صادرات الذهب السوداني تطيح محافظ بنك السودان المركزي

14 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 14:54 (توقيت القدس)
بنك السودان المركزي، بورتسودان، 23 يوليو 2023 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أقالت الحكومة السودانية محافظ بنك السودان المركزي بسبب خلافات حول احتكار صادرات الذهب، حيث دعمت الشركات المصدرة التصدير المباشر. القرار يهدف لضبط الإيرادات ومنع التهريب، لكن الشركات اعتبرته غير مجدٍ اقتصادياً.

- تقارير الأداء أظهرت إنتاج 53 طناً من الذهب وإيرادات 699 مليار جنيه، مع نمو قطاع التعدين التقليدي بنسبة 506%. ومع ذلك، يُهرّب نحو 50% من الذهب السوداني بسبب السياسات غير المستقرة.

- تم تعيين آمنة ميرغني حسن التوم كمحافظ جديد، وسط تباين الآراء حول احتكار البنك المركزي لصادرات الذهب، مع دعوات لإشراك جميع الجهات المعنية في وضع السياسات.

أعفت الحكومة السودانية محافظ بنك السودان المركزي برعي الصديق من منصبه، بعد تمسكه بقرار اللجنة الاقتصادية التي يرأسها رئيس الوزراء كامل إدريس، والقاضي باحتكار البنك المركزي صادرات الذهب، في خطوة هدفت إلى ضبط الإيرادات ومنع التهريب. وجاء قرار الإعفاء إثر خلافات حادة داخل الحكومة بين المحافظ المقال ووزير المالية، إذ تمسّك الأول بقرار الاحتكار، بينما أبدى الوزير تأييده لموقف الشركات المصدّرة التي طالبت بالسماح لها بالتصدير المباشر، على أن تعود حصيلة الصادر إلى الشركات نفسها.

وكانت اللجنة الاقتصادية قد أقرّت في سبتمبر/ أيلول الماضي إخضاع الذهب المنتج للمتابعة الدقيقة حتى تصديره، ضماناً لعدم تهريبه عبر قنوات غير مشروعة، وحصر شراء الذهب وتسويقه في جهة حكومية واحدة. وفي ضوء ذلك، أصدر بنك السودان بياناً يحظر شراء الذهب وتصديره من قِبل الشركات أو من إنتاج التعدين الأهلي ومخلفات الشركات، وقصر هذه العمليات على البنك المركزي أو الجهات التي يفوضها رسمياً. لكن القرار قوبل برفض واسع من قبل الشركات، التي اعتبرت احتكار البنك المركزي لصادرات الذهب "خطوةً غير مجدية اقتصادياً"، وأكدت أن التجارب السابقة أثبتت فشل هذه السياسة في عهد الرئيس الأسبق عمر البشير، وكذلك خلال فترة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، قبل التراجع عنها.

انقسام بشأن صادرات الذهب السوداني

وقال رئيس شعبة مصدّري الذهب عبد المنعم الصديق إن احتكار صادر الذهب "قرار كارثي"، مشيراً إلى أن التجربة أثبتت أنه يؤدّي إلى تفاقم التهريب لا الحدّ منه، في ظل اعتماد الاقتصاد السوداني بشكل رئيسي على صادرات الذهب لتلبية احتياجات البلاد من النقد الأجنبي. في المقابل، رأى الخبير الاقتصادي عادل عبد العزيز أن سياسات اللجنة الاقتصادية قد تنجح في السيطرة على حركة الذهب وتجارته، وهو أهم مورد للنقد الأجنبي حالياً، مشيراً إلى أن نجاحها مرهون بقدرة الدولة على الحدّ من التهريب ومنح المنتجين استحقاقاتهم المالية وفق الأسعار العالمية. وتشير تقارير إلى أن نحو 50% من الذهب السوداني يُهرّب إلى الخارج نتيجة للسياسات الحكومية غير المستقرة.

وقالت الشركة السودانية للموارد المعدنية، في بيان يوم الأحد، إن تقرير الأداء في الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى سبتمبر/ أيلول 2025، أظهر إنتاج 53 طناً من الذهب وإيرادات بلغت 699 مليار جنيه، فيما بلغت حصيلة صادر الذهب 909 ملايين دولار، كما بلغت تحويلات المجتمع المحلي 33 مليار جنيه. وأوضحت الشركة في بيانها أن قطاع التعدين التقليدي حقّق طفرةً غير مسبوقة، إذ تجاوزت إيراداته 300 مليار جنيه، بنسبة نمو بلغت 506% مقارنة بالأعوام السابقة، إذ سجّلت الإيرادات في عام 2024 نحو 93 مليار جنيه، مقابل 18 ملياراً في 2023، و1.1 مليار فقط في 2022. وتعكس هذه الأرقام تحسّناً في أداء شركات التعدين الكبرى والقطاع المنظم.

تعيين محافظ جديد

وأفادت مصادر مطلعة بأن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أصدر قراراً بإعفاء برعي الصديق من منصبه، وتعيين آمنة ميرغني حسن التوم محافظاً جديداً لبنك السودان المركزي. وتشير المصادر إلى أن آمنة ميرغني كانت تشغل منصب المدير العام لمجموعة تنمية الصادرات التابعة للمنظومة الدفاعية، كما عملت سابقاً مديراً عاماً للأسواق المالية، ثم لشركة مطابع السودان للعملة. ويرى مصرفيون أن تعيينها يأتي في إطار محاولة الإبقاء على السياسات السابقة دون تغيير.

وتباينت آراء الخبراء والمراقبين بين مؤيّد لاحتكار البنك المركزي صادرات الذهب باعتباره وسيلةً للرقابة على الإيرادات، ومعارض يرى ضرورة وضع أسس وضوابط تنظّم عمليات الشراء والتصدير بين البنك والمنتجين والمصدرين. وقال المصرفي محمد إسماعيل لـ"العربي الجديد" إن الثقة مفقودة بين الأجهزة الرسمية ومصدّري الذهب، إذ يسعى كل طرف لتحقيق مصالحه من خلال القرارات والسياسات الحكومية. وأضاف أن سياسة الاحتكار ستضرّ بالمصدرين، خاصّةً في ظلّ تدني قيمة العملة المحلية ونقص العملات الصعبة لدى البنوك، فضلاً عن أن أغلب الإنتاج يتم بطرق تقليدية يصعب ضبطها من خلال نافذة واحدة.

من جانبه، اعتبر الاقتصادي بابكر التوم أن "بنك السودان لا يمتلك القدرةَ الكافية لإدارة ملف الذهب"، لافتاً إلى أن "منتفعين كباراً يقفون عقبة أمام تنفيذ السياسات الجديدة مستفيدين من ضعف الرقابة والانفلات الأمني، ما أدى إلى استمرار التهريب". أما المصرفي محمد زين، فأكد أن سياسات البنك المركزي "غير مرنة وتفتقر إلى التسهيلات"، مشدداً على ضرورة إشراك جميع الجهات المعنية، بما في ذلك وزارة المالية والمصدرون والمنتجون، في وضع آلية الشراء والتسويق لتفادي فشل أي سياسة جديدة.

ورغم أن إنتاج الذهب خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري ارتفع إلى 53 طناً مقارنة بـ64 طناً في العام الماضي، فإن عائدات الصادر لم ترتفع بالقدر المتوقع، ما يشير إلى استمرار نزيف التهريب الذي يُبدّد جهود الدولة في السيطرة على أهم مورد اقتصادي للنقد الأجنبي.