سيناريوهات مواجهة العجز في موازنة السعودية

12 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:42 (توقيت القدس)
ناطحات سحاب في الرياض، 9 نوفمبر 2025 (فايز نور الدين/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه السعودية تحدياً مالياً مع توقع عجز في موازنة 2026 بقيمة 165 مليار ريال، مع الاعتماد على الاقتراض الداخلي والخارجي لتغطية العجز، وارتفاع الدين العام إلى 1.62 تريليون ريال.

- تسعى الحكومة إلى تنمية الإيرادات غير النفطية، مع التركيز على ضريبة القيمة المضافة والرسوم الانتقائية، ويوصي صندوق النقد الدولي بتوسيع قاعدة الضرائب لتشمل التجارة الإلكترونية وفرض ضرائب جديدة.

- يشير الخبراء إلى ضرورة اتخاذ إجراءات تصحيحية عاجلة، مثل مراجعة أولويات الإنفاق وتوجيه الموارد نحو مشاريع استثمارية، وتعزيز إدارة الإنفاق العام لتحقيق الاستدامة المالية.

تواجه السعودية تحدياً مالياً مع إقرار موازنة العام المالي 2026 التي تتوقع عجزاً بقيمة 165 مليار ريال (44 مليار دولار)، وذلك في ظل استمرار ضغوط أسعار النفط المنخفضة التي تحوم حول مستويات الستين دولاراً للبرميل، بينما تحتاج المملكة إلى أسعار تتراوح بين 90 و96 دولاراً لتحقيق التوازن المالي، مما سلط الضوء على الخيارات المتاحة لسد هذا العجز وتفضيل حكومة المملكة لأي منها.
ويرتبط هذا الترجيح بانحياز سياسي عبر عنه وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، بقوله إن العجز يمثل "خياراً سياسياً مدروساً" وليس إشكالية طارئة، مؤكداً أن الحكومة ستستمر في الإنفاق التوسعي طالما أن العوائد على الاستثمارات تتجاوز تكلفة الاقتراض، حسب وكالة رويترز.

وبدا من تصريحات الجدعان أن الاقتراض الداخلي والخارجي سيكون الأداة الرئيسية لتغطية العجز في الموازنة السعودية، إذ يتوقع ارتفاع إجمالي الدين العام من نحو 1.2 تريليون ريال في عام 2024، إلى 1.46 تريليون ريال بنهاية عام 2025، ثم إلى 1.62 تريليون ريال (32.7% من الناتج المحلي) بنهاية 2026، حسبما أورد تقرير نشرته منصة "سيمافور"، المتخصصة في التحليلات الاقتصادية.
وتحتفظ المملكة بمساحة واسعة للاقتراض، حسب التقرير ذاته، والذي عزا ذلك إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي من بين الأدنى عالمياً في الاقتصادات الكبرى، كما رفعت وكالة موديز تصنيفها الائتماني إلى Aa3 مع نظرة مستقبلية مستقرة، ما يسهل الحصول على تمويل بتكاليف معقولة.

اقتصاد عربي
التحديثات الحية

وتراهن الحكومة السعودية بشكل متصاعد على تنمية الإيرادات غير النفطية التي باتت تشكل نحو 45-50% من إجمالي الإيرادات الحكومية (هدف طموح)، مقارنةً بأقل من 40% قبل عام واحد فقط، حسب بيانات رسمية، أوردت أن ضريبة القيمة المضافة والرسوم الانتقائية تتصدر مصادر هذه الإيرادات، إذ بلغت نحو 25 مليار ريال (بدلاً من 75 ملياراً) في الربع الثاني من 2025 وحده.
ويوصي صندوق النقد الدولي بتوسيع قاعدة ضريبة القيمة المضافة لتشمل التجارة الإلكترونية، وفرض ضرائب جديدة على الأراضي الفضاء والعقارات غير المطورة، مع الإلغاء التدريجي لدعم الطاقة، بحسب البيان الختامي لبعثة الصندوق.
واتخذت الحكومة السعودية خطوات ملموسة لضبط الإنفاق، إذ يُتوقع أن تنخفض النفقات الرأسمالية بنحو 6% في 2026 بعد خفضها 10% في 2025.
لكن تحليلاً لمؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" يلفت إلى أن موازنة 2026 مبنية على افتراض أن سعر نفط يبلغ 68 دولاراً للبرميل (السعر التقديري المعتمد لا سعر التعادل)، محذراً من أن العجز قد يتسع بشكل ملحوظ إذا انخفضت الأسعار نحو 50 دولاراً كما يتوقع خبراء المؤسسة ذاتها.

