شبح التفكيك يطارد أكبر شركة ذهب في العالم... ما تأثيره على السوق؟
استمع إلى الملخص
- مشروع "ريكو ديك" في باكستان يمثل تحدياً كبيراً بسبب تكلفته والمخاطر المرتبطة به، إلى جانب انتكاسات أخرى مثل فشل صفقة في جمهورية الدومينيكان وتوترات مع حكومة مالي، مما يدفع للتفكير في تقسيم الشركة.
- احتمال تفكيك "باريك غولد" قد يؤثر على سوق الذهب العالمي، حيث تسهم الشركة بنسبة 5% من الإنتاج العالمي، وقد يؤدي انقسامها إلى موجة استحواذات ومزايدات، مع أهمية مشروع "ريكو ديك" في التنافس الجيوسياسي.
تواجه شركة "باريك غولد"، أكبر منتج للذهب في العالم، ضغوطاً غير مسبوقة بعد دخول مستثمر ناشط بحصة كبيرة، ورحيل رئيسها التنفيذي مارك بريستو على نحوٍ مفاجئ، في تطور أثار موجة واسعة من التكهنات بشأن احتمال تفكيك الشركة أو إعادة هيكلتها جذرياً، بحسب "فايننشال تايمز". وتأتي هذه التطورات في وقت يسجل فيه المعدن الأصفر مستويات قياسية عالمية، بينما يعيش قطاع التعدين موجة اندماجات كبيرة تمسح الحدود التقليدية بين شركات الذهب والنحاس. وبدأت الأزمة عندما كشف عن أن صندوق "إليوت مانجمنت"، أحد أبرز المستثمرين الناشطين في وول ستريت، بنى حصة لا تقل عن 700 مليون دولار في "باريك"، بعد تقارير عن أن مجلس الإدارة يناقش سيناريو تفكيك الشركة إلى كيانات أصغر.
ويعرف "إليوت" تاريخياً بقدرته على دفع مجالس الإدارات لاتخاذ خطوات جذرية تشمل بيع الأصول، واختصار الهياكل الإدارية، وتقسيم الشركات لرفع قيمتها السوقية. وتزامن دخول الصندوق مع رحيل بريستو في سبتمبر/أيلول الماضي، وهو ما زاد من حدة الضغوط الداخلية ورفع احتمال حدوث تغييرات عميقة في بنية الشركة. وتعود جذور الأزمة إلى عام 2018، حين أبرمت صفقة دمج "باريك" مع "راندغولد ريسورسيز" بقيادة رئيس مجلس الإدارة جون ثورنتون والرئيس التنفيذي آنذاك مارك بريستو. وقد اعتبرت الصفقة في حينها واحدة من أنجح تحالفات التعدين، بعد أن خلقت كياناً بقيمة تتجاوز 60 مليار دولار، يضم أصولاً تمتد من نيفادا إلى أفريقيا وأميركا اللاتينية. لكن بعد نحو سبع سنوات، تراكمت مشكلات تشغيلية وإدارية وقانونية قلصت من بريق الشركة، ودفعت مجلس الإدارة لمراجعة خياراتها الاستراتيجية، بما فيها احتمال تفكيك الصفقة القديمة بالكامل.
سلسلة انتكاسات
وفي قلب هذه المراجعة يقف مشروع "ريكو ديك" للذهب والنحاس في بلوشستان بباكستان، وهو مشروع عملاق تبلغ كلفته 9 مليارات دولار وينطوي على مخاطر أمنية وسياسية عالية. ويعتبر مستثمرون أن المشروع استنزف وقت الإدارة وموارد الشركة، بينما يرى آخرون أنه يمثل أحد أهم أصول النحاس المستقبلية في العالم. وقالت "فايننشال تايمز" إنّ الحكومة الباكستانية أجرت محادثات غير معلنة مع شركة "فريبورت ماكموران" الأميركية لاستطلاع إمكانية شراء حصة من المشروع، في حال مضت "باريك" في خطة بيع أصولها الدولية، وتعرضت "باريك" خلال العامَين الماضيَين لسلسلة انتكاسات ساهمت في تراجع ثقة السوق، أبرزها فشل صفقة الاستحواذ على 40% من منجم "بوبلو بييخو" في جمهورية الدومينيكان، والتي كانت قيمتها تقترب من 4 مليارات دولار.
