استمع إلى الملخص
- التحديات الاقتصادية والإدارية: واجهت سوريا تحديات في إدارة القطاع الحكومي، مما أدى إلى تراجع الإنتاجية وزيادة الأعباء المالية. حاولت الحكومات إدخال إصلاحات دون خطوات جريئة نحو الخصخصة الكاملة.
- الخصخصة كحل اقتصادي محتمل: بدأت سوريا في النظر إلى الخصخصة لتعزيز الكفاءة الاقتصادية وجذب الاستثمارات، مع ضرورة تنفيذها بشكل مدروس وعلى مراحل، مستفيدة من التجربة التركية كنموذج.
لا شيء يثير شهية السوريين وأصحاب الأعمال كما الخصخصة. كما لا شيء يخيفهم كما التأميم، بعد أن دفعوا بذريعته أثماناً باهظة وكبدّت سورية تراجعاً وفساداً وتهجيراً للرساميل، بعد أن كانت رائدة في الخدمات المالية والإنتاج مطلع خمسينيات القرن الماضي.
ولعل قصة ثوب الملكة إليزابيث الثانية ليلة زفافها على دوق إدنبرة فيليب مونتباتن عام 1947، المصنوع من البروكار الدمشقي، رواية يتغنى بها السوريون حتى اليوم، للدلالة على تطور الصناعة وأين كانوا قبل التأميم، وإلى أين وصلوا بعده وخلال حكم البعث وتسمية القطاع الحكومي بالريادي والخاص بالطفيلي.
بيد أن ثمة مغالطة تاريخية يقع فيها كثير من السوريين، وهي اتهام جمال عبد الناصر وزمن الوحدة مع مصر بطامة التأميم، وإن بزمن التأميم، كانت الضربة القاصمة عبر القانون 49 لعام 1959 وقت جرى تأميم شركات صناعية كبرى "الخماسية والشهباء"، فضلاً عن خمسين بالمئة من شركات كبرى، أبرزها المصارف.
لأن التأميم في سورية سبق تأميم قناة السويس بخمس سنوات والوحدة بثمان، فالدستور السوري لعام 1950 نص على: "تؤمم الدولة كل مؤسسة أو مشروع يتعلق بالمصلحة العامة"، والقانون رقم 85 لعام 1951، أمم شركة الحافلات الكهربائية "الترام" والكهرباء والمياه ومن ثم، السكك الحديدية والتبغ وصولاً إلى تأميم البنك المركزي "بنك سوريا ولبنان" عام 1956.
ولكن، حكم "الجمهورية المتحدة" حتى الانفصال عام 1961 عزز التأميم والفكر الاشتراكي، بعد أن راقا لحكام "البعث" ووضعهم الاشتراكية ضمن أهداف الحزب ومحاربة البرجوازية الصناعية والاقطاعية الزراعية.
ومن يدرس تاريخ الاقتصاد السوري الحديث، سيرى أن الضربة الكبرى كانت جراء التأميم، ويكتشف أن جل الرساميل المهاجرة كانت خلال الوحدة وما سميّ بهتاناً "ثورة آذار عام 1963" وقت تسلّم البعث الحكم، ولم يتركه حتى تحرير سورية في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.
الأرجح أن المشكلة ليست في القطاع الحكومي بقدر ما هي في إدارته وفي المجال الذي دخل فيه، فأن يحوّل البعث ومن بعده حافظ الأسد القطاع الصناعي برمته، حتى المناديل والعلكة، إلى قطاع عام، ويحرّم، حتى عام 1991، على القطاع الخاص الاستثمار الصناعي وحتى عام 2004 القطاع المالي، فهذا تعدى النهج ودخل في طور السيطرة والنظر إلى الاقتصاد باعتباره ملكيةً خاصة ًأو مزرعةً للحاكم، خاصة في حالة كما السورية، حين توزعت المواقع على حسب الولاء، وتحوّل السوريون بما فيهم العمال من مواطنين إلى رعايا.
الأمر الذي أرهق الدولة وأفقد الموازنة العامة أهم مواردها، فوائض المؤسسات الحكومية، وبدأت تموّل العجوزات والخسائر من عائدات النفط وحساب المشروعات بالشق الاستثماري في الموازنة العامة.
إلى أن جاء ما يمكن وصفه بالتحول الأهم، وهو قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، وقت استشعر حافظ الأسد انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل التجربة الاشتراكية بشكلها الاحتكاري، وأتعبت الدولة خسائر القطاع الحكومي جراء ترهله ودخوله صناعات صغيرة، ولمسة أخيرة لأسباب مرحلية وأيديولوجية وليس اقتصادية، فأصدر أول قانون سمح بموجبه للقطاع الخاص الصناعي بتأسيس الأعمال والشركات، من دون أن يتجرأ على قرار خصخصة أو إبعاد الصناعات المماثلة في القطاع الحكومي "علكة، رب البندورة، مناديل، دهان، أعواد كبريت وأقلام رصاص"، أو يمنح القطاع الحكومي أي فرصة لمنافسة الخاص المتحمس، فأبقى على البطالة المقنعّة وقدم الآلات ورداءة الإنتاج، لتصحّ مقولة القطاع العام مخسّر وليس خاسراً.
