استمع إلى الملخص
- تلعب سياسة الحياد العُمانية دورًا محوريًا في الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع إيران، مما يوفر حاجزًا حمائيًا يسمح بالتعاون دون إثارة غضب واشنطن، مع خطط لزيادة التبادل التجاري إلى 2.5 مليار دولار قريبًا.
- تسعى الدولتان لتعزيز التعاون الصناعي والتجاري عبر بنية لوجستية متطورة، مع التركيز على قنوات غير نفطية، رغم العقوبات الأميركية، مما يسهم في تنويع الاقتصاد العُماني وتوسيع أسواقه.
شهدت العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان وإيران تطورا ملحوظا بعدما حققت التجارة بينهما رقما قياسيا بإجمالي تبادل بلغ 1.153 مليار دولار في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، بنمو 11% مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، حسب بيانات رسمية، ما سلط الضوء على مدى إمكانية تحقيق مسقط لشراكة اقتصادية وازنة مع طهران في ظل العقوبات الأميركية على إيران.
وتجاوزت قيمة الصادرات الإيرانية إلى عُمان 780 مليون دولار بزيادة 16%، الأمر الذي يعكس قوة الطلب على المنتجات الإيرانية في الأسواق الخليجية والعالمية. وبحسب توقعات متخصصي التجارة، قد يتجاوز إجمالي التبادل التجاري مع عُمان 2.5 مليار دولار بحلول نهاية العام الإيراني في مارس/آذار 2026، بحسب تقدير أورده موقع "إيران نيوز ديلي".
وتُعتبر سياسة الحياد العُماني التاريخية العامل الأساسي الذي يمكّن مسقط من الحفاظ على هذه العلاقات الاقتصادية رغم المعارضة الأميركية والإقليمية.
وفي الأشهر السبعة الأولى من عام 2025، بلغت قيمة إعادة التصدير الإيراني من عُمان إلى أسواق أفريقية وآسيوية 465 مليون دولار، تشكل 18% من إجمالي إعادات تصدير السلطنة، بحسب بيانات المركز الوطني للإحصائيات والمعلومات في عُمان.
وحتى الآن، تجنبت واشنطن تصعيداً مباشراً ضد عُمان، لكن استراتيجيتها الجديدة تشير إلى أنها قد تفرض ضغوطا متزايدة على البنوك والشركات العُمانية التي تتعامل مع إيران، بحسب تقدير نشرته "عُمان أوبزرفر".
وإزاء ذلك، فإن الشراكة الاقتصادية المتوازنة، التي تسعى مسقط وطهران لتحقيقها، تبقى مشروطة بعوامل خارجية لا تسيطران عليها بشكل كامل، فأي تصعيد أميركي جديد أو قرار بفرض عقوبات ثنائية على المؤسسات البنكية العُمانية قد يعطل هذا التعاون، لكن في الوقت الحالي، يبدو أن الحياد العُماني مع دوره الدبلوماسي المتميز يوفر للسلطنة حاجزا حمائيا نسبياً يسمح بمتابعة العلاقات الاقتصادية مع إيران دون أن تثير غضب واشنطن بشكل مباشر، بحسب تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات.
العلاقات الدبلوماسية والاتفاقات
في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي، نهاد إسماعيل، لـ "العربي الجديد"، إلى أن العلاقات الدبلوماسية المتميزة بين سلطنة عُمان وإيران تشكل، إلى جانب القرب الجغرافي الاستراتيجي والاتفاقات المشتركة المتعلقة بأمن مضيق هرمز، عوامل داعمة قوية تتيح للسلطنة الاستفادة من الفرص التجارية وتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي مع طهران، مؤكدا أن هذا الحراك يعززه الموقف العُماني الحيادي والبراغماتي، الذي يمنح السلطنة هامشا واسعا للعب دور الوسيط الموثوق به بين إيران والدول الغربية في ظل التوترات المستمرة والعقوبات المفروضة.
وبفضل هذه السياسة المتوازنة، ترسخت العلاقة بين البلدين واتسمت بالاستقرار، ما مهد الطريق أمام تقارب أوسع في مجالات متعددة، أبرزها التجارة ومشاريع الطاقة والزراعة والتعدين والسياحة، حسب إسماعيل، مشيرا إلى أن الخلفية التاريخية والثقافية المشتركة لم تجعل من عُمان شريكا تجاريا لإيران فحسب، بل حليفا استراتيجيا ينظر إليه الجانب الإيراني بإعجاب.
وفي هذا السياق، يلفت إسماعيل إلى خطط طموحة تهدف إلى رفع سقف التعاون الاقتصادي بين الجانبين، موضحا أن البيانات الصادرة عن وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (IRNA) تُظهر ارتفاع حجم التبادل التجاري بنسبة 16% في عام 2025 مقارنة بعام 2024، حيث بلغ هذا التبادل في الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي نحو 865 مليون دولار.