كما واجهت الشركة توتراً حاداً مع حكومة مالي أدى إلى اعتقال أربعة من موظفيها، وإغلاق منجم "لولو-غونكوتو" مطلع العام، في وقت تمكّنت فيه منافساتها من تجنب المواجهة. كل ذلك ترافق مع ثلاث حوادث وفاة في مناجمها في نيفادا وتنزانيا والكونغو، ما أثار أسئلة واسعة حول كفاءة الإدارة والالتزام بالمعايير التشغيلية. وتشير مصادر مصرفية، بحسب "فايننشال تايمز" إلى أن سيناريو تقسيم "باريك" إلى شركتَين (واحدة تركز على الأصول منخفضة المخاطر في أميركا الشمالية، وأخرى تضم المناجم الدولية) قد يعيد تسعير الشركة ويرفع قيمتها السوقية بنسب تتراوح بين 20% و40%. وتملك "باريك" شراكات مباشرة مع "نيوماونت" في مناجم نيفادا والدومينيكان، ما يجعل الأخيرة أحد المرشحين الطبيعيين لأي عملية استحواذ أو إعادة دمج محتملة، رغم إعلانها أنها ليست بصدد صفقات جديدة بعد استحواذها على "نيوكريست" العام الماضي.
انعكاسات محتملة على السوق
ويمثل احتمال تفكيك "باريك غولد" واحدة من أكثر التطورات حساسية في سوق الذهب العالمي خلال العقد الأخير، نظراً إلى الوزن الكبير للشركة في الإنتاج والتسعير وتوزيع الأصول. فبحسب بيانات المجلس العالمي للذهب، تسهم "باريك" بنحو 5% من الإنتاج العالمي، بينما تمتد أصولها عبر مناطق استراتيجية في أميركا الشمالية وأفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، ما يجعل أي إعادة هيكلة أو بيع أصول بمثابة إعادة رسم لخريطة التعدين الدولية. ويرجح محللون أن يؤدي انقسام الشركة إلى رفع قيمتها السوقية، لكنه في المقابل سيطلق موجة واسعة من عمليات الاستحواذ والمزايدات بين كبار اللاعبين مثل "نيوماونت" و"أغنيكو إيغل" و"فريبورت"، خصوصاً على مناجم نيفادا وبابوا غينيا الجديدة والأرجنتين. وقد يرفع هذا التنافس، بحسب المحللين، أسعار الأصول التعدينية، ويزيد من شهية المستثمرين للدخول في القطاع في ظل بقاء الذهب قرب مستويات تاريخية مرتفعة.
ويرى مراقبون أن السيناريو الأكثر تعقيداً يتعلق بمشروع "ريكو ديك" للنحاس والذهب، الذي قد يتحول إلى محور تنافس جيوسياسي إذا عرض للبيع، نظراً لأهمية النحاس في الصناعات الخضراء وسلاسل الإمداد الحساسة. ومن شأن ذلك أن يدفع بعض الحكومات (خصوصاً الولايات المتحدة والصين) إلى السعي لضمان حضور شركاتها في عمليات الشراء القادمة. وبالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي تفكيك "باريك" إلى إعادة توزيع الإنتاج العالمي للذهب وإلى تغييرات في التوقعات المستقبلية للتوريد، وهو ما قد ينعكس على الأسعار، سواء عبر موجة صعود جديدة إذا انخفض المعروض بسبب الاضطرابات التشغيلية المصاحبة لإعادة الهيكلة، أو عبر موجة استقرار إذا ضخت شركات أخرى استثمارات مكثفة في الأصول التي قد تباع.