سورية بين حقبتين...ما الذي تغير بعد عام من سقوط الأسد؟

07 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 08 ديسمبر 2025 - 14:53 (توقيت القدس)
رجل يحمل كمية من الليرات السورية ويغادر البنك المركزي في دمشق. 21 مايو 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- واجهت حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع انتقادات لفشلها في تحسين المستوى المعيشي والمالي، وإعادة الإعمار واستعادة الأموال المنهوبة، وتحقيق الاستقرار في الأسواق وإعادة المهجرين.
- على الجانب الآخر، حققت الحكومة نجاحات في تحسين المؤشرات الاقتصادية، جذب الاستثمارات الأجنبية، ورفع العقوبات الغربية، مما ساهم في تحسين التجارة الخارجية والمستوى المعيشي.
- رغم النجاحات، تواجه الحكومة تحديات كبيرة مثل استعادة الأموال المهربة، جذب الاستثمارات، تحسين القطاع المصرفي، والقضايا الأمنية والجيوسياسية، مما يشير إلى طريق طويل لتحقيق الاستقرار.

تستطيع أن تهيل التراب على العام الأول لحكم الرئيس السوري أحمد الشرع، وأن تصف فترة حكمه بالفشل الذريع في إدارة الملف الاقتصادي بمعناه الواسع، خاصة على المستوى المعيشي والمالي والنقدي، والاخفاق في ملفات الإعمار وإعادة الأموال المنهوبة من نظام بشار الأسد، وأن تؤكد أن تلك الحكومة باعت الوهم والمخدرات الاقتصادية، وحققت إنجازات ورقية بالنسبة للمواطن والأسواق، وبنت مشروعات فنكوشية، ولم تُعِد الاستقرار للأسواق المضطربة سواء كانت صرف أو سلع وخدمات، وفشلت في إعادة المهجرين لبيوتهم.

في المقابل تستطيع أن تزعم أن الشرع شخص خارق، إذ أعاد بناء الاقتصاد السوري المنهار من وجهة نظرك، وقاد أكبر ثورة اقتصادية في تاريخ سورية الحديثة، ورفع الرواتب وحسن الأجور، وحد من الاحتكارات وقضى على مافيا التجارة وشبكات رجال الأعمال الفاسدين المرتبطين بعائلة الأسد، وشهد عامه الأول تراجعاً ملحوظاً في مستويات الفساد المالي والأمني، وأن تبالغ بالقول بأن تجربته القصيرة فاقت في نجاحها تجربة إعادة إعمار ألمانيا الغربية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي نجحت خلال سنوات قليلة (1948-1952) في إعادة بناء الدولة التي سُوِّيت بالأرض خاصة من ناحية البنية التحتية والقطاع الصناعي وحققت نهضة اقتصادية عرفت فيما بعد باسم المعجزة الاقتصادية الألمانية، وذلك عبر مشروع مارشال الشهير أو برنامج الإنعاش الأوروبي، وهو مشروع أميركي في الأساس تم إطلاقه بهدف محاصرة المد الشيوعي.

تستطيع أن تزعم أن الشرع شخص خارق إذ أعاد بناء الاقتصاد السوري المنهار، وقاد أكبر ثورة اقتصادية في تاريخ سورية الحديثة، ورفع الرواتب وحسن الأجور

لكن في المقابل هناك رأي وسط وأكثر عقلانية يقول إن حكومة الشرع نجحت في تحقيق عدة أهداف ظن الجميع أنها مستحيلة خاصة أنها ورثت دولة منهارة اقتصادياً ومالياً، وانكماشاً حاداً، ولا يوجد لدى بنكها المركزي دولار واحتياطي من النقد الأجنبي، وقرارها الاقتصادي كان مرهوناً في طهران وموسكو، وموازنة الدولة مفلسة وخاوية التهمتها حرب أهلية استمرت لأكثر من عقد وتم توجيه مخصصاتها لشراء أسلحة قتل بها نظام الأسد الشعب السوري وأباد بنيته التحتية، وفي الجانب الآخر فشلت تلك الحكومة فشلاً ذريعاً في تحقيق أهداف أخرى خلال تلك الفترة القصيرة.

