شظايا انفجار بيروت: تضافر الأزمات يعبّد طريق الانهيار الاقتصادي

شظايا انفجار بيروت: تضافر الأزمات يعبّد طريق الانهيار الاقتصادي

بيروت
ريتا الجمّال
04 اغسطس 2021
+ الخط -

عامٌ مضى على انفجار مرفأ بيروت الذي حوّل العاصمة اللبنانية إلى مدينة منكوبة ما زالت حتى اليوم تلملم جراحها المتبعثرة في أرضية وطنٍ يزعزعها عصف أزماتٍ من صنع قادته.
وتسبب انفجار مرفأ بيروت، الذي وقع عند الساعة السادسة وسبع دقائق من مساء الرابع من أغسطس/ آب 2020 في العنبر رقم 12 حيث يخزن 2750 طناً من مادة نيترات الأمونيوم، بمقتل أكثر من 216 شخصاً وإصابة نحو سبعة آلاف شخص بجروح وتشريد ما يزيد عن 300 ألف شخص إضافة إلى دمار مادي كلفته مليارات الدولارات.
أزمات كثيرة طبعت الساحة اللبنانية منذ 4 أغسطس 2020 يُجمع خبراء اقتصاديون على أنّها غير ناجمة كلّها عن الانفجار الأضخم في التاريخ المعاصر، بل عن تضافر أزمات ربطاً بكورونا والتأزم السياسي والانهيار المالي وإن أتى الانفجار ليُشكّل الضربة القاضية لبلدٍ غارق في الديون والفساد.

قدّر البنك الدولي في تقييمٍ سريعٍ أنّ الانفجار ألحق أضراراً بالأصول المادية تراوحت قيمتها بين 3.8 و4.6 مليارات دولار

وقدّر البنك الدولي في تقييمٍ سريعٍ أنّ الانفجار ألحق أضراراً بالأصول المادية تراوحت قيمتها بين 3.8 و4.6 مليارات دولار، وكان أكثر القطاعات تضرّراً الإسكان والنقل والموجودات الثقافية. كما قدّر البنك الدولي احتياجات إعادة إعمار القطاع العام وتعافيه لعامي 2020 و2021 بما يتراوح بين 1.8 و2.2 مليار دولار.

يقول أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت ناصر ياسين، لـ"العربي الجديد"، إنّ "الضرر الناتج عن الانفجار ضاعف وراكم كلّ الأزمات وأتى بمثابة الضربة القاضية لبعض القطاعات المتوسطة والصغيرة في بيروت، لا سيما الجميزة ومار مخايل، وحتى الكبرى منها في أسواق العاصمة، بيد أنّ الأزمة الاقتصادية أعمق من ربطها فقط بالانفجار، وتتصل بتعثر المصارف والبنك المركزي والحكومة وعجز المالية العامة وغيرها الكثير من العوامل".
ويشير ياسين إلى أنّ "الانفجار في مرفأ بيروت أثر على إمدادات لبنان الغذائية، بحكم ما تستورده البلاد بما نسبته 85 في المائة تقريباً من غذائها، في حين كان المرفأ يستقبل نحو سبعين في المائة من الواردات، وألحق أضراراً في أماكن تخزين القمح ومبنى صوامع الحبوب والبضائع العائدة للشركات، علماً أنّ المرفأ تمكن سريعاً وبشكل مفاجئ من إعادة التشغيل وإن بقدرة استيعابية أقلّ على مستوى التخزين".
ويلفت ياسين إلى أنّ "الضرر يحمل أشكالاً عدّة، فهناك المباشر لناحية التكسير والدمار وتكاليف التصليح وإعادة البناء والتأهيل والتي أنجز بعضها إما بفضل أعمال إنسانية أو من حساب المؤسسات الخاص، أما الضربة الأقوى فطاولت سمعة مرفأ بيروت الاقتصادية، رغم أنّها لم تكن جيدة جداً نسبةً إلى الفوضى فيه والحوكمة غير السليمة، لكنّه اليوم خسرها ويحتاج لسنين من أجل بنائها مجدداً".

يواصل لبنان مشوار الانهيار وسط انسداد الأفق السياسي، خصوصاً بعد ترحيل نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة إلى ما بعد 4 أغسطس مع استمرار الخلافات حول الحقائب السيادية

ولا يفصل ياسين الانفجار عن تأزم الوضع السياسي الذي كان هشاً أصلاً، ويقول: "استقالت حكومة حسان دياب في 10 أغسطس 2020 على خلفية الانفجار وهي منذ سنة تعتكف عن الاجتماع أو اتخاذ القرارات، خصوصاً في الملفات المصيرية، أبرزها الدعم، رغم أنّ جميع الإشارات منذ الصيف الماضي حوله كانت سلبية، وتفاقمت الخسائر على الاقتصاد اللبناني ومالية مصرف لبنان ومختلف القطاعات، إلى أن أوصلتنا الأزمة السياسية إلى موقع خطير طاول الاحتياطي الإلزامي وأموال المودعين".
ويواصل لبنان مشوار الانهيار وسط انسداد الأفق السياسي، خصوصاً بعد ترحيل رئيس الوزراء المكلف نجيب ميقاتي تشكيل الحكومة إلى ما بعد الرابع من أغسطس مع استمرار الخلافات حول الحقائب السيادية.

وأهدر لبنان، الذي كلف 3 رؤساء وزراء منذ استقالة حسان دياب خلال هذه السنة، المبادرة الفرنسية التي تنطلق من تشكيل حكومة من أصحاب الاختصاص والكفاءة والنزاهة وتضع برنامجاً اقتصادياً شفافاً لمكافحة الهدر والفساد ويعيد الثقة الدولية بالبلاد تمهيداً لتعبيد الطريق أمام عودة الدعم النقدي المباشر إلى الدولة اللبنانية وسط تكرار الخارج موقفه بأن لا شيك على بياض من دون إصلاحات. بينما اقتصرت كلّ مؤتمرات الدعم الدولية التي عقدت منذ 4 أغسطس لغاية اليوم على تقديم مساعدات للشعب والجيش اللبناني.
خلاصة الأزمات التي يعاني منها لبنان يمكن قراءتها في تقرير البنك الدولي، الذي حذّر من أنّ لبنان غارق في انهيار اقتصادي يضعه ضمن أسوأ عشر أزمات عالمية منذ منتصف القرن التاسع عشر.
أخطر هذه الأزمات نقدية، مع انقطاع الدولار وبلوغه في السوق السوداء مستويات غير مسبوقة في تاريخ البلاد متجاوزاً عتبة 24 ألف ليرة بالتزامن مع اعتذار سعد الحريري عن عدم تشكيل الحكومة، ما ارتد تدهوراً لقيمة العملة الوطنية والرواتب بالليرة اللبنانية إلى أكثر من 95 بالمائة، وانعداماً للقدرة الشرائية عند المواطنين، وغلاء فاحشاً في الأسعار، وفوضى تسعير في ظلّ غياب الرقابة والمساءلة.

البنك الدولي حذّر من أنّ لبنان غارق في انهيار اقتصادي يضعه ضمن أسوأ عشر أزمات عالمية منذ منتصف القرن التاسع عشر

وبحسب مراقبين، حوصر لبنان بأزمة انقطاع الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، وحوصرت المستشفيات التي ما زال بعضها يتعافى من الانفجار ويستقبل المرضى بالحالات الطارئة، مع ارتفاع الفاتورة الطبية والاستشفائية، إضافة إلى أزمة انقطاع المحروقات، خصوصاً البنزين والمازوت، التي ترجمت في طوابير الذل اليومية أمام محطات الوقود وما رافقها من إشكالات وأحداث أمنية سقط خلالها جرحى وقتلى.

كما يعاني الشارع من انعكاسات العتمة الشاملة ونفاد مخزون المازوت في ظل زيادة ساعات قطع التيار في مؤسسة كهرباء لبنان وإطفاء أصحاب المولدات لها ساعات طويلة.

وعانى لبنان أيضاً من أزمة شحّ المواد والسلع الغذائية الأساسية، ما ترجم بدوره في إشكالات عدة سجلت في السوبرماركت خلال عملية البحث عن المواد المدعومة المقطوعة إما بفعل التخزين أو التهريب.
وأدى عجز الحكومة عن التعامل مع الأزمات إلى دفع البلاد أكثر نحو تدهور خطير جداً، وهو ما رفع معدلات الفقر والبطالة والجوع، وزاد من تهديد الأمن الغذائي والصحي للبنانيين.

المساهمون