سيناريو الحرب الروسية الأوروبية: اقتصادات ممزقة تواجه التصعيد
استمع إلى الملخص
- الأزمات الاقتصادية في أوروبا: تعاني الاقتصادات الأوروبية من تباطؤ النمو وارتفاع العجز. تواجه ألمانيا ركودًا اقتصاديًا، بينما يتباطأ النمو في فرنسا وإيطاليا، مع ارتفاع معدلات البطالة والتضخم.
- التحديات الاقتصادية في دول البلطيق: بعد ركود 2024، تواجه دول البلطيق نموًا اقتصاديًا محدودًا في 2025، مع استمرار ارتفاع معدلات التضخم وعجز الموازنة، مما يعكس الضغوط الاقتصادية المستمرة.
الفارق ما بين الكساد الكبير في العام 1929 وانطلاقة الحرب العالمية الثانية كان 10 سنوات، وما بين التاريخين حصلت انهيارات كبيرة في أسواق الأسهم، وفي الظروف المعيشية في غالبية دول العالم، وارتفعت حدة الاحتجاجات واهتزت أسس الأنظمة. لم تصل الدول الكبرى اليوم إلى مرحلة تشابه الكساد الكبير رغم الأزمات العنيفة التي بدأت تتصاعد منذ العام 2008 مع بدء الأزمة المالية.
إلا أن التهديدات المتصاعدة أخيراً والتي وصلت إلى حد التصريح المباشر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول الحرب مع أوروبا، وتصاعد الإنفاق الحربي في دول الاتحاد العجوز إلى حد زعزعة الموازنات، قد تكون إشارة إلى مواجهات قد تصل إلى حد الحرب، ومن الممكن أن تكون تصعيداً قد يخفت في الغرف الدبلوماسية.
سيناريو الحرب الروسية الأوروبية لم يعد سراً، فماذا عن واقع اقتصادات الدول الأوروبية التي قد تكون جزءاً من هذه الحرب؟
تحذيرات روسيا مقابل واقع اقتصادها
فقد حذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القوى الأوروبية يوم الثلاثاء من أنها إذا بدأت حربًا مع روسيا فإن موسكو مستعدة للقتال وأن هزيمة القوى الأوروبية ستكون حتمية لدرجة أنه لن يتبقى أحد حتى للتفاوض على اتفاق سلام.
وفي خضم المحادثات اليائسة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، قال الرئيس الروسي إنه لا يسعى إلى صراع آخر، ولكنه لن يتردد في توجيه ضربة إذا استفزه داعمو كييف الأوروبيون. زعم أن جيش بوتين يتصرف "بشكل جراحي" في أوكرانيا. وأضاف أنه لن يُظهر الطريقة ذاتها في مواجهة مباشرة مع القوى الأوروبية.
وخلف هذا التصريح، يواجه الاقتصاد الروسي سلسلة من التحديات الخارجية والداخلية. إضافة إلى الضربات الأوكرانية المركزة التي تستهدف المنشآت النفطية، وفوق الحصار بالعقوبات الذي يطاول النفط الروسي، وهو من أهم موارد البلاد المالية، تستحوذ أوروبا على الأموال والأصول الروسية الخارجية.
وفي العام 2024، قدّرت القيمة الإجمالية للأصول السيادية الروسية في جميع أنحاء العالم بـ350 مليار دولار، بينها تلك التي جمّدها الاتحاد الأوروبي ودول مجموعة السبع الأخرى بنحو 302 مليار دولار.
أما النفط، فيتعرض لحظر واسع النطاق أدى إلى هبوط الصادرات منذ العام 2022 مع بدء الحظر الأوروبي، إلا أنه عاد إلى الارتفاع مع استبدال السوق الأوروبية بالهند وتركيا والصين وغيرها. لكن الأزمة كانت في الإيرادات النفطية التي شكلت نحو ربع ميزانية روسيا حتى الآن هذا العام، والتي هبطت بفعل العقوبات واقتطاعات الأسعار وتكاليف الشحن وغيرها، بنحو الثلث في نوفمبر مقارنة بالعام الماضي، وانخفضت الضرائب المرتبطة بالنفط بنسبة 32% لتصل إلى 413.7 مليار روبل (5.3 مليارات دولار) الشهر الماضي، وفقًا لحسابات بلومبيرغ، المستندة إلى بيانات وزارة المالية الروسية.
