لا يُنظر إلى الخبز في سورية بوصفه مجرد مادة غذائية على موائد السوريين، فالقمح، الذي يُصنع منه، ارتبط على مدى قرون بمعاني الرزق والنعمة والأمان الاجتماعي. وفي مناطق واسعة من شرق المتوسط، ما زالت كسرة الخبز تحظى بمكانة رمزية تكاد تقترب من القداسة، إذ يحرص كثيرون، إذا سقطت على الأرض، على التقاطها ورفعها فوق الرأس قبل وضعها في مكان لائق، في تعبير عن احترام النعمة التي شكّلت تاريخياً أساس الغذاء اليومي.
والقمح في سورية يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي، وأسعار الخبز، وحياة ملايين الأسر، والدخل الزراعي، وحجم الاستيراد، والقطع الأجنبي، وحتى قدرة الدولة على تأمين إحدى أكثر السلع حساسية في حياة السوريين.
وفي موسم 2026، تبدو صورة القمح السوري مختلفة جذرياً عن العام السابق. فبعد موسم قاسٍ من الجفاف أدى إلى تراجع الإنتاج في 2025 إلى مستويات شديدة الانخفاض، عادت الأمطار والمساحات المزروعة وتحسنت عمليات الاستلام لتدفع الإنتاج إلى مستويات تقترب من الاحتياجات المحلية، بل تتجاوزها وفق أرقام رسمية متقدمة.
ويُعد الرقم الأكثر تحفظاً المتداول حالياً أكثر من 2.7 مليون طن من القمح المستلم لدى المؤسسة السورية للحبوب، فيما كانت تقديرات سابقة قد وضعت الإنتاج عند نحو 2.3 إلى 2.5 مليون طن، قبل أن ترتفع التقديرات مع تقدم عمليات الحصاد والاستلام إلى أكثر من ثلاثة ملايين طن.
ويعني ذلك أن سورية، التي كانت أمام فجوة كبيرة في القمح خلال موسم 2025، وصلت في 2026 إلى وضع يمكن وصفه بالاكتفاء الذاتي من حيث الكمية المتاحة، لكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المشكلة حُسمت بصورة نهائية أو أن البلاد باتت بمنأى عن الاستيراد في السنوات المقبلة.
رحلة القمح السوري
قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، كانت سورية تحقق في كثير من السنوات إنتاجاً يسمح لها بتغطية استهلاكها المحلي من القمح، بل وتصدير كميات منه، خصوصاً من الأصناف ذات الجودة الجيدة، مثل القمح القاسي والقمح الطري. وكانت البلاد تستورد في بعض الفترات أنواعاً أقل جودة أو أصنافاً محددة وفق احتياجات المطاحن والسوق.
لكن الحرب وما رافقها من تراجع في المساحات المزروعة، وخروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية من دائرة الإنتاج المنتظم، وتضرر شبكات الري والمنشآت الزراعية، وارتفاع تكاليف المدخلات، وتراجع القدرة على تأمين البذار والأسمدة والوقود، كلها عوامل دفعت إنتاج القمح إلى مستويات متقلبة.
ورغم ذلك، بقي القمح حاضراً في صلب الاقتصاد السوري، وواصلت البلاد إنتاجه في ظروف الحرب، في وقت تزامن تراجع الإنتاج مع خروج ملايين السوريين من البلاد، ما خفف جزئياً من حجم الطلب الداخلي على الخبز والقمح.
لكن موسم 2025 كشف هشاشة هذا التوازن. فقد أدى الجفاف إلى انخفاض كبير في إنتاج الحبوب، لتجد سورية نفسها أمام حاجة أكبر إلى الاستيراد وتأمين القمح من الخارج، في وقت كانت البلاد تواجه أصلاً تحديات اقتصادية ونقدية كبيرة. وجاء موسم 2026 ليقلب المعادلة، من 900 ألف طن إلى أكثر من 2.7 مليون طن.