إجراءات تصحيحية عاجلة

يؤكد الخبير في الشؤون المالية، عادل ثمين، لـ "العربي الجديد"، أن معالجة الاختلال في الموازنة السعودية تتطلب إجراءات تصحيحية عاجلة، خاصة في ظل التوقعات بتراجع أسعار النفط، الذي لا يزال يشكل المصدر الرئيسي للإيرادات الوطنية، مؤكداً أن الخيار الأول يجب أن يتمحور حول مراجعة أولويات الإنفاق، لا حول الاقتراض أو فرض أعباء إضافية على المواطنين والمقيمين.

ويضيف ثمين أن المشاريع العملاقة، مثل "نيوم" أو أطول ناطحة سحاب في العالم، رغم أهميتها الرمزية في إبراز التحول التنموي الذي تشهده المملكة، إلا أنها تستهلك مبالغ طائلة قد تكون البلاد في حاجة إليها في هذه المرحلة، ويقترح أن تُوجه هذه الموارد بدلاً من ذلك نحو مشاريع استثمارية ذات عوائد مالية مباشرة، تسهم في توليد إيرادات مستدامة بدلاً من تحمّل تكاليف تشغيلية هائلة دون مردود اقتصادي سريع.

ويحذر ثمين من اللجوء إلى الاقتراض الداخلي أو الخارجي، مشيراً إلى أن ذلك قد يخل بالصورة الذهنية التي بنتها المملكة على مدى عقود أنها دولة مانحة لا مستفيدة، في المشهد المالي الدولي. ورغم أن المملكة لا تعاني من مشكلة تمويلية حقيقية بفضل احتياطياتها الضخمة، فإن ثمين يرى أن اللجوء إلى الدين قد يُفهم خطأ على أنه ضعف مالي، ويؤثر سلباً على ثقة المستثمرين وسمعة المملكة لكونها مركزاً مالياً رائداً.

وفي ما يخص الحلول البديلة، يرفض ثمين رفع الرسوم أو الأعباء المالية على المواطنين والمقيمين، معتبراً أن ذلك يزيد من أخطار التهرب الضريبي، ويدفع قطاعات واسعة، خاصة المقيمين، إلى مغادرة البلاد، ما يؤثر على قطاعات اقتصادية تعتمد على العمالة غير السعودية. كما يلفت إلى أن المواطن السعودي قد يلجأ بدوره إلى الاقتراض الاستهلاكي، ما يضخم المديونية الأسرية ويهدد الاستقرار الاجتماعي.

وبدلاً من ذلك، يقترح ثمين إعادة النظر في بنود الإنفاق الخارجي، خصوصاً في ظل السمعة التاريخية للمملكة بوصفها "دولة عطاء" دعمت الدول العربية في الأزمات، ويطرح تساؤلاً: ألم يحن الوقت لتقييم أولويات هذا العطاء في مرحلة تتطلب ترشيد النفقات؟ ملمحاً إلى أن بعض المنح المالية الكبيرة، مثل تلك التي قُدمت في سياقات سياسية تتعلق بزيارات رسمية إلى الولايات المتحدة الأميركية، يمكن أن يعاد توجيهها داخلياً لدعم الاقتصاد الوطني. ويردف ثمين بأن الجهود الجارية لمحاربة الفساد وتعزيز الشفافية في السعودية حجر الأساس لأي إصلاح مالي حقيقي، مؤكداً أن التوازن بين التنمية والانفتاح من جهة، والحكمة المالية وحسن إدارة الملفات الاقتصادية من جهة أخرى، هو المفتاح لتجاوز التحديات الراهنة دون المساس بالأهداف الطموحة لرؤية 2030.