وانخفضت إيرادات النفط والغاز مجتمعةً بنسبة 34% لتصل إلى 530.9 مليار روبل. وقال البنك المركزي الروسي يوم الخميس الماضي إن الاقتطاع على سعر مزيج نفط الأورال الروسي مقارنة بخام برنت القياسي العالمي اتسع ست نقاط مئوية هذا الشهر إلى 23%. ورغم أن الاقتطاع أقل حدة من الاقتطاع بعد الموجة الأولى من العقوبات الغربية في عام 2022، فإنه يعكس الضغوط المتزايدة على عائدات النفط الروسية، وهي شريان حياة حيوي لميزانية موسكو.
ويقبع سعر الروبل حالياً عند واحدة من أضعف مستوياته منذ 2022، فقد انخفض الروبل بنسبة 37% مقابل الدولار في عام 2024، حيث يُنظر إلى العقوبات والهجوم الأوكراني على منطقة كورسك الروسية على أنها العوامل الرئيسية. وارتفع الروبل بنحو 45% في النصف الأول من عام 2025 على الرغم من أن الأغلبية الساحقة من المحللين توقعوا أن العملة مبالغ في قيمتها.
ويشير تقرير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية إلى أنه على الرغم من العقوبات غير المسبوقة المفروضة على روسيا، بدا وضعها الاقتصادي الكلي، للوهلة الأولى، متينًا خلال الفترة 2022-2024: إذ بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.3% في عام 2024، وعُوّض تراجع التجارة مع الدول الأوروبية بالتوسع السريع في التجارة، ولا سيما مع الصين. ساهم ارتفاع أسعار السلع الأساسية، والتحايل الناجح على العقوبات، والإنفاق المالي المنضبط في هذا الاستقرار الأولي.
مع ذلك، بلغ الزخم الاقتصادي الروسي ذروته بنهاية عام 2024، وتنزلق البلاد الآن نحو الركود التضخمي. ويتجلى هذا التراجع في اتساع اختلالات التوازن، بما في ذلك ارتفاع التضخم (حيث بلغ معدل البنك المركزي 21% لثلاثة أرباع تقريبًا)، وعجز الموازنة المتنامي (المتوقع أن ينخفض إلى -2.6% في عام 2025)، والانكماش السريع للجزء السائل من صندوق الثروة الوطنية (انخفض إلى 31.5 مليار دولار في يونيو 2025).
التوقعات طويلة الأجل لروسيا قاتمة. فإمكاناتها في التحديث محدودة، ومن المتوقع أن يتباطأ اقتصادها بشدة، ويزداد اعتماده على الصين. والأهم من ذلك، أن قطاع الغاز الروسي لن يتعافى من خسارة السوق الأوروبية، مما يعني خسارة إيرادات تصديرية تقدر بـ 160 مليار يورو خلال الفترة 2025-2030 لشركة غازبروم. وصرّح المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بأن قيمة ما تنفقه روسيا على الحرب قد تصل إلى ما يزيد عن 460 مليار دولار.
أزمات الاقتصادات الأوروبية
بحسب تقرير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، رغم تنوع خلفيتها الاستراتيجية بشكل كبير نتيجة اندماجها في الاقتصاد العالمي، تبدو أوروبا أكثر انكشافًا للأزمات، إذ تعتمد بشكل كبير على سلاسل توريد معرضة للاضطرابات الجيوسياسية، فيما تواجه مشكلات داخلية تتداخل ما بين الصراعات السياسية وتراجع مؤشرات النمو في مقابل ارتفاع العجز.
