استمع إلى الملخص
- الشركات التي كانت تعاني من نقص العمالة سابقًا تشهد زيادة في عدد المتقدمين، مما يمنحها اليد العليا في التوظيف ويعيد ميزان القوى لصالح أصحاب العمل.
- بالرغم من "الانتعاش" الظاهري، يعكس الوضع اقتصادًا هشًا وطبقة عاملة مضطرة للتكيف، مما يثير تساؤلات حول استدامة هذا النمط الاقتصادي.
سوق العمل يمتلئ بالوظائف التي لا يرغب بها الناس عادة، لم يعد الباحثون عن العمل قادرين على الانتقاء في سوق العمل الأميركي المتباطئ، حتى عندما تكون الوظيفة تنظيم حركة المرور لمدة 12 ساعة تحت الشمس. قبل عامين، كان الرئيس التنفيذي لشركة AQC Traffic Control يتلقى نحو 10 طلبات توظيف أسبوعيًّا للعمل لساعات طويلة في توجيه السائقين قرب مواقع البناء، وسط حر الصيف وبرودة الشتاء. اليوم، يقول ماركوس راش إنه يرى ما يصل إلى 80 طلبًا، وفق "بلومبيرغ".
ومن معلمي الاحتياط إلى حراس السجون، تشير وكالات التوظيف وأرباب العمل إلى تزايد عدد المتقدمين لوظائف غالبًا ما كانت تُرفض بسبب تدني الأجور أو ساعات العمل غير المنتظمة أو الظروف الصعبة، حتى العمل المتسخ في منشآت فرز المواد القابلة لإعادة التدوير، حيث لا يزال الفرز اليدوي قائمًا، يشهد إقبالًا متزايدًا.
ومع انخفاض عدد الشركات التي توظف، قال نحو نصف العاملين الأميركيين في استطلاع أجرته هاريس لصالح "بلومبيرغ" إنهم سيحتاجون إلى أربعة أشهر أو أكثر للعثور على وظيفة مماثلة إذا فقدوا وظائفهم اليوم. يمنح هذا الوضع أصحاب العمل اليد العليا، خصوصًا أولئك الذين عانوا طويلاً من نقص العمال وارتفاع الأجور بنسبة 27% منذ بداية الجائحة. وفي السياق، يقول ريك هيرمانز، الرئيس التنفيذي لشركة (Hire Quest Inc) المتخصصة بتوظيف عمال لمراكز إعادة التدوير وغيرها إنه "في عام 2022، كان من شبه المستحيل العثور على عمال. أما اليوم، فالأمر مختلف تماماً".
وبعد فترة الاستقالة الكبرى خلال حقبة كورونا، دخلت الولايات المتحدة في اقتصاد توظيف قليل، تسريح قليل، لكن موجة التسريحات الأخيرة تشير إلى أن الشركات لم تعد تتردد في إنهاء خدمات الموظفين. وبالرغم من أن معدل البطالة العام بقي منخفضًا نسبيًّا عند 4.3% في أغسطس/آب، وهو أحدث رقم متاح، فإن العاطلين عن العمل يبقون دون وظيفة لفترات أطول؛ إذ كان نحو 26% منهم بلا عمل لأكثر من نصف عام، وهي من أعلى النسب في عقد، بحسب مكتب إحصاءات العمل.
بطالة طويلة الأمد
بدورها، تقول الإعلامية، دانيل نورود، إنها خسرت وظيفتها مقدمة برامج إذاعية في توبيكا بولاية كانساس في الخريف الماضي. وبعد فترة قصيرة كسائقة أوبر ومحاولات توظيف كثيرة بلا نتيجة، وهي تسعى حاليًّا للحصول على شهادة معلمة بديلة. وبالرغم من سماعها قصصًا عن معلمين تعرضوا للإيذاء، فإنها ترى أن الأجر -بين 140 و200 دولار يوميًّا- مناسب، وهي متحمسة لإحداث فرق. وصرحت نورود: الأطفال ليست لديهم حدود، لكنني أعتقد أنني قادرة على التعامل مع ذلك. ومن ناحية مالية، لا أرى بديلاً آخر"، بحسب ما ذكرت وكالة بلومبيرغ.
من جانب ثانٍ، تشير الشركات التي تساعد المدارس في توظيف المعلمين البدلاء إلى زيادة ملحوظة في عدد المتقدمين لكل وظيفة. فبعد الانخفاض الحاد في عدد المعلمين البدلاء خلال الجائحة، عاد العدد إلى مستويات ما قبل كوفيد، بحسب منشور عام 2024 لشركة (Edu staff) ومع ذلك، لا يزال النقص قائمًا بسبب عزوف كثير من المعلمين عن قبول ساعات قليلة وأجور منخفضة، حيث يبلغ متوسط أجر المعلمين البدلاء نحو 18.50 دولارًا في الساعة وفق بيانات BLS.