تقلبات أسعار النفط

في السياق، يشير رئيس الجمعية الدولية لأبحاث السياسات الاقتصادية، رجب يورولماز، لـ "العربي الجديد"، إلى أن فهم الوضع المالي الحالي للسعودية يكون أدقّ حين يُنظر إليه في سياق تاريخ طويل من تقلبات أسواق النفط، لا بوصفه حدثاً منفصلاً أو نقطة تحول فريدة، موضحاً أن انهيار أسعار النفط في 2020، الذي تلا "حرب أسواق" قصيرة بين روسيا والمملكة في مطلع جائحة كورونا، كان مثالاً بارزاً على هذه الهشاشة الهيكلية. ففي ذلك الوقت، قُدر أن السعودية تحتاج إلى سعر يتراوح بين 80 و85 دولاراً للبرميل لتحقيق التعادل المالي، بينما تمكنت روسيا من التعادل عند 42–45 دولاراً فقط، ونتج من ذلك عجز مالي ضخم خلال 2019–2020.

ويلفت يورولماز إلى أن هذه الجذور الهيكلية لم تختفِ بحلول منتصف العقد الحالي، بل تمت إدارتها جزئياً وتحويلها إلى أشكال جديدة، فميزانية 2026 التي وافقت عليها السلطات السعودية تتوقع عجزاً بقيمة 165 مليار ريال (نحو 44 مليار دولار)، أي ما يعادل 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وتصفه الحكومة صراحة بأنه "عجز استراتيجي" مرتبط بتمويل مشاريع رؤية 2030. أما عجز 2025، فينوه يورولماز إلى أنه أعلى، عند 245 مليار ريال (5.3% من الناتج المحلي الإجمالي)، نتيجة لتباطؤ أسعار النفط وخفض إنتاج أوبك+، ووفقاً لصندوق النقد الدولي يظل سعر التعادل المالي للمملكة مرتفعاً (بين 95 و100 دولار للبرميل في 2023–2024، وفوق 90 دولاراً في 2025)، ما يعني أن العجز ليس مفاجئاً، بل خيار سياسي واع.
ويؤكد يورولماز أن السؤال الجوهري لم يعد ما إذا كان العجز سيستمر، بل كيف سيتم سده، ومن سيتحمل تكلفته؟ غير أن الركيزة الأولى لحل أكثر استدامة تكمن، حسبما يرى يورولماز، في تعزيز إدارة الإنفاق العام، فبدلاً من اللجوء إلى تخفيضات عشوائية عند انخفاض الإيرادات النفطية، تحتاج السعودية إلى نظام مؤسسي يقيّم الأولويات قبل دخولها الميزانية، مشيراً إلى أن التجربة الدولية توصي بعناصر عملية، تتمثل في سقوف إنفاق متعددة السنوات، وتحليل تكاليف-فوائد موحد للمشاريع الكبرى، ومراجعة فنية ومالية مستقلة، وتقييمات لاحقة منتظمة.

أما الركيزة الثانية، فتتمحور حول الإيرادات، وهنا يلفت يورولماز إلى أن المملكة حققت خلال العقد الماضي تقدماً ملحوظاً في بناء إيرادات غير نفطية، خصوصاً عبر الضرائب غير المباشرة، مثل رفع ضريبة القيمة المضافة من 5% إلى 15%، وإدخال ضرائب انتقائية ورسوم إدارية.

ومع أن هذه الأدوات فعالة من ناحية التحصيل، فإنها تتسم بالتراجعية، إذ يتحمل أصحاب الدخل المحدود عبئاً نسبياً أكبر بسبب ارتفاع حصة الإنفاق الاستهلاكي من دخلهم، ولذا يقترح يورولماز تحولاً تدريجياً نحو نظام ضريبي أكثر توازناً وعدالة.
وعند تصميمها بعناية، يمكن لهذه الضرائب المباشرة أن تجمع بين هدفي الإيراد والتوزيع العادل، بحيث يسهم القادرون مالياً بنسبة أكبر، حسبما يرى يورولماز، معتبراً أن هذا التحول يعزز أيضاً فاعلية السياسة المالية بما هي مثبت اقتصادي، فعندما تعتمد الإيرادات على الضرائب المباشرة ترتفع تلقائياً في فترات الازدهار وتنخفض في فترات الركود، ما يساعد في تلطيف تقلبات الدورة الاقتصادية.

ويخلص يورولماز إلى إمكانية تمويل العجز المعتدل والمبرمج بالاقتراض، طالما كان ذلك مرتبطاً بإطار متوسط الأجل موثوق، وفي هذا الهامش تستطيع السعودية تحسين إدارة الإنفاق لفلترة المشاريع غير الفعالة وإعادة توجيه الإنفاق نحو أولويات اقتصادية واجتماعية ذات عائد عال.

المساهمون