شركة فرنسية تتأهب لمغادرة مشروع غاز جزائري بعد ضوء أخضر رسمياً
استمع إلى الملخص
- التحديات والإنتاج في حقل توات الغازي: بدأ الإنتاج في 2019 وتوقف بسبب تلوث بالزئبق، واستؤنف تدريجياً في 2024 بطاقة يومية 13 مليون متر مكعب.
- تراجع الحضور الاقتصادي الفرنسي في الجزائر: انسحبت شركات فرنسية بارزة، وقلصت الجزائر وارداتها من فرنسا، مما يعكس تحولاً في العلاقات الاقتصادية.
بالتزامن مع علاقات سياسية ودبلوماسية متأزمة بين الجزائر وفرنسا، رافقها جمود اقتصادي كبير بين الطرفين، أعطت السلطات الجزائرية رسمياً الضوء الأخضر لصفقة خروج عملاق فرنسي للطاقة، وهو شركة "إنجي (ENGIE)"، من حقل غازي ضخم جنوب غربي البلاد، يُعتبر من بين الأكبر إنتاجاً، من خلال عملية استحواذ لصالح شركة تايلاندية.
وفي هذا السياق، أفاد مصدر رفيع بقطاع الطاقة الجزائري لـ"العربي الجديد"، أن السلطات وافقت رسمياً على صفقة استحواذ شركة طاقة تايلاندية على حصص عملاق الطاقة الفرنسي "إنجي (ENGIE)" في حقل توات الغازي، بولاية أدرار، جنوب غربي البلاد. ووفق المصدر ذاته، الذي رفض ذكر اسمه، فإن الأمر يتعلق بشركة "بي تي تي إي بي (PTTEP)" التايلاندية، التي ستعوض الطرف الفرنسي في هذا الحقل، بعد توقيع اتفاق استحواذ في هذا الصدد قبل عدة أشهر.
لكن الصفقة يشترط فيها موافقة السلطات الجزائرية عليها قبل إتمامها، بالنظر لما ينص عليه قانون المحروقات لسنة 2019، في شقه المتعلق بنقل أو تحويل أصول نفطية وغازية لشركات أجنبية.
شرط موافقة السلطات ي الجزائر
ينص قانون المحروقات الجزائري على أن نقل أو تحويل أصول في حقول نفطية وغازية بالجزائر، يخضع أولاً لموافقة من سلطات البلاد، ممثلة بوزارة المحروقات وشركة سوناطراك والوكالة الحكومية لتثمين موارد المحروقات (ALNAFT)".
كما يمكن للسلطات، ممثلة بالوزارة أو شركة النفط الوطنية سوناطراك، أن تستعمل حق الشفعة لإبطال أي عملية، في حال لم تجر الموافقة على الشريك الجديد الذي ستؤول إليه الأصول. ووفقاً لهذه الموافقة، يضيف المصدر ذاته، ستستحوذ "بي تي تي إي بي (PTTEP)" على ما نسبته 22.1% من أسهم هذا الحقل الغازي، التي تعود ملكيتها حالياً لشركة "إنجي" الفرنسية. وانضمت الشركة التايلاندية بموجب هذا الاستحواذ إلى شريكها الإيطالي "إيني (Eni)" في ثاني مشروع لها بالجزائر، إذ فازت الشركتان في يونيو/حزيران 2025 بعرض مشترك لتطوير واستغلال الحقل الغازي "رقان 2" بولاية أدرار جنوب غربي الجزائر، في إطار جولة العطاءات الدولية التي أطلقتها وكالة تثمين موارد المحروقات خريف 2024، وكانت الأولى من نوعها منذ 2014. ويُنتظر الإعلان عن الموافقة الرسمية على الصفقة قريباً، وفق المصدر نفسه، بعد أن وصلت جميع الإجراءات المرتبطة بها إلى مرحلتها الأخيرة، من خلال قرار سيُنشر في الجريدة الرسمية الجزائرية ليدخل حيز التنفيذ بشكل رسمي.
