استمع إلى الملخص
- الحكومة دعمت المواطنين لسد الفجوة التجارية عبر تدريب الكوادر ودمجها في السوق، مما وفر فرص عمل جديدة للشباب والنساء وساهم في تحسين مستوى المعيشة.
- رغم التحديات، يظل سوق كونجو-كونجو ركيزة أساسية للاقتصاد، حيث يعزز من دوران رأس المال المحلي واستقرار الأسعار وتوفير السلع الأساسية.
بعد استقلال دولة جنوب السودان عن السودان في يوليو/تموز 2011، شهدت الأسواق المحلية تحولات جذرية تمثلت في انسحاب أعداد كبيرة من التجار الأجانب، معظمهم من السودانيين الشماليين الذين سيطروا لعقود على حركة البيع والشراء وتوفير السلع الأساسية، هذا الفراغ الكبير دفع المواطنين الجنوبيين إلى دخول النشاط التجاري على نطاق أوسع، في تجربة جديدة أعادت تشكيل المشهد الاقتصادي في الدولة الوليدة. وكان سوق كونجو- كونجو في قلب العاصمة جوبا أولى بوابات هذا التحول، إذ يمتد السوق عبر مربعات متشابكة تعج بالحركة، ويضم ما يقارب 550 متجرا ومئات الأكشاك التي تعرض سلعا متنوعة، من الخضروات واللحوم الطازجة إلى الملابس والأقمشة والأدوات المنزلية والإلكترونيات، إضافة إلى ورش الخياطة والتفصيل والصناعات المحلية.
في هذا الصدد، يقول مناسا دينق، مدير قسم تطوير الاستثمار في وزارة الاستثمار، لـ"العربي الجديد": "بدأنا من سوق كونجو- كونجو نظرا لأهميته الاقتصادية، فهو يزوّد سكان جوبا والولايات الشمالية بالسلع الأساسية، ويعد محرّكا رئيسيا لسلسلة الإمداد الوطنية، وقد وضعت الحكومة منذ الاستقلال سياسات لتمكين المواطنين من سد الفجوة التي خلفها خروج التجار الأجانب، من خلال تدريب الكوادر ودمجها في السوق المحلي".
من جهته، يرى لاكو بيتر، مسؤول قطاع السوق في مجلس بلدية جوبا، أن المكان لم يعد مجرد فضاء تجاري، بل أصبح مؤسسة اقتصادية مجتمعية تعتمد عليها آلاف الأسر. ويضيف بالقول لـ"العربي الجديد": "انتقلت ملكية السوق إلى المواطنين الجنوبيين بعد مغادرة التجار الأجانب، ما أتاح لهم فرصة نادرة للانخراط في التجارة. هذا التحول غيّر أنماط الحياة، إذ باتت التجارة مصدر دخل أساسياً للشباب والنساء، ووفرت قاعدة لتأمين الغذاء والسلع الأساسية لسكان العاصمة وبقية الولايات".
قصص عديدة تعكس هذا التحول، فبيتر أيوين، الموظف السابق بوزارة التعليم العالي، قرر شراء محل بعدما غادره أصدقاؤه السودانيون، قبل أن يترك وظيفته ويتفرغ للتجارة التي سرعان ما تحولت إلى مصدر دخل أكبر وأكثر استقرارا، واليوم يدير أحد أكبر محلات بيع الملابس المستوردة في السوق. ويقول أيوين لـ"العربي الجديد": "كنت مترددا في البداية في دخول التجارة، لكن الأصدقاء السودانيين شجعوني وعرضوا عليّ شراء محلهم بعد مغادرتهم السوق، ورغم أن المبلغ كان ضخما، قررت خوض التجربة".
أما سبيلة أندريا، فقد اضطرت إلى تجميد دراستها بعد الاستقلال والانخراط في العمل التجاري لإعالة أسرتها، بدأت مساعدة في محل مملوك لمواطنة أوغندية، ثم استطاعت فتح متجرها الخاص. وتقول لـ"العربي الجديد": "أعطاني السوق فرصة للاستقلال المالي وتعلمت مهارات البيع والإدارة. تمكنت من تحسين وضع أسرتي وأصبحت أستورد الخضروات من أوغندا، الآن أفكر في إنشاء مزرعة عائلية في مدينة تركيكا لتزويد جوبا بالخضروات وتقليل الاعتماد على الواردات".
ورغم الحضور المتزايد للتجار الصغار والمتوسطين، فإن كبار رجال الأعمال يسيطرون على نحو 85% من حركة السوق، بفضل حصولهم على سندات من وزارة التجارة تتيح لهم الحصول على العملات الصعبة عبر البنك المركزي، ما مكنهم من استيراد كميات ضخمة من السلع، ومن أبرز هؤلاء أمين عكاشة، ولادو لوكاك، وايي دوانق، كور أجينق، وكير أبوك، الذين يلعبون دورا محوريا في تزويد تجار الجملة وضمان استقرار الأسعار وتوفر السلع الأساسية في العاصمة وبقية الولايات.
ويرى محللون اقتصاديون أن دخول المواطنين سوق كونجو-كونجو لم يكن مجرد تحرك تجاري، بل خطوة ذات أبعاد اجتماعية وسياسية لتعزيز السيادة الوطنية وإعادة تشكيل هوية الاقتصاد، غير أن هذه التجربة لم تخلُ من التحديات، مثل ضعف رأس المال والخبرة التجارية، إلى جانب هشاشة البنية التحتية وشبكات التوريد. ويقول جون مابور دوت، الباحث والمحلل الاقتصادي، لـ"العربي الجديد": "رغم الجهود الحكومية لتمكين المواطنين بعد الاستقلال، فإن تحديات مثل محدودية التمويل وضعف الخبرة وصعوبة الحصول على القروض لا تزال قائمة، وهو ما يتطلب دعما مستمرا وإشرافا فعالا من الدولة والقطاع الخاص لضمان استمرارية التجار المحليين وعدم خروجهم من السوق".
ورغم كل تلك العقبات، يظل سوق كونجو-كونجو إحدى أبرز ركائز الاقتصاد في جنوب السودان، ليس فقط لأنه يوفر السلع الأساسية، بل لأنه أسهم في خلق طبقة تجارية جديدة من المواطنين، ومنح الشباب والنساء فرصة لاكتساب خبرات ريادة الأعمال والإدارة، وبهذا فهو لم يعد مجرد سوق تقليدي بل فضاء استراتيجيا يعكس قدرة الجنوبيين على مواجهة التحديات وبناء اقتصاد وطني أكثر استقلالية واستدامة. وتبرز أهمية السوق من كونه المركز الرئيسي لاستيراد البضائع من كينيا وأوغندا عبر الطرق البرية المعبدة التي تربط البلدين بجنوب السودان، في ظل غياب الموانئ البحرية. ويمثل بذلك شريانا للإمداد، إذ يضمن تدفق المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية والمعدات المنزلية بشكل منتظم إلى العاصمة والولايات المجاورة.
ولا يقتصر دور السوق على كونه منفذا تجاريا، بل تحول إلى نقطة التقاء حيوية بين التجار المحليين والموردين من داخل البلاد وخارجها، وهو ما يعكس اعتماد الاقتصاد الوطني على شبكات التجارة الإقليمية، ويعزز من دوران رأس المال المحلي وتنشيط الاستهلاك، إلى جانب توفير فرص عمل غير رسمية لآلاف الأسر، خاصة الشباب والنساء. كما يلعب دورا مباشرا في ضبط الأسعار وتوفير السلع في الأسواق الثانوية، ما يساهم في استقرار العرض داخل جوبا.