سويسرا تجذب أثرياء آسيا مع تصاعد المخاطر وتبدل الضرائب بسرعة
استمع إلى الملخص
- سويسرا تستحوذ على نسبة كبيرة من الثروات العابرة للحدود، مع توقعات بزيادة حصتها، بينما تتوسع الثروات في آسيا بسرعة، مما يدفع المليونيرات الجدد لتنويع أصولهم جغرافياً.
- التوترات الجيوسياسية، مثل قانون الأمن القومي في هونغ كونغ والحرب الروسية الأوكرانية، تدفع الأثرياء الآسيويين لإعادة النظر في توزيع أصولهم، مع بقاء سويسرا وجهة مفضلة رغم التحديات.
كلما ازدادت مفاجآت السياسة وتقلّبت الضرائب وتقدّمت المخاطر الجيوسياسية خطوة، عاد سؤال قديم إلى طاولة الأثرياء في آسيا: أين نضع الأصول حين نريد مكاناً يحميها قبل أن يربحها؟ في هذا السياق أفادت صحيفة "فاينانشال تايمز" بأن بنوكاً سويسرية خاصة بدأت تلاحظ تزايد طلبات مكاتب إدارة الثروات العائلية الآسيوية والأفراد فاحشي الثراء على حفظ أصولهم داخل سويسرا أو في أوروبا عبر القنوات السويسرية، وهو طلب لم يعد يقتصر على إدارة المحافظ، بل يمتد إلى فكرة الملاذ القانوني والمالي.
وبحسب ما نقلته الصحيفة عن مصرفيين، فإن جزءاً من هذا الإقبال يرتبط بالرغبة في علاقة مباشرة مع النظام المصرفي السويسري، وبفكرة الاحتفاظ بأصول يمكن لمسها عند الحاجة مثل الذهب المادي المخزّن في خزائن. وأشاروا إلى أن بعض العملاء يريدون أن تكون استثماراتهم محفوظة بشكل قانوني في سويسرا، حتى لو كانت إقامتهم وأعمالهم في أماكن أخرى.
الأرقام لا السمعة فقط
وتفسر الأرقام لماذا لا تزال سويسرا نقطة جذب حين يتحول الحديث إلى الثروات العابرة للحدود، فوفق مجموعة بوسطن الاستشارية، بلغ حجم الثروة العابرة للحدود عالمياً نحو 14.4 تريليون دولار في 2024، بينما ظلّت سويسرا أكبر مركز عالمي لحجز هذه الثروات مع تقدير يقارب 2.7 تريليون دولار في 2024. وأشارت المجموعة إلى أن سويسرا قد تستحوذ على نحو 15 إلى 20% من تدفقات الثروة الجديدة العابرة للحدود في السنوات المقبلة إذا حافظت على مزاياها التنافسية.
وهنا يظهر سبب آخر وراء حساسية الأثرياء الآسيويين تجاه فكرة توزيع الأصول على أكثر من ولاية قضائية، فالثروة في آسيا تتوسع بسرعة وتولد معها طبقات جديدة من المليونيرات. فوفقاً للمجموعة الفرنسية للتحول الرقمي والاستشارات "كابجيميني" (Capgemini) ارتفع عدد الأثرياء عالمياً في 2024، وشهدت منطقة آسيا والمحيط الهادئ زيادة في عدد أصحاب الثروات الكبيرة بنسبة 2.7%، بينما برزت الهند واليابان نقطتَي نمو داخل المنطقة، في وقت سجّل فيه عدد الأثرياء في الصين تراجعاً طفيفاً.
ويضيف بنك "يو بي إس" السويسري صورة أكثر تفصيلاً حول اتساع قاعدة الأثرياء في آسيا، إذ يورد تقريره للثروة العالمي الصادر في يونيو/ حزيران 2025 أرقاماً كبيرة لعدد المليونيرات في اقتصادات آسيوية مثل اليابان وتايوان، وهو ما يعني أن إدارة المخاطر لم تعد تخص دائرة ضيقة، بل أصبحت قراراً متكرراً لدى شريحة تتسع سنوياً.
