استمع إلى الملخص
- في أسواق دمشق، يزداد الإقبال على الفضة لأغراض الادخار والاستثمار، مما يعكس تغيراً في سلوك المستهلك السوري نحو التفكير الاستثماري، حيث توفر الفضة مرونة بين الاستخدام الجمالي والاستثماري.
- تواجه صناعة الفضة في سوريا تحديات بسبب الاعتماد على العمل اليدوي، مع جهود لتحديث المعدات وزيادة الكفاءة، في ظل الطلب العالمي المتزايد الذي يتجاوز الإنتاج.
مع استمرار صعود أسعار الفضة عالمياً، بدأ السوريون يلتفتون بشكل أكبر نحو هذا المعدن الثمين، ليس كخيار للزينة، بل كوسيلة للتحوط والادخار، خصوصاً مع ارتفاع الذهب إلى مستويات قياسية تجاوزت أونصته الـ 5000 دولار، حيث وجد الكثير من الأهالي في الفضة بديلاً أقل كلفة يمنحهم مرونة أكبر في البيع والشراء، ويعدّ وسيلة آمنة لمواجهة التقلبات الاقتصادية.
وشهدت الأسعار عام 2025 ارتفاعاً لافتاً تواصل مع بداية العام الجاري ليتجاوز 100 دولار للأونصة، وهو أعلى مستوى له منذ الثمانينيات، وسط توقعات باستمرار ارتفاع أسعاره خلال الفترة المقبلة ولا سيما في حال تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة وتحديداً في إيران التي يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشن الحرب عليها.
سلوك المستهلك
في أسواق دمشق القديمة، يشير الحرفي منير داود، الذي يعمل في صناعة المشغولات الفضية منذ أكثر من عشرين عاماً لـ"العربي الجديد"، إلى أن الإقبال على الفضة ارتفع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الماضية، "الكثير من الأهالي لم يعودوا يشترون الفضة فقط للزينة، بل لأغراض الادخار والاستثمار". يعتقد الناس أن الفضة أكثر مرونة من الذهب، ويمكن بيعها بسرعة عند الحاجة. ويضيف منير أن الطلب على الأونصات بالوزن أصبح اليوم جزءاً أساسياً من السوق، وهو ما يحافظ على سيولة المعدن ويزيد من جاذبيته للمقتنين.
أما الحرفي خالد الحاج، فيرى أن هذا التوجه نحو الفضة يعكس تغيراً في سلوك المستهلك السوري: "الناس أصبحوا يفكرون بعقلية استثمارية، يوازنون بين التكلفة والفائدة، ويبحثون عن معدن يوفر لهم حماية مالية بأسعار معقولة. الفضة توفر لهم ذلك، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها في أعمال الزينة وتطعيم القطع التراثية، وهو ما يخلق سوقاً مزدوجة بين الاستخدام الجمالي والاستثماري".
تحديات كبيرة تواجه صناعة الفضة
من جانبه، يشير المدير العام للهيئة العامة لإدارة المعادن الثمينة، مصعب الأسود، إلى أن صناعة الفضة في سورية تواجه تحديات كبيرة بسبب الاعتماد شبه الكامل على العمل اليدوي والأدوات التقليدية مثل المطرقة والسندان والمبارد، فضلاً عن الأفران البسيطة للصهر. ويؤكد الأسود أن غياب التقنيات الحديثة انعكس على تنوع وجودة المنتجات، لكنه يعبر عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة تحديثاً في المعدات ورفع كفاءة العاملين، بما يمكن المنتج الوطني من المنافسة محلياً وخارجياً ومواكبة الموديلات الحديثة القادمة من بعض الدول الآسيوية.
ويضيف لـ "العربي الجديد": "المادة الأولية متوفرة محلياً، مع استيراد كميات إضافية لتلبية الطلب المتزايد. نحن نسعى لتطوير الصناعة لتصبح أكثر قدرة على المنافسة، بما يعزز دور الحرفيين السوريين ويجعلهم قادرين على منافسة المنتجات الأجنبية من حيث الجودة والتصميم". ويشير الخبراء إلى أن الطلب العالمي على الفضة يتجاوز الإنتاج بنحو 230 مليون أونصة سنوياً، ما يخلق عجزاً مستمراً في السوق ويزيد الضغوط على الأسعار.
ويؤكد مراقبون أن هذا العجز، إلى جانب توجه بعض الصناديق السيادية للاستثمار في الفضة باعتبارها بديلاً للذهب، كان له الدور الأكبر في الارتفاعات التي شهدتها الأسواق العالمية خلال الأشهر الماضية. كما يؤثر هذا الارتفاع مباشرة على الأسعار المحلية في سورية، سواء في قطاع المجوهرات أو الاستخدامات الاستثمارية الأخرى، نظراً للارتباط الوثيق بين الأسواق المحلية والعالمية.
وبحسب منصة "ياهو فاينانس"، بلغت قيمة سوق الفضة العالمية 22.50 مليار دولار عام 2024، ومن المتوقع أن ينمو القطاع بمعدل سنوي مركب قدره 4.5% خلال الفترة من 2025 إلى 2034، ليصل إلى نحو 34.94 مليار دولار بحلول نهاية العقد المقبل.
الحفاظ على المدخرات
بدوره يرى الخبير الاقتصادي يحيى السيد أن الإقبال على الفضة بدلاً من الذهب يعكس حالة من الحذر لدى المواطنين تجاه الأسواق المالية، وفي الوقت نفسه رغبتهم في الحفاظ على قيمة مدخراتهم: "فهي تقدم حلاً عملياً للتحوط، فهي أقل كلفة من الذهب، وتتيح سيولة أسرع. بالإضافة إلى أن الطلب على الفضة يرتبط بعامل نفسي مهم، إذ يشعر الناس أنها أكثر ملاءمة للادخار الفردي، خصوصاً للفئات المتوسطة التي تبحث عن بدائل يمكن تحويلها نقداً عند الحاجة".
ويضيف السيد لـ "العربي الجديد" أن التوجه نحو الفضة ليس مجرد تفضيل شخصي، بل يعكس تحولات في الأسواق العالمية، حيث ارتفع سعرها بفعل الطلب الصناعي الكبير على المعدن في الصناعات الحديثة، مثل الألواح الشمسية، والإلكترونيات، والأجهزة الطبية، وصناعة السيارات الكهربائية. وشهدت أسعار الفضة تقلبات حادة، إذ تجاوزت 40 دولاراً عام 1980 لشهر واحد، قبل أن تهبط إلى 3.51 دولارات عام 1993، وعادت لفترة قصيرة فوق 40 دولاراً في 2011، ثم تراجعت إلى 11.73 دولاراً في 2020، قبل أن تتجاوز 50 دولاراً في 2025 وتصل إلى أكثر من 100 دولار عام 2026.
ويبقى السؤال مطروحاً حول السعر الذي قد تسجله الأونصة مع نهاية 2026 في ظل التوقعات بمزيد من الارتفاعات، نتيجة استمرار الطلب الصناعي والاستثماري، واعتماد السوريين على الفضة كأداة للحفاظ على قيمة مدخراتهم وربما لتحقيق أرباح مستقبلية، من المعدن الذي طالما شكّل جزءاً من الثقافة المالية والحرفية في البلاد.