أن المنطقة القطبية الشمالية تحتوي على ما لا يقل عن 13% من احتياطيات النفط في العالم، وما لا يقل عن 30% من احتياطيات الغاز الطبيعي، و20% من الاحتياطيات العالمية غير المكتشفة من مكثفات الغاز، إضافة إلى رواسب الذهب والماس والنحاس والنيكل والفحم والمعادن الأرضية النادرة.
ويقول نيكانوروف في حديث خاص لـ"العربي الجديد": "إنّ نصف هذه الموارد على أقل تقدير يقع داخل الأراضي الروسية بالقطب الشمالي، حيث يتجاوز حجم حقول الغاز التي جرى استكشافها بدقة هناك نحو تريليون متر مكعب، أي ما يعادل 99% من احتياطيات روسيا، و500% من احتياطيات الغاز في الولايات المتحدة، و2354% من احتياطيات النرويج"، مشيراً إلى أن روسيا تسعى منذ فترة إلى الحصول على الاعتراف الدولي بملكيتها لأجزاء من المحيط المتجمد الشمالي، تبلغ مساحتها 1.2 مليون كيلومتر مربع.
ويؤكد نيكانوروف أن "منطقة القطب الشمالي مهمة لروسيا من الناحيتين الجيوسياسية والتنموية الاقتصادية"، مضيفاً "تطوير موارد القطب الشمالي سيعزز بشكل كبير من مكانتها في السوق العالمية كمورد رئيسي للمواد الخام وموارد الطاقة، وسيوفر للاقتصاد الروسي الموارد اللازمة للتنمية لمدة تتراوح بين 100 و150 عاماً على الأقل".
ويتابع نيكانوروف قائلاً لـ"العربي الجديد": "الاستراتيجية الروسية الجديدة لتطوير القطب الشمالي حتى عام 2035، تقضي بتشكيل قواعد عسكرية ووجود عسكري دائم وتقوية منظومة الدفاع الجوي الروسي على أساس أن هذه المنطقة ستصبح المصدّر الرئيسي للنفط والغاز في الاتحاد الروسي خلال السنوات المقبلة، في ظل احتمالات نضوب النفط الروسي المتاح حالياً في المستقبل".
ويواجه التحرك الروسي منافسة شرسة من الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول المُطلة على هذه المنطقة، التي غالبيتها أعضاء في حلف "ناتو"، كما يرى فاديم ماسليكوف، الخبير في مكتب التحليل العسكري والسياسي، الأستاذ بجامعة بليخانوف الروسية للاقتصاد.
ويُشير لـ"العربي الجديد" إلى أن "ارتفاع منسوب التوتر والتنافس وتزايد الأنشطة العسكرية حول منطقة القطب الشمالي من قبل الدول المُطلة عليه وبعض الدول الأخرى، واهتمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بجزيرة غرينلاند التابعة للحكومة الدنماركية، يرجع إلى توافر موارد النفط والغاز الهائلة وأهميتها الاستراتيجية. ويقول ماسليكوف: "روسيا تمتلك أكبر عدد من كاسحات الجليد اللازمة للعمل في المنطقة القطبية مقارنةً بالدول الأخرى (40 كاسحة جليد مقابل كاسحتين فقط للولايات المتحدة، وسبع لفنلندا، وست لكل من كندا والسويد).
وحول المصالح الاقتصادية الروسية في منطقة القطب الشمالي، يتابع بالقول: "على الرغم من وفرة موارد الطاقة في الجرف القاري المُطل على منطقة القطب الشمالي، فإن استخراجها صعب تقنياً ومرتفع الكلفة، في ظل التقلبات التي تشهدها سوق الطاقة وتراجع أسعار النفط، ولذلك يقتصر الاستخدام التجاري لمنطقة القطب الشمالي حالياً على إنتاج الغاز الطبيعي المسال"، غير مستبعد أن يتعاون الرئيس الأميركي ترامب مع روسيا لتخفيف حدة التوتر والصراع حول القطب الشمالي.