سبب توزيع الأصول خارج آسيا
ونقلت "فاينانشال تايمز" أن تزايد الميل نحو توزيع الأصول خارج آسيا ليس دافعه مالياً فقط، بل هو أيضاً سياسي وقانوني. فبعد سنوات كانت فيها هونغ كونغ وسنغافورة الخيار الطبيعي لقربهما من الثروة الآسيوية وسهولة الوصول، بدأ بعض الأثرياء ينظرون إلى خريطة المخاطر بشكل مختلف. ويأتي في مقدمة تلك الصدمات ما حدث في هونغ كونغ مع دخول قانون الأمن القومي حيّز التنفيذ في 30 يونيو/حزيران 2020، وهو حدث يُستحضر كثيراً عند الحديث عن مزاج رجال المال تجاه قابلية القواعد للتبدّل بسرعة.
ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتوسّع مفهوم المخاطر من السياسة المحلية إلى الجغرافيا العالمية، إذ يضع كثير من المستثمرين في حسابهم مخاطر العقوبات وتجميد الأصول وقواعد الامتثال التي قد تتغير بين ليلة وضحاها، وهي مخاوف اتسعت منذ بدء الحرب في 24 فبراير/ شباط 2022.
وفي أوروبا نفسها تبدّلت بعض عناصر الجذب التقليدية، فالتعديلات التي أدخلتها بريطانيا على نظام غير المقيمين ضريبياً قللت من جاذبيتها لبعض الأثرياء الذين اعتادوا ربط جزء من محافظهم بالعقار أو بالإقامة الضريبية هناك، وهي نقطة قال مسؤول تنفيذي سويسري لفاينانشال تايمز إنها جعلت سويسرا من المستفيدين.
الذهب في القصة
وقال المصرفيون لفاينانشال تايمز إن "بعض العملاء يسألون عن الذهب المادي وخزائن التخزين، من باب أن ذلك يرتبط أيضاً بخصوصية سويسرا في سوق الذهب العالمي". فوفق تقرير يستند إلى بيانات أوردتها الأمانة العامة للشؤون الاقتصادية السويسرية، فإن برن تكرر نحو 1600 طن من الذهب سنوياً، وهو ما يعادل قرابة 34% من التكرير العالمي وفق المصدر نفسه، ما يعزز فكرة البنية التحتية المتخصصة التي تجعل التخزين المادي خياراً عملياً، لا مجرد فكرة رومانسية عن سبائك في خزنة.
سباق المراكز المالية والضغوط على سويسرا
ورغم هذا الزخم، فإن صورة سويسرا ليست معزولة عن المنافسة أو عن آثار الهزات داخل قطاعها المصرفي. فقد أظهرت دراسة أوردتها "ديلويت" أن حجم الأصول الأجنبية المُدارة في سويسرا تراجع بين 2020 و2023، وهو ما عُزي جزئياً إلى صدمة انهيار بنك "كريدي سويس" وما تبعها من إعادة ترتيب للقطاع، مع بقاء سويسرا متقدمة بكونها مركزاً عالمياً للخدمات المصرفية الخاصة، رغم تقلص الحصة.
وفي الوقت نفسه تتحرك الجهات الرقابية لتعزيز متانة النظام بعد تجربة "كريدي سويس"، إذ تحدثت هيئة الرقابة عن اتجاهات لتقوية الإطار الاحترازي ورفع متطلبات الرسملة والجاهزية، وهي سياقات قد تُقرأ لدى بعض العملاء على أنها تشدد مفيد للاستقرار، وقد تُقرأ لدى آخرين على أنها تكلفة أعلى للخدمة، بحسب طريقة تطبيقها.
والصورة التي ترسمها هذه المؤشرات تقول إن جزءاً من الأثرياء الآسيويين لم يعد يكتفي بمركز واحد داخل المنطقة، بل يضيف مركزاً أوروبياً يراه أكثر صلابة قانونياً وأقل عرضة للمفاجآت السياسية، بينما تظل سويسرا قادرة على استثمار سمعتها وبنيتها التحتية المالية والقدرة على توفير حلول تمتد من المحافظ إلى الحفظ المادي للأصول. غير أن استمرار هذا التدفق سيبقى مرتبطاً بثلاثة عوامل واضحة، وهي مسار التوترات الجيوسياسية، وسباق المراكز المنافسة في آسيا والشرق الأوسط، ثم طريقة موازنة سويسرا بين الجذب والرقابة بعد مرحلة ما بعد كريدي سويس.