يصف الخبير الاقتصادي والباحث في التخطيط والاستثمار، خالد الحمدي، موسم القمح السوري لعام 2026 بأنه "من أبرز الإشارات الإيجابية في الاقتصاد الزراعي السوري"، معتبراً أن الإنتاج شهد قفزة كبيرة مقارنة بالعام السابق، واقترب من مستوى الاحتياجات المحلية بل تجاوزه وفق معيار الاستهلاك الذي تعتمده المؤسسة السورية للحبوب.
ويقول الحمدي لـ"العربي الجديد" إن سورية انتقلت خلال عام واحد من إنتاج لا يغطي سوى جزء من احتياجاتها إلى إنتاج يلامس، بل يتجاوز، حاجتها السنوية من القمح. ويرى الحمدي أن هذه القفزة لا يمكن اختزالها في رقم الإنتاج وحده، إذ اجتمعت مجموعة من العوامل التي ساعدت على تحقيقها، في مقدمتها تحسن الهطولات المطرية مقارنة بالموسم السابق، وعودة مناطق إنتاجية رئيسية، ولا سيما في شمال وشمال شرق البلاد، لكي تحتسب ضمن الإنتاج الوطني، واتساع المساحات المزروعة، وتحسن عمليات تسويق واستلام المحصول. وكانت وزارة الزراعة قد أعلنت أن المساحة المزروعة بالقمح وصلت إلى نحو 1.4 مليون هكتار، فيما ساهمت الحوافز التي قُدمت للمزارعين في تشجيعهم على تسليم محاصيلهم إلى مؤسسات الدولة.
الشرق الخزان الأكبر للقمح
تكشف خريطة الإنتاج أن شرق سورية وشمال شرقها لم يعودا مجرد مناطق زراعية منتجة للقمح، بل يشكلان ركناً أساسياً في معادلة الأمن الغذائي السوري. وتبرز محافظات الحسكة والرقة ودير الزور بين أهم مناطق إنتاج القمح، مع تقديرات سابقة أشارت إلى إنتاج نحو 800 ألف طن في الحسكة، و300 ألف طن في الرقة، و250 ألف طن في دير الزور، أي ما مجموعه نحو 1.35 مليون طن في المحافظات الثلاث وحدها.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من أن هذه المناطق يمكن أن تؤمن أكثر من نصف الإنتاج الوطني في المواسم الجيدة، ما يجعل مستقبل الزراعة فيها مرتبطاً مباشرة بمستقبل الأمن الغذائي في سورية. وتأتي الحسكة في مقدمة هذه المعادلة، بحكم اتساع مساحاتها الزراعية ووجود مساحات واسعة من القمح البعلي والمروي، إضافة إلى موقعها في شمال شرق البلاد وقربها من مناطق إنتاج أخرى.
لكن هذه القوة الإنتاجية تحمل في الوقت نفسه نقطة ضعف أساسية، تتمثل في ارتباط جزء كبير من الزراعة بالأمطار، وتراجع الموارد المائية وتضرر البنية التحتية للري، وهو ما يجعل أي موسم جفاف قادراً على تغيير أرقام الإنتاج بصورة كبيرة.
وهنا، وفق الحمدي، تكمن المسألة الأساسية: "النجاح الحقيقي لا يكمن فقط في الوصول إلى 2.5 أو ثلاثة ملايين طن في عام جيد مناخياً، وإنما في قدرة سورية على الحفاظ على إنتاج يتجاوز حاجتها حتى في سنوات الجفاف".
