سباق صيني محموم للسيطرة على ذهب العالم

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:27 (توقيت القدس)
سبائك الذهب في الصين، آنهوي في 23 يناير 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد سوق الذهب تحولاً استراتيجياً، حيث تسعى الصين للسيطرة على سلاسل إمداد الذهب من المنبع، متجاوزة الشراء التقليدي إلى السيطرة المباشرة على المناجم والاحتياطيات، مما يعكس أهمية الذهب كأصل استراتيجي للتحوط من العقوبات.

- قامت الصين بصفقات استحواذ كبرى في قطاع التعدين، مثل استحواذها على مناجم في البرازيل وكندا، مما يمنحها قدرة أكبر على التحكم في الإنتاج والتصدير، ويعكس استعدادها لبناء شبكة نفوذ متكاملة في قطاع الذهب.

- يتزامن هذا التوسع مع تسارع شراء الصين للذهب عبر البنك المركزي، في ظل مخاطر العقوبات وتسييس النظام المالي، مما يثير قلق الدول الغربية من انتقال السيطرة على موارد استراتيجية.

تشهد سوق الذهب العالمية تحولا نوعيا في طبيعة الطلب، بعدما انتقل المعدن الأصفر من كونه أداة تحوط مالية إلى عنصر استراتيجي في حسابات الأمن الاقتصادي والسيادي للدول الكبرى، وفي مقدمتها الصين. فبالتوازي مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، واتساع فجوات الثقة في النظام النقدي الدولي، كثفت بكين تحركاتها للاستحواذ على مناجم ذهب وشركات تعدين خارج حدودها، في مسعى واضح لإحكام السيطرة على سلاسل إمداد الذهب من المنبع، لا الاكتفاء بشرائه من الأسواق المفتوحة. وخلال العام 2025، برزت الصين كأحد أكثر اللاعبين نشاطا في صفقات الاستحواذ على أصول الذهب عالميا، متجاوزة نموذج الشراء التقليدي من البورصات العالمية، إلى نموذج السيطرة المباشرة على المناجم والاحتياطيات. وهو ما يعكس إدراكا صينيا متزايدا بأن الذهب لم يعد سلعة مالية فقط، بل أصلاً استراتيجياً يستخدم للتحوط من العقوبات، وتقليل الاعتماد على الدولار، وتعزيز متانة الاحتياطيات الرسمية.

صفقات استحواذ كبرى

وفي هذا السياق، استحوذت مجموعة "سي إم أو سي" الصينية، أمس الاثنين، على مناجم ذهب في البرازيل مملوكة لشركة تعدين الذهب الكندية "إكوينوكس غولد" مقابل قيمة إجمالية تبلغ 1.015 مليار دولار، في واحدة من أبرز الصفقات في قطاع التعدين هذا العام. وتتضمن الصفقة 900 مليون دولار نقدا تدفع عند إتمام الإغلاق، إضافة إلى دفعة نقدية مشروطة مرتبطة بالإنتاج تصل إلى 115 مليون دولار تسدد بعد عام واحد من الإغلاق. ومن المتوقع إتمام الصفقة خلال الربع الأول من عام 2026، رهنا بالحصول على الموافقات التنظيمية واستيفاء الشروط المعتادة. وتشمل الأصول التي استحوذت عليها الشركة الصينية الحصص المملوكة بالكامل لشركة "إكوينوكس غولد" في منجم أوريزونا، ومنجم آر دي إم، ومجمع باهيا في البرازيل. وتعكس الصفقة توجها صينيا للتمركز في أميركا اللاتينية، حيث الثروات والموارد الغنية، والتكاليف التشغيلية الأقل، والانفتاح النسبي على الاستثمارات الأجنبية في قطاع التعدين.