أولى نجاحات حكومة أحمد الشرع أنه أعاد الثقة في الاقتصاد السوري، وهو ما تمت ترجمته في تحسن المؤشرات الكلية المتعلقة بمعدل النمو والتضخم وسعر الليرة، وتدفق الاستثمارات الأجنبية من الولايات المتحدة ودول الخليج ودول أوروبية، والبدء في إعادة بناء الاحتياطي الأجنبي، وجذب مليارات الدولارات من الخارج وضخها في شرايين قطاعات حيوية مثل الطاقة والكهرباء والنفط والصناعة والبنية التحتية، كما نجحت تلك الحكومة في إزالة العقوبات الغربية والحصار المفروض على مؤسسات الدولة ومنها المؤسسات المالية، وهو ما فتح الباب أمام عودة البنوك السورية للأسواق العالمية والقيام بدورها في تمويل التجارة الخارجية، وعودة المنظمات المالية الدولية ومنها صندوق النقد ومؤسسة فيزا إلى الداخل السوري.

هناك رأي وسط وأكثر عقلانية يقول إن حكومة الشرع نجحت في تحقيق عدة أهداف ظن الجميع أنها مستحيلة خاصة أنها ورثت دولة منهارة اقتصادياً ومالياً، وانكماشاً حاداً

كما نجحت تلك الحكومة في تحسين المستوى المعيشي للمواطن، وخفض موجة الغلاء، وتوفير السلع المختلفة في الأسواق المتعطشة، وخلال العام الأول من حكم الشرع اختفت طوابير الذل التي كانت تمتد لعشرات الأمتار أمام أفران الخبز ومنافذ بيع السلع إبان حكم الأسد، وتوقف ركض المواطن خلف أسطوانة غاز طهي أو ليترات وقود من بنزين وسولار ومازوت، أو الجري وراء كيلو أرز وسكر وزيت في طوابير لا تنتهي.

ونشطت التجارة الخارجية لسورية خلال العام الجاري بعد فتح الحدود أمام تدفق السلع من الدول المجاورة وغيرها، وتوفر الدولار في البنوك والصرافات، واختفت السوق السوداء للعملة مع زيادة تحويلات المغتربين والاستثمارات الأجنبية، وتوقف تهاوي المدخرات الوطنية، وعاد قطاع النقل العام ليعمل بانتظام بعد أن كانت تقطعه الحواجز وممارسات المافيا خلال عهد بشار.

لكن في المقابل لا تزال هناك عشرات الملفات التي أخفقت بها حكومة الشرع أبرزها إعادة أموال عائلة الأسد ورموز نظامه والتي تم تهريبها لروسيا وغيرها من دول العالم وتقدر بمليارات الدولارات، ولا يزال المستثمرون الأجانب مترددين في اقتحام الأسواق السورية، ولا يزال القطاع المصرفي متخلف الأنشطة والخدمات وغير قادر على حشد الموارد.

ولا يزال مئات آلاف السوريين عاجزين عن الوصول لقراهم ومدنهم المهدمة، ولا تزال الدولة عالية المخاطر الأمنية والجيوسياسية، ولا يزال نظام الحكم متردداً في فتح ملفات الفساد الكبرى، ولا تزال قطاعات الصناعة والإنتاج والتصدير مهملة، ولا تزال الدولة غير مسيطرة على كل ثرواتها بما فيها النفط والغاز، ولا تزال أزمات الفقر والبطالة والعشوائيات تمثل تحديا لصانع القرار، ولا تزال هناك علامات استفهام حول كيفية خلق بيئة جاذبة للاستثمار.

الطريق لا يزال طويلاً حتى نصل إلى نتيجة تقول إن الحكام الجدد في سورية وضعوا الاقتصاد الوطني على مساره الصحيح، أو أن هذا الاقتصاد بدأ يتنفس وينمو ويزدهر بقوة ويحقق نجاحات كبيرة، وإن المواطن السوري بدأ يشعر بنهاية حقبة الأسد التي عانى خلالها الغلاء والفقر والبطالة والفساد والاحتكار والذل والمهانة، وتدني مستويات المعيشة، وتردي خدمات الصحة والتعليم والسكن، بل وعانى من كل أنواع الموبقات المعيشية.

المساهمون