ويشير إسماعيل إلى ترجيحات بإمكانية وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 2.5 مليار دولار في السنوات القريبة، مع توقعات بأن يرتفع على المدى البعيد إلى 20 مليار دولار.
بنية لوجستية متطورة في عُمان وإيران
في السياق، يشير الخبير الاقتصادي، عامر الشوبكي، لـ "العربي الجديد"، إلى أن عُمان وإيران تسعيان إلى تعزيز التعاون الصناعي والتجاري بينهما مع تركيز متزايد على قنوات غير نفطية تدعمها بنية لوجستية متطورة، أبرزها ميناء الدقم والمناطق الحرة، موضحا أن الميزان التجاري بين البلدين يشهد توسعا تدريجيا عبر ممرات مشروعة، ما يعزز من موقع عُمان محوراً لوجستياً ولإعادة التصدير في المحيط الهندي، خاصةً في ظل زيادة مناولة البضائع في ميناء الدقم بنسبة 152% خلال عام 2024.
ويضيف الشوبكي أن هذا التوجه يتوافق مع طبيعة التجارة الإيرانية، التي تميل إلى الاعتماد على ممرات لوجستية عالية الكفاءة ومنضبطة، لافتا إلى أن الخط الثنائي بين البلدين يشهد تفعيلا مستمرا لقنوات التنسيق، إذ عُقدت اجتماعات رسمية حديثة في مسقط بين مسؤولي الصناعة والتجارة من الجانبين، بهدف الارتقاء بالتبادل التجاري وتوسيع التعاون الصناعي، بما في ذلك تسريع اتفاق التفضيلات التجارية وإنشاء لجنة صناعية مشتركة، ما يعد مؤشرا على إرادة سياسية وفنية لرفع سقف التعاون، وإن ضمن حدود الحذر.
ويبرز الشوبكي أن التبادل التجاري يتركز في قطاعات أقل حساسية للعقوبات الدولية، مثل مواد البناء والغذاء والدواء والكيميائيات الخفيفة، فضلا عن ارتفاع حجم الشحنات عبر خط مباشر بين ميناء صحار العُماني وميناء بندر عباس الإيراني بنسبة 94% على أساس سنوي، ومع ذلك، يبقى هذا التعاون محكوما بسقف صارم تفرضه العقوبات الأميركية، التي توسعت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، لا سيما بعد تحديث وزارة الخزانة الأميركية في إبريل/نيسان الماضي لإرشاداتها الموجهة لقطاع الشحن البحري لكشف أساليب التحايل على عقوبات النفط الإيراني.
فواشنطن لا تقدم استثناءات لأنشطة الطاقة الإيرانية، حتى للجهات غير الأميركية، حسب الشوبكي، وهو ما تجسد في إدراج شبكة شحن بقائمة العقوبات في مايو/أيار الماضي لنقلها مليون برميل من النفط الإيراني إلى الصين.
ويرى الشوبكي أن الإلغاء المفاجئ للاستثناء التاريخي الممنوح لميناء تشابهار الإيراني، والذي كان يسمح ببعض الأنشطة لأغراض إنسانية وتنموية، يعكس حساسية متزايدة لدى الولايات المتحدة تجاه أي قنوات قد تخفف من تأثير العقوبات، ما يضيّق هامش المناورة الإقليمية، خصوصاً بالنسبة لعُمان.
وفي هذا السياق، يبقى تنفيذ مشاريع طاقة عابرة للحدود، كأنبوب الغاز الإيراني-العُماني، أمرا رمزيا ومعلقا، إذ يظهر ويختفي تبعا للطقس السياسي العام، حسب تقدير الشوبكي.
وإزاء ذلك، فإن عُمان يمكنها استقطاب شركات إيرانية غير مدرجة في لوائح العقوبات للعمل داخل مناطقها الحرة، خاصة في أنشطة الصيانة وخطوط التجميع الخفيفة الموجهة للتصدير إلى أسواق ثالثة، شرط الالتزام بتدقيق مصرفي وقانوني صارم، بحسب الشوبكي، مشيرا إلى أن صعود ميناء الدقم مركزاً لوجستياً وصناعياً متعدد الاستخدامات يعد عاملاً محورياً في إضافة قيمة داخلية للاقتصاد العُماني وتقليل المخاطر القانونية المرتبطة بالتعامل مع طهران.
ويشدد الشوبكي على ضرورة تجنب عُمان أي نشاط مرتبط بالنفط أو البتروكيميائيات أو الشحن المرتبط بهما، باعتبارها "خطوطاً حمراء" بالنسبة لواشنطن.
ويخلص الشوبكي إلى أن عُمان قادرة على بناء شراكة اقتصادية معتبرة مع إيران، شرط الالتزام الصارم بالامتثال الدولي، والتركيز على القطاعات غير الحساسة، وتعظيم دور الموانئ والمناطق الحرة ضمن سلاسل إمداد شفافة، مؤكدا أن مثل هذه الشراكة، رغم طابعها التراكمي، تسهم في تنويع الاقتصاد العُماني وتوسيع أسواقه.