هل حققت سورية الاكتفاء الذاتي؟
"اقتصادياً، يحتاج وصف سورية بأنها حققت الاكتفاء الذاتي من القمح إلى شيء من الدقة، فالقول إن البلاد حققت الاكتفاء الذاتي في موسم 2026 صحيح من حيث كمية القمح الخام المتاحة، استناداً إلى الحاجة السنوية التي تُقدّر بنحو 2.5 مليون طن، وتجاوز الكميات المستلمة هذا المستوى، لكن الاكتفاء الذاتي ليس مجرد مقارنة رقم الإنتاج برقم الاستهلاك"، وفق الحمدي، الذي يضيف: "فالمطاحن والمخابز تحتاج إلى مواصفات مختلفة من القمح، ولا سيما القمح الطري، كما أن هناك فاقداً أثناء عمليات التخزين والنقل والطحن، فضلاً عن ضرورة الاحتفاظ بمخزون استراتيجي يحمي السوق من تقلبات المواسم المقبلة".
ويشير الحمدي إلى أن استمرار بعض الاستيراد قد يكون ضرورياً حتى في حال ارتفاع الإنتاج المحلي، سواء لتأمين أنواع محددة من القمح أو لبناء مخزون استراتيجي آمن، وهو ما يجعل "الاكتفاء الذاتي" في موسم واحد مختلفاً عن امتلاك منظومة غذائية قادرة على تأمين احتياجات البلاد بصورة مستدامة.
وهذا التفريق مهم في الحالة السورية، خصوصاً أن موسم 2025 أظهر بوضوح حجم التأثر بالعوامل المناخية. فإذا كان إنتاج 2026 قد ارتفع بصورة حادة نتيجة تحسن الظروف المطرية واتساع المساحات المزروعة وعودة مناطق إنتاجية رئيسية، فإن تكرار موسم جفاف مماثل يمكن أن يعيد فتح فجوة الاستيراد.
لا تنحصر أهمية زيادة الإنتاج في تأمين الخبز للسوريين. فكل طن من القمح تنتجه البلاد محلياً يمكن أن يعني تقليل الحاجة إلى شراء كميات مقابلة من الأسواق الخارجية، وبالتالي تخفيف الضغط على القطع الأجنبي، وفق الحمدي.
وإذا احتُسب محصول قدره 2.5 مليون طن وفق سعر الشراء الرسمي المعلن في بداية موسم 2026، والبالغ 46 ألف ليرة سورية جديدة للطن، فإن القيمة الحسابية للمحصول تصل إلى نحو 115 مليار ليرة سورية جديدة (الدولار = 131 ليرة سورية). كما أُعلن عن حافز إضافي قدره تسعة آلاف ليرة جديدة للطن للمزارعين الذين يسلمون إنتاجهم إلى مؤسسة الحبوب، ما يرفع سعر الاستلام الفعلي للمستفيد إلى نحو 55 ألف ليرة للطن.
ولا تتوقف الدورة الاقتصادية عند المزارع؛ فزيادة الإنتاج تنعكس على النقل، والتخزين، والمطاحن، والمخابز، وصيانة الآلات الزراعية، وتجارة البذار والأسمدة، وغيرها من الأنشطة التي تدور حول محصول القمح.
ومن هنا، فإن نجاح موسم 2026 يمكن أن يتحول إلى محرك لقطاع زراعي أوسع، إذا استطاعت الدولة بناء سياسة تجعل من زراعة القمح نشاطاً مستقراً ومربحاً للمزارع، لا استجابة ظرفية لموسم جيد.
وحسب الخبير الاقتصادي، تحتاج سورية إلى إعادة تأهيل الصوامع ومراكز التخزين، وتكوين مخزون استراتيجي يكفي عدة أشهر، وتطوير صناعة الطحين وإنتاجه محلياً، وتأمين احتياطي من القمح الطري، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في التخزين والطحن والنقل.
وتبقى سياسة الأسعار عاملاً حاسماً، فالمزارع الذي لا يعرف مسبقاً ما إذا كان سعر محصوله سيغطي تكاليف البذور والسماد والوقود والري واليد العاملة والنقل، لن يكون قادراً على الاستمرار في زراعة القمح مهما كانت الحاجة الوطنية إليه، وفق الحمدي، الذي يؤكد أن موسم 2026 يمثل نقطة تحول مهمة في الأمن الغذائي السوري، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الموسم.