ويضيف لـ"العربي الجديد": "نأمل أن يتفق ترامب مع روسيا على الاستثمار المشترك لهذه المنطقة، فهو يتفهّم جيداً أن هذا التعاون سيكون مفيداً لبلاده"، مشيراً إلى أن دخول الأزمة الأوكرانية على خط المساومات بين موسكو والرئيس الأميركي، ربما يؤشر على احتمالية هذا التعاون، وموضحاً أن ترامب أعلن في الفترة الأخيرة أن بلاده ينتظرها الكثير من المشاريع المشتركة مع روسيا، بما فيها استغلال ثروات القطب الشمالي.
وفيما يتعلق بتكثيف الوجود العسكري الروسي في القطب الشمالي في السنوات الأخيرة، يعتقد الخبير الروسي في مكتب التحليل العسكري والسياسي أن "هذا أمر طبيعي في ظل التوتر حول هذه المنطقة"، متوقعاً "تزايد هذا الوجود العسكري في السنوات المقبلة للدفاع عن المصالح الروسية وتأمين مشروع الممر البحري الشمالي للنقل".
ويتفق رئيس اتحاد تنسيق استخدام الممر البحري الشمالي، فلاديمير خارلوف، عامة، مع الرأي السابق، ويعتقد أن سبب التنافس والصراع وتزايد الأنشطة العسكرية في القطب الشمالي وحوله يعود أيضاً، إلى جانب وفرة الكربوهيدرات، إلى الأهمية الاستراتيجية للممر البحري الشمالي الذي يُعد الأقصر بين آسيا وأوروبا ويربط بين روسيا وبلدان جنوب شرق آسيا واليابان والصين وغيرها، مشيراً في تصريحات، لصحيفة "العربي الجديد"، إلى ازدياد حركة التجارة السنوية عبر هذا الممر في السنوات الماضية من خمسة ملايين طن إلى نحو 35 مليون طن حالياً.
ويقول خارلوف: "هذا الممر لا يعتبر منافساً في الوقت الحالي لقناة السويس، من حيث حجم الشحنات المنقولة وتكلفة النقل"، موضحاً أن "دولاً كثيرة تهتم بهذا الممر للنقل البحري"، ولافتاً إلى أن المشكلة تكمن في أن هذا الطريق البحري ليس مفتوحاً على مدار العام، نظراً للأجواء المناخية القاسية وطبقات الجليد.
ويؤكد رئيس اتحاد تنسيق استخدام الممر البحري الشمالي أن الصين، على سبيل المثال لا الحصر، لها مصلحة كبيرة في هذا الممر، إذ أرسلت في السنوات السابقة أكبر كاسحة جليد مُطورة غير نووية في العالم إلى القطب الشمالي وشاركت في التدريبات العسكرية الروسية "المحيط-2024" وتنتظر اتفاق الدول المُطلّة على القطب الشمالي حتى تستفيد من موارده مع ارتفاع حرارة الأرض وذوبان الثلوج وسهولة استخراج النفط والغاز.
ويدعو خارلوف إلى ضرورة التنسيق في إطار مجلس القطب الشمالي، الذي يضم روسيا والدنمارك وأيسلندا وكندا والنرويج والولايات المتحدة وفنلندا والسويد، لتعزيز التعاون العلمي في هذه المنطقة المهمّة من العالم لحركة التجارة العالمية، مشدداً على أن تطوير الملاحة عبر منطقة القطب الشمالي يحظى باهتمام القيادة الروسية.
وينهي حديثه لـ"العربي الجديد" بتفاؤل، قائلاً: "إن وزير تنمية الشرق الأقصى الروسي، أليكسي تشيكونكوف، أعلن في 22 ديسمبر/ كانون الأول من هذا العام أن منطقة القطب الشمالي ستمكن روسيا بدءاً من عام 2035، من جني تريليون دولار كل عشر سنوات، أي أنها ستكون قادرة على تأمين 20% من الصادرات الروسية سنوياً".