كما تمنح هذه الاستحواذات بكين قدرة أكبر على التحكم في وتيرة الإنتاج والتصدير، بعيدا عن تقلبات الأسواق المالية الغربية. ولم تقتصر التحركات الصينية على المناجم المباشرة، بل امتدت إلى الاستحواذ على شركات تعدين مدرجة. ففي 21 إبريل/نيسان الماضي أعلنت مجموعة "سي إم أو سي" استحواذها على جميع الأسهم العادية المصدرة والقائمة لشركة لومينا غولد، وهي شركة كندية مدرجة في بورصة المشاريع الكندية. وتقدر قيمة الصفقة بنحو 581 مليون دولار كندي (نحو 421 مليون دولار أميركي)، في صفقة تهدف للوصول إلى أحد أكبر رواسب الذهب الأولية غير المستغلة في الإكوادور. وتكمن أهمية هذه الصفقة في أنها تمنح الصين نفاذا غير مباشر إلى احتياطيات ضخمة من الذهب في أميركا الجنوبية، عبر كيان كندي يتمتع بإطار قانوني وتنظيمي أكثر مرونة في التعامل مع الأسواق العالمية. كما تعكس الصفقة استعداد بكين لاستخدام قنوات متعددة (مناجم، وشركات، وشراكات) لبناء شبكة نفوذ متكاملة في قطاع الذهب.

السيطرة على المنبع

وتتزامن هذه الاستحواذات مع تسارع وتيرة شراء الصين للذهب خلال العام الحالي، سواء عبر البنك المركزي أو الكيانات السيادية وشبه السيادية. وأظهرت البيانات أن مشتريات الصين من الذهب واصلت الارتفاع، في وقت تسعى بكين إلى تنويع احتياطياتها بعيدًا عن الأصول المقومة بالدولار، في ظل مخاطر العقوبات وتسييس النظام المالي العالمي. وكثفت بكين سعيها للسيطرة على أصول المعادن النفيسة من المنبع، لا الاكتفاء بشرائها من الأسواق المفتوحة. وآخر هذه التحركات ما أعلنته شركة سولغولد البريطانية، التي تركز عملياتها في الإكوادور، بشأن عرض استحواذ محسن تقدمت به شركة جيانغشي للنحاس الصينية، يقدر قيمة شركة تعدين الذهب والنحاس بنحو 842 مليون جنيه إسترليني (ما يعادل 1.13 مليار دولار). وقالت سولغولد، في بيان لها الجمعة الماضية، إنها تميل إلى التوصية بالعرض الجديد، في حال تقدمت جيانغشي للنحاس بعرض رسمي بهذه الشروط، في خطوة تعكس تصاعد المنافسة العالمية على أصول المعادن الاستراتيجية، وفي مقدمتها الذهب والنحاس. ويبلغ العرض الجديد 28 بنسا للسهم، وهو المقترح الثالث من الشركة الصينية للاستحواذ على سولغولد، ويمثل زيادة بنحو 7.7% عن عرضها السابق الذي رفض الشهر الماضي.

وتندرج هذه الصفقة ضمن سباق عالمي متسارع لتأمين إمدادات النحاس والذهب، في وقت تتوقع الأسواق ارتفاع الطلب على المعادن المرتبطة بالتحول التكنولوجي، لا سيما مع توسع الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية. وتدفع هذه التوقعات شركات التعدين الكبرى إلى ضخ مليارات الدولارات في صفقات استحواذ، في محاولة للسيطرة على أصول طويلة الأجل قبل اشتداد المنافسة، بحسب رويترز. وسيمنح الاستحواذ شركة جيانغشي للنحاس (التي تمتد أنشطتها خارج الصين وهونغ كونغ إلى مناطق مثل بيرو وكازاخستان وزامبيا) السيطرة على مشروع كاسكابيل الرئيسي التابع لسولغولد في مقاطعة إمبابورا بالإكوادور، والذي يضم أحد أكبر مكامن الذهب والنحاس غير المطورة في أميركا الجنوبية. ويرى محللون أن الصين لم تعد تكتفي بتكديس الذهب، بل تسعى للسيطرة على إنتاجه، بما يمنحها مرونة أكبر في إدارة احتياطياتها، وقدرة أعلى على مواجهة الصدمات المالية العالمية، خاصة في حال تصاعد النزاعات التجارية أو المالية مع الغرب.

سباق عالمي