أما اليوم، فتقول شركة (Morgan Hunter) في كانساس سيتي -التي لديها وحدة متخصصة للمعلمين البدلاء- إنها تشهد "أفضل عام توظيف منذ كوفيد"، وفق المديرة أنجيلا هانت، التي أشارت إلى أن ضعف الاقتصاد أحد أسباب هذا التغيير. كما تسجل شركة Kelly Services Inc -التي توفّر 6 ملايين مهمة تعليمية احتياطية سنويًّا- زيادة في الطلبات، مرجعة ذلك لرغبة بعض المهنيين في خوض تجربة التعليم بعد تركهم مجالات أخرى.
وظائف صعبة تشهد إقبالًا
تشير شركات لطالما عانت في التوظيف إلى تحسّن كبير. فشركة (Waste Management Inc) ذكرت في آخر مكالمة أن معدل دوران سائقي شاحنات القمامة والفنيين عند أدنى مستوى في تاريخ الشركة، وساعدت الأتمتة في ترك بعض الوظائف الشاغرة دون الحاجة لملئها. وفي منشآت فرز المواد القابلة لإعادة التدوير، ارتفع عدد طلبات العمل لكل وظيفة بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بما قبل عامين، وفق (Hire Quest)، ويعود ذلك إلى زيادة عدد الباحثين عن العمل وانخفاض عدد الوظائف المتاحة.
وفي قطاع السجون -المعروف بمعدل الدوران المرتفع- يقول قسم الإصلاحيات في ولاية جورجيا إنه تلقى أكثر من ألف طلب توظيف شهريًّا خلال الأشهر الثلاثة الماضية، بما في ذلك وظائف ضباط الإصلاحيات، بزيادة تتجاوز 40% عن العام الماضي. ويعزو المتحدث باسم الوكالة ذلك إلى تكثيف الإعلانات ومعارض التوظيف، حتى الجيش الأميركي -يصعب عادة استقطاب المجندين بسبب المخاطر والانفصال عن الأسرة- أصبح يحقق أهداف التجنيد، وفق بيث آشك من مؤسسة RAND، فبعد أن أخفق الجيش في بلوغ هدفه بنسبة 25% عام 2022، تقول فروع القوات المسلحة الآن إنها تحقق أهدافها مبكرًا.
إن الطفرة في الإقبال على الوظائف التي لطالما اعتُبرت غير جذابة تمثل مؤشرًا واضحًا على تغيرات عميقة في ديناميات سوق العمل الأميركي، فبدلاً من سباق الشركات على استقطاب العمال كما حدث خلال فترة ما بعد الجائحة، أصبح العامل اليوم هو الطرف الأضعف في معادلة العرض والطلب. هذا التحول يعكس حالة التباطؤ الاقتصادي التي بدأت تلقي بثقلها على القوة العاملة، حيث تراجع التوظيف في قطاعات واسعة، وازدادت فترات البحث عن العمل، وتراجعت قدرة العمال على التفاوض أو الانتقاء.
كما أن تحسن جاذبية مهن مثل جمع النفايات، والتعليم الاحتياطي، وحراسة السجون، يكشف عن مفارقة اقتصادية؛ إذ تزداد شعبية الوظائف الأقل استقرارًا والأدنى أجرًا في ظل أوضاع معيشية متدهورة وغياب البدائل. ويكشف هذا التوجه عن هشاشة شريحة واسعة من القوى العاملة التي وجدت نفسها مضطرة للقبول بوظائف لا تعكس بالضرورة مهاراتها أو تطلعاتها المهنية، لكنها تؤمّن مصدر دخل مؤقت في اقتصاد يزداد تقلبًا.
في المقابل، تستفيد الشركات من هذه البيئة عبر خفض تكاليف التوظيف وتخفيف الضغط لرفع الأجور أو توفير حوافز إضافية، وهو ما يعيد ميزان القوى لصالح أصحاب العمل، بعد سنوات شهد فيها العمال قوة تفاوضية غير مسبوقة. إلا أن هذا الواقع قد ينطوي على مخاطر بعيدة المدى، أبرزها استمرار فجوة الأجور، تراجع جودة الوظائف، وارتفاع معدلات الإرهاق والاستنزاف الوظيفي، ما يمكن أن يُنتج دورة جديدة من عدم الاستقرار في سوق العمل.
وعليه، يمكن القول إن ما يبدو اليوم "انتعاشًا" في التوظيف هو في جوهره انعكاس لاقتصاد يزداد هشاشة، ولطبقة عاملة تضطر للتكيف مع واقع جديد يفرض عليها القبول بفرص كانت تُعتبر خيارًا أخيرًا، في وقت لا تزال فيه مؤشرات التضخم، وضعف الادخار، وتباطؤ الإنتاجية تحكم مستقبلها المهني والمعيشي. وبقدر ما يستفيد أصحاب العمل من هذه المرحلة، فإن السؤال الأهم يبقى: هل يمكن لهذا النمط أن يشكل أساسًا لنمو اقتصادي مستدام، أم أنه مجرد استراحة مؤقتة تسبق موجة جديدة من الاضطرابات في سوق العمل الأميركي؟