قصارى القول: بدأ بشار الأسد الذي ورثّ الحكم عن أبيه عام 2000 بعض الخطوات الحذرة في الخصخصة، ووصلت، بواقع إرضاء حلفائه في موسكو وطهران وبحال سعيه وأقربائه للتملك، إلى قطاع الاتصالات وتوليد ونقل الكهرباء، لكنه لم يتجرأ على إصدار تشريعات وقوانين تنهي القطاع الحكومي الخاسر، بل أبقى على منافسة عرجاء، زادت من الأعباء وأرهقت خزينة الدولة.
لذا، ومذ جاء الحكم الجديد لسورية، بدأنا نسمع عن خصخصة واسعة وخطط جريئة، تطاول القطاع الصناعي والخدمي وحتى المالي، فيما يخشى أن يكون رد فعل على حقبة سابقة وأداء مشبوه، أو حتى إرضاء للداعمين وتلبية لشروط الدائنين.
والخشية، لأننا لم نر قانوناً ووضوحاً قبل تعهيد شركات، عربية ودولية، لموانئ وربما نفط واتصالات، وقبل تصريحات غير مسؤول، كان أولهم وزير الخارجية أسعد الشيباني، حينما كشف بعد أقل من شهرين على تحرير سورية، لصحيفة " فاينانشال تايمز" عن "تخطيط الحكومة لخصخصة الموانئ والمصانع المملوكة للدولة، بهدف تعزيز الكفاءة الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية والتجارة الدولية في إطار الإصلاح الاقتصادي".
لأن الخصخصة، وكي تأتي أكلها ولا تكون تبديداً للمال العام وحقوق الشعب، لا بد أن تأتي على مراحل، تحلل خلالها الأصول والتقييم المالي، قبل أن تصدر لها التشريعات العلنية والمناسبة، ومن ثم التوافق على شكل التخلي عن القطاع الحكومي أو بعضه، سواء عبر الشراكة مع القطاع الخاص أو الطرح للاكتتاب العام أو بيع الأصول.
وكل ذلك، من دون أن ندخل في جدلية الخاسر أو المخسّر وضرورة بيعه أو إصلاحه، أو أن نسأل عن مصير العمالة أو ما يمنحه بعض القطاع الحكومي من سلع رخيصة ومنتجات مكفولة، أو نتمادى لنسأل: ترى من سيشتري القطاع الحكومي السوري المتهالك، إلا إن كان بقصد مليكته موقعه، إذ يعرف السوريون أن شركات القطاع الحكومي تقلع عين دمشق وتتمركز في أهم المناطق السكنية والسياحية.
نهاية القول: ربما بمقولة المنظّر البريطاني الشهير أنطوني ستافورد بير "الغرض من أي نظام هو ما يقوم به" تكثيفاً واختصاراً لجدل كبير يجوز فيه الوجهان، فالعلة ليست في القطاع الحكومي دائماً، كما النجاة والتطوير ليسا في القطاع الخاص شرطاً.
أو نرمي إلى أبعد ما كثفه منظّر الأنظمة الإدارية ستافورد بير أن تملك الدولة بعض القطاعات حاجة وضرورة، كما في العديد من الدول الليبرالية، كالكهرباء والسكك الحديدية في فرنسا، أو الاتصالات في ألمانيا أو حتى جنرال موتورز في الولايات المتحدة، المساهمة اليوم بعد أن كانت حكومية.
بل ومن بريطانيا العظمى المثال الأحدث، فالمملكة المتحدة التي قادت الخصخصة واختطت نهجها عام 1979 أيام مارغريت تاتشر، عادت عن الخصخصة المطلقة أول من أمس الأحد، حين حولت شركة "ساوث وسترن رايلويز" لتشغيل القطارات إلى الملكية العامة، ضمن خطة حكومة حزب العمال لإعادة تأميم قطاع السكك الحديدية المتردي وربما لاحقاً قطاعات أخرى.
وهذا لا يعني الإطلاق بالحكم على تجربة الخصخصة، إذ في تركيا الجارة، لم يتحقق النمو والرفاه وتدخل مصاف الدول الصناعية قبل مجموعة العشرين، إلا بعد الخطوة الجريئة لمؤسس حل الخصخصة تورغوت أوزال التي تابعها الرئيس الحالي رجب طيب اردوغان.
وربما القرب والهوى السوريان اليوم يجعلان التجربة التركية هي الأنسب للاقتداء بواقع بقاء الدولة على بعض الإنتاج والرقابة وحفظ حقوق المستهلكين والعمال، إلى جانب فتح الباب لرأس المال الأجنبي، ليكون العامل الأهم في تحقيق الحلم الاقتصادي.