ومرت ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، بفترة طويلة من الركود الاقتصادي. منذ جائحة كوفيد-19، سجلت واحدة من أضعف فترات التعافي بين الاقتصادات المتقدمة وأفادت التقارير أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2024 كان تقريبًا عند مستواه في عام 2019. ركد الاقتصاد خلال النصف الأول من عام 2025، وفق الأرقام الرسمية، ويتجه إلى ركود عام في نهاية 2025. في عام 2024، انخفضت الصادرات بنسبة 2.1%، مما يعكس استمرار فقدان حصص سوق التصدير، ولا سيما مقابل الصين. استمرت مستويات عدم اليقين العالية وظروف التمويل الضيقة نسبيًّا في تثبيط الاستثمار في عام 2024 وأوائل عام 2025.
في عامي 2025 و2026، من المتوقع أن تستمر الرسوم الجمركية وارتفاع حالة عدم اليقين العالمي في التأثير سلبًا على الاستثمار والصادرات. ومع انكماش الإنتاج، انخفض الطلب على العمالة. ومن المتوقع أن يرتفع معدل البطالة إلى 3.6% في نهاية عام 2025.
كذا الحال في فرنسا، حيث من المتوقع أن يتباطأ النشاط الاقتصادي إلى 0.7% في عام 2025 من 1.4% في العام 2024، نظرًا إلى تأثير حالة عدم اليقين الاقتصادي والسياسي على الطلب المحلي. ومن المتوقع أن ينتعش النشاط قليلاً ليصل إلى 1.1% في عام 2027. كما يُتوقع أن يرتفع التضخم تدريجيًّا من 1% في عام 2025 إلى 1.3% في عام 2026 و1.8% في عام 2027.
وتشير أرقام المفوضية الأوروبية إلى ترجيح ارتفاع الدين العام إلى 120% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، من 113.2% في عام 2024، نتيجة العجز الأولي الكبير والذي وصل إلى 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي.
أما في ثالث أكبر اقتصاد في أوروبا، أي إيطاليا، فقد سجلت نتائج سلبية طفيفة في نمو الربع الثاني من عام 2025، بحسب بيانات المفوضية الأوروبية، واستقر نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث. ومع توقع زيادة إيجابية طفيفة في الجزء الأخير من العام، يُتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4% فقط في عام 2025. ومن المتوقع أن يستمر الاستهلاك الخاص في التوسع بوتيرة معتدلة، حيث يدفع استمرار حالة عدم اليقين الأسر إلى زيادة مدخراتها.
وتشير البيانات الرسمية إلى استمرار إنتاجية العمل في الانخفاض هذا العام، حيث من المتوقع أن يرتفع التوظيف بنسبة 1% فقط بعد أن شهد نموًّا تراكميًّا بنسبة 3.5% في الفترة 2023-2024، وسط ترجيحات بأن تصل نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 137.2% بحلول نهاية عام 2027.
وإضافة إلى أزمات الدول الثلاث الكبرى هذه، تواجه الدول الأوروبية المحيطة بروسيا مشكلات اقتصادية عميقة. فبعد ركوده في عام 2024، يشهد اقتصاد إستونيا انتعاشًا حذرًا، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 0.6% فقط لعام 2025. ومن المتوقع أن يتعافى الاقتصاد في لاتفيا من الركود الذي شهده عام 2024. إلا أن النمو لن يتعدى 1% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025. ويظل التضخم مرتفعًا عند 3.6% في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع عجز الموازنة العامة للحكومة إلى 3.1% هذا العام.
الحال ذاته في ليتوانيا، حيث ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 2.7% في عام 2025، و3% في عام 2026، ثم يتراجع إلى 2.1% في عام 2027. ومن المتوقع أن يرتفع التضخم إلى 3.4% في عام 2025 مدفوعًا بارتفاع أسعار الخدمات والمواد الغذائية، فيما يصل عجز الحكومة إلى 2.2%.