سورية: مخالفات مالية بقيمة 730 ألف دولار في "دار البعث" في ظل النظام السابق
استمع إلى الملخص
- تعتبر "دار البعث" مؤسسة إعلامية قديمة، ومع الكشف عن الفساد، يطالب الشارع السوري بمحاسبة المسؤولين واستعادة الثقة العامة.
- يشير الخبير يوسف العلي إلى أن التحقيقات تعكس فساداً متجذراً، مؤكداً على ضرورة وضع معايير رقابية جديدة ونشر البيانات بشفافية لتحقيق العدالة.
كشفت تحقيقات حديثة أجراها الجهاز المركزي للرقابة المالية ونُشرت اليوم الأربعاء، عن وجود تجاوزات مالية واسعة في ما كانت تعرف بـ"دار البعث" للطباعة والنشر خلال السنوات الأخيرة من عهد النظام السابق، بلغت قيمتها نحو ثمانية مليارات و490 مليون ليرة سورية، أي ما يعادل 730 ألف دولار.
وأظهرت التحقيقات أن إدارة "دار البعث" أبرمت عقوداً مع متعهدين من القطاع الخاص لطباعة منشورات خارج مقر الدار، في مخالفة واضحة للتعليمات المنظمة للعمل، الأمر الذي ترتب عليه خسارة مالية قدرها سبعة مليارات ليرة سورية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2020 و2024. كما بينت التحقيقات قيام مسؤولين سابقين في الدار باقتطاع ضرائب ورسوم من العاملين والمتعاملين، ثم الاحتفاظ بها داخل الدار دون تحويلها إلى الدوائر المالية المختصة، وهو ما أدى إلى تراكم مبالغ وصلت إلى مليار و250 مليون ليرة سورية. إضافة إلى ذلك جرى توريد مادة غراء غير صالحة للاستخدام، بلغت قيمتها 240 مليون ليرة. كما امتدت المخالفات المُعلن عنها إلى شراء آلات مستعملة للطباعة لا تتمتع بأي جدوى تشغيلية بقيمة وصلت إلى 200 ألف دولار، بحسب ما خلص إليه التدقيق.
وتعد "دار البعث" واحدة من أقدم المؤسسات الإعلامية الحزبية التي أُنشئت في عهد النظام السابق، وكانت تتبع بشكل مباشر لحزب البعث الحاكم، وقد لعبت دوراً مركزياً في الطباعة والنشر وإصدار الصحف والمطبوعات الرسمية وشبه الرسمية، إضافة إلى إدارة مطابع ضخمة كانت تستخدم لأغراض حكومية وحزبية.
وبينما تواصل الجهات الرقابية الكشف عن تفاصيل ملف الفساد في "دار البعث" سابقاً، تتصاعد ردات الفعل في الشارع السوري، حيث ينظر كثير من الأهالي إلى هذه القضية بوصفها اختباراً حقيقياً لجدية المساءلة في المرحلة الجديدة. وفي هذا السياق، عبر سكان في العاصمة دمشق عن استيائهم وقلقهم من حجم البيانات والأرقام التي ظهرت إلى العلن، وقال رامي السيد إن "ما جرى الكشف عنه يعكس حجماً تراكمياً للخلل يعود لسنوات طويلة، وهذا ليس مفاجئاً لمن عاش تلك المرحلة، لكنه صادم بحجمه وتفاصيله".
ويضيف السيد، في حديث لـ"العربي الجديد": "الناس اليوم لا يريدون مجرد نشر أرقام. الناس يريدون أن يعرفوا ما الذي سيحدث لاحقاً، ومن الذي سيحاسب فعلياً". ويتابع معبراً عن مخاوفه من تكرار سيناريوهات سابقة دون إجراءات حقيقية، قائلاً: "لن تستعاد الثقة العامة ما لم نشاهد نتائج ملموسة على الأرض، وإجراءات واضحة تطمئن المواطن بأن الفساد لن يمر دون عقاب".
من جانبه، يرى الخبير الحقوقي يوسف العلي أن ما تكشفه التحقيقات اليوم لا يقتصر على مجرد مخالفات مالية في "دار البعث"، بل يعكس "عمق الفساد الذي كان متجذراً طوال سنوات حكم النظام السابق، والذي تراكم نتيجة غياب الرقابة الفعلية واحتكار السلطة داخل المؤسسات الإعلامية والإدارية"، ويشير إلى أن الأرقام الكبيرة التي ظهرت في هذا الملف، سواء المتعلقة بالعقود المخالفة أو الأموال التي لم تحول إلى الجهات المالية أو شراء المعدات بلا جدوى، "ليست حالة استثنائية، بل نموذجاً لطريقة الإدارة التي كانت سائدة آنذاك، والكشف الحالي يمثل خطوة أولى فقط، لكنه يفتح الباب أمام ضرورة مراجعة ملفات أخرى شهدت ممارسات مشابهة، وربما أكثر خطورة".
ويلفت العلي إلى أهمية التعامل مع هذا الملف باعتباره نقطة انطلاق لوضع معايير رقابية جديدة، معتبراً أن نشر البيانات أمام الرأي العام يجب أن يصبح ممارسة مستمرة، لأن "الشفافية هي الطريق الوحيد لترميم ثقة الناس بعد سنوات طويلة من التعتيم والتلاعب". ويتابع أن المرحلة المقبلة "تتطلب جرأة سياسية وإدارية في فتح الملفات الكبرى التي راكمت الفساد لسنوات"، معتبراً أن "معالجة هذه القضية بشكل جدي قد تكون بداية مسار حقيقي نحو العدالة والمحاسبة".