إنتاج سنوي ضخم للحقل
دخل حقل توات الغازي مرحلة الإنتاج الأولية في فبراير/شباط 2019، قبل أن يُسلم بشكل نهائي مع مطلع عام 2020. وتجري إدارته بالشراكة بين شركة النفط الوطنية سوناطراك التي تستحوذ على 35% منه، وإيني الإيطالية التي تحوز 42.9%، وإنجي الفرنسية التي ستعوضها الشركة التايلاندية بموجب الضوء الأخضر للسلطات الجزائرية بحصة 22.1%. وواجه حقل توات غاز بولاية أدرار الجزائرية صعوبات إنتاجية حادة منذ خريف 2021، ما أدى إلى توقف ضخ الغاز بشكل كامل، بسبب تلوث منشأة المعالجة بمادة الزئبق نهاية العام ذاته. وعقب استحواذ إيني على أصول نبتون في هذا الحقل، جرى ضخ أموال من الشريك الإيطالي الذي تكفّل بعملية تطهير منشأة المعالجة من مادة الزئبق، ما مكّن لاحقاً من استئناف الإنتاج تدريجياً، بدءاً من الربع الأول لسنة 2024. وحسب المصدر الذي تحدثت إليه "العربي الجديد"، فإن حقل توات غاز يُعتبر حالياً من بين أبرز الحقول المنتجة للغاز في الجزائر، إذ تُقدر طاقته اليومية بـ13 مليون متر مكعب، مشدداً على أنها مستقرة منذ نحو عامين، مما يُمكّن من بلوغ إنتاج سنوي يفوق 4.5 مليارات متر مكعب.
أفول اقتصادي فرنسي
تأتي هذه المغادرة الفرنسية لأحد أبرز الحقول الغازية في الجزائر ضمن سياق تراجع الحضور الاقتصادي لشركات فرنسا في البلد العربي، وهو مسار بدأ منذ عام 2020، مع صعود الرئيس عبد المجيد تبون إلى سدة الحكم نهاية 2019، مقابل حضور متزايد لإيطاليا وتركيا والصين.
في هذا السياق، رفضت سلطات الجزائر في خريف 2020 تجديد عقد شركة "راتيبي باريس"، التي كانت مُكلفة بتسيير وصيانة مترو أنفاق العاصمة منذ عام 2011. وفي عام 2021 غادرت شركة "سياز (SIAZ)" الفرنسية البلاد، بعد أن كانت منذ 2006 مسؤولة عن إدارة وتسيير المياه والصرف الصحي بالجزائر العاصمة وولاية تيبازة الساحلية المجاورة. كما أغلق مصنع علامة السيارات الفرنسية الشهيرة "رينو" بولاية وهران أبوابه عام 2020، وسرَّح عماله وموظفيه، ولم يُرخّص له بالعودة مجدداً إلى النشاط، بالرغم من طلباته المتكررة. وفي بداية 2022 أنهى بنك القرض الفلاحي الفرنسي المعروف بـ"كريدي أغريكول" وجوده هناك، بعد أن سحب المركزي الجزائري رخصة نشاطه التي كان قد حصل عليها عام 2007. كما منعت السلطات الجزائرية استحواذ "توتال" (Total) الفرنسية على أصول "أناداركو" الأميركية التي انتقلت إلى أوكسيدنتال بيتروليوم حينها.
وأشهرت الجزائر "فيتو"، من خلال اللجوء إلى حق الشفعة بموجب قانون المحروقات، وبذلك رفضت الصفقة بالكامل في شقها الجزائري، بالنظر إلى أن "توتال" الفرنسية اشترت أصول "أناداركو" الأميركية في كامل القارة الأفريقية.
وفي عام 2023، انسحبت شركة "توتال" الفرنسية أيضاً من مشروع مصنع بتروكيماويات كبير في وهران بغرب الجزائر، بالشراكة مع شركة المحروقات الجزائرية "سوناطراك". وقبل عدة أشهر، غادرت شركة كاستال الفرنسية شركة "رويبة" الجزائرية لإنتاج العصائر، بعد أن استحوذت شركة حمود بوعلام الجزائرية المتخصصة في إنتاج المشروبات الغازية على حصص الشريك الفرنسي
. وفي ظل التوتر بين البلدين، قلصت الجزائر وارداتها من فرنسا بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة، خاصة في قطاعات القمح والحبوب واللحوم والأجبان ومشتقات الألبان والشوكولاتة، إضافة إلى الأبقار الحلوب وعجول الذبح والتسمين. وهي منتجات كانت باريس تستحوذ على حصص واسعة منها داخل السوق الجزائرية.