صدام الاتحاد الأوروبي وشركات التكنولوجيا الأميركية: صراع أموال أم نفوذ؟

06 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 16:21 (توقيت القدس)
داخل مكتب غوغل في كراكوف، بولندا، 22 يونيو 2026 (بيتا زافزل/ Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تصاعدت التوترات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بسبب غرامات ضخمة فرضتها بروكسل على شركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، معتبرةً أنها ضرورية لحماية المنافسة والسيادة الرقمية، بينما تراها واشنطن استهدافًا غير عادل.
- هدد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بفتح تحقيق تجاري وفرض رسوم جمركية انتقامية، مما ينذر بتحول النزاع إلى حرب تجارية شاملة بين ضفتي الأطلسي.
- الأزمة تتجاوز الغرامات لتشمل تنافسًا على السيادة الرقمية والذكاء الاصطناعي، مما يهدد بتفاقم الانقسامات داخل المعسكر الغربي وتدهور الاقتصاد العالمي.

لم تعد غرامات الاتحاد الأوروبي على عمالقة التكنولوجيا الأميركيين مجرد إجراءات تنظيمية لحماية المنافسة والخصوصية، بل تحولت إلى إحدى أبرز جبهات صراع النفوذ الاقتصادي بين بروكسل وواشنطن. ومع تصاعد العقوبات التي فرضتها أوروبا بسبب مخالفة قواعد المنافسة الرقمية، والتي تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات بحق شركات مثل غوغل وآبل وميتا وأمازون.

دخل النزاع مرحلة جديدة بعدما اعتبر الرئيس الاميركي دونالد ترامب أن أوروبا تستهدف الشركات الأميركية بـابتزاز مالي. وجاء تهديده بفتح تحقيق تجاري وفرض رسوم جمركية انتقامية، بموجب المادة 301 من قانون التجارة الأميركي، لينقل المواجهة من خلاف قانوني حول المنافسة الرقمية إلى معركة تجارية وسياسية تهدد بإشعال حرب اقتصادية جديدة بين ضفتي الأطلسي.

تحولت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وكبريات شركات التكنولوجيا الأميركية، خلال السنوات الأخيرة، من مجرد خلافات تنظيمية إلى واحدة من أكبر المواجهات الاقتصادية والتكنولوجية بين ضفتي الأطلسي، وتوشك أن تشتعل أكثر بعد تبادل فرض الغرامات بين الجانبين.

فقد فرض الاتحاد الأوروبي على الشركات الاميركية غرامات تُقدر بنحو 40 مليار دولار، تضمنت 15 مليار دولار على آبل، و3 مليارات دولار على ميتا، و2.5 مليار دولار على أمازون، ومليار دولار على غوغل، ليصل إجمالي الغرامات الأوروبية المفروضة على غوغل وحدها منذ عام 2017 إلى قرابة 18 مليار دولار.

هذا التصعيد أثار غضب ترامب، الذي أعلن البدء فورًا في الرد بموجب المادة 301، وهي آلية قانونية تتيح للولايات المتحدة التحقيق في الممارسات التجارية الأجنبية التي تراها ضارة بالشركات أو التجارة الاميركية، وتمكّنها من فرض إجراءات انتقامية من بينها الرسوم الجمركية. وكتب ترامب: "سيدفع الاتحاد الأوروبي ثمنًا باهظًا جدًا لهذا السلوك غير القانوني وغير الأخلاقي، الذي حذّرتهم منه باستمرار. ستُلغى العقوبات بالكامل، ونتوقع فرض رسوم جمركية كبيرة عليهم في أقرب وقت ممكن. تابعوا الأخبار".

وترى أوروبا أنها تدافع عن المنافسة العادلة وحقوق المستهلكين والسيادة الرقمية الأوروبية، بينما تعتبر واشنطن، وخاصة إدارة ترامب، أن الاتحاد الأوروبي يستخدم قوانينه الجديدة لاستهداف الشركات الأميركية وفرض ضرائب مقنعة عليها، الأمر الذي ينذر بتحول النزاع الرقمي إلى أزمة تجارية واسعة.

هذه المواجهة ليست وليدة اليوم، إذ بدأت منذ أكثر من عقد مع تحقيقات مكافحة الاحتكار، لكنها تصاعدت بصورة غير مسبوقة بعد إقرار الاتحاد الأوروبي حزمة قوانين رقمية جديدة، أبرزها قانون الأسواق الرقمية وقانون الخدمات الرقمية، اللذان دخلا حيز التنفيذ بين عامي 2023 و2024.

فقد منحت هذه التشريعات المفوضية الأوروبية صلاحيات واسعة لإجبار الشركات الرقمية العملاقة، المصنفة باعتبارها "حراس بوابات"، على تغيير نماذج أعمالها، ومنعها من استغلال هيمنتها في الأسواق الأوروبية. وترى بروكسل أن هذه الشركات بنت احتكارات رقمية ضخمة تسيطر على البحث الإلكتروني والإعلانات ومتاجر التطبيقات والتجارة الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، بما يمنع المنافسين الأوروبيين من النمو ويحد من خيارات المستهلكين.

غوغل كانت الأكثر تعرضًا للعقوبات والهدف الأكبر للاتحاد الأوروبي، الذي طاولها بعدة غرامات منذ عام 2017 حتى الآن، لأن المفوضية ترى أنها تستخدم سيطرتها على محرك البحث ونظام أندرويد ومتصفح كروم لتفضيل خدماتها على حساب المنافسين. آبل اتُهمت باستخدام متجر التطبيقات لمنع المطورين من توجيه المستخدمين إلى وسائل دفع خارجية أقل تكلفة، مع انتقاد فرضها عمولات تصل إلى 30% على المبيعات الرقمية، إضافة إلى قضية ضريبية شهيرة انتهت بقرار قضائي أوروبي يقضي باسترداد 13 مليار يورو من الضرائب لصالح أيرلندا، وهي القضية التي استشهد بها ترامب كمثال على استهداف الشركات الأميركية.

ميتا واجهت أكبر سلسلة غرامات في تاريخ اللائحة الأوروبية لحماية البيانات، تجاوزت 3 مليارات يورو، نتيجة مخالفات تتعلق بنقل بيانات المستخدمين إلى الولايات المتحدة، واستخدام البيانات الشخصية في الإعلانات، وإجبار المستخدمين على القبول بتتبع بياناتهم. كما تحقق معها المفوضية بموجب قانون الأسواق الرقمية بسبب طريقة ربط خدمات فيسبوك وإنستغرام. أما أمازون فتواجه اتهامات باحتكار السوق واستغلال بيانات البائعين المستقلين داخل منصتها لصالح منتجاتها الخاصة، وفُرضت عليها التزامات تتعلق بطريقة عرض نتائج البحث وآلية اختيار "صندوق الشراء" لضمان منافسة أكثر عدالة.

ويرى الأوروبيون أن هذه الإجراءات ضرورية ليس فقط من أجل حصيلة الغرامات، بل لأن شركات التكنولوجيا الأميركية أصبحت أقوى من كثير من الحكومات، ولديها نفوذ كبير تتحكم بموجبه في البيانات الشخصية لمئات الملايين، وفي سوق الإعلانات الرقمية والتجارة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وتدفق المعلومات. ولذلك تبنت بروكسل مفهوم "السيادة الرقمية الأوروبية"، الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على الشركات الاميركية، وتشجيع الشركات الأوروبية، وحماية البيانات، وفرض قواعد موحدة على الاقتصاد الرقمي.

في المقابل، تنظر واشنطن للأمر بصورة مختلفة، إذ ترى أن أوروبا تستهدف هذه الشركات لكونها عملاقة ولا يوجد مثيل لها في أوروبا، وأنها تستخدم قوانين المنافسة والضرائب لتحقيق مكاسب مالية على حساب الشركات الاميركية، لا لدواعي السيادة الرقمية كما تقول بروكسل.

ولكن الخطورة تكمن في أن الرئيس ترامب بدأ تصعيدًا أكبر، معتبرًا الغرامات الأوروبية سرقة للشركات الأميركية، ولوّح باستخدام المادة 301 من قانون التجارة الأميركي وهي الأداة ذاتها التي استخدمتها واشنطن سابقًا ضد الصين للتحقيق فيما إذا كانت الممارسات الأوروبية تشكل تمييزًا ضد الشركات الأميركية.

وتسمح هذه المادة للرئيس الاميركي بفتح تحقيق في السياسات التجارية الأجنبية التي تعتبرها واشنطن تمييزية وغير عادلة وضارة بالمصالح الاقتصادية الاميركية، وفي حال أثبت التحقيق ذلك، يمكن للولايات المتحدة فرض رسوم جمركية وقيود على الواردات وإجراءات انتقامية ضد الدولة أو التكتل المستهدف. وقد استُخدمت هذه المادة سابقًا لإطلاق الحرب التجارية مع الصين عام 2018، ما يهدد بتحويل الأزمة مع أوروبا إلى حرب تجارية مماثلة.

ولا يقتصر التهديد الأميركي على شركات التكنولوجيا وحدها، إذ قد يشمل الرد قطاعات أوروبية أخرى مثل صناعة السيارات والصناعات الدوائية والمنتجات الزراعية والطيران والصناعات الفاخرة. وفي المقابل، يمتلك الاتحاد الأوروبي أدوات للرد عبر فرض رسوم مضادة أو اتخاذ إجراءات تنظيمية إضافية بحق الشركات الاميركية.

القضية إذن ليست مالية فقط، لأن جوهر الصراع يتجاوز قيمة الغرامات إلى قضية نفوذ، فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على التفوق العالمي لشركاتها الرقمية، التي تمثل أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية والتكنولوجية، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى منع تحول هذه الشركات إلى مراكز نفوذ تتجاوز سلطة الحكومات، وإلى فرض نموذج أوروبي لتنظيم الاقتصاد الرقمي يختلف عن النموذج الاميركي الأكثر تحررًا. كما ترتبط المواجهة بالتنافس العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات والسيطرة على البيانات، وهي قطاعات باتت تُعد جزءًا من الأمن القومي وليس الاقتصاد فقط.

إجمالي الغرامات الأوروبية المفروضة على شركات التكنولوجيا الأمريكية (بالمليار دولار)
أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعي

وإذا مضت إدارة ترامب في تنفيذ تهديداتها، فقد تدخل العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي مرحلة جديدة من التصعيد، تشمل اتساع الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفرض رسوم جمركية متبادلة على سلع وخدمات بمليارات الدولارات.

ويُتوقع أيضًا أن تزداد الضغوط على شركات التكنولوجيا الاميركية العاملة في أوروبا، ويتباطأ التعاون الغربي في ملفات الذكاء الاصطناعي والتنظيم الرقمي، ويتعمق الانقسام داخل المعسكر الغربي بشأن قواعد الاقتصاد الرقمي العالمي، مع احتمال لجوء الجانبين إلى منظمة التجارة العالمية أو إلى التفاوض للتوصل إلى تسوية تقلل من التصعيد.

بالتالي، تعكس الأزمة صراعًا أعمق من مجرد غرامات مالية، وتمثل مواجهة بين رؤيتين مختلفتين لإدارة الاقتصاد الرقمي العالمي: رؤية أوروبية تقوم على تشديد التنظيم وحماية المنافسة والسيادة الرقمية، ورؤية اميركية ترى أن هذه التشريعات تستهدف شركاتها الرائدة وتهدد أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية والاستراتيجية. وفي كل الأحوال، سيؤدي تصادم الرؤيتين إلى مزيد من تدهور الاقتصاد العالمي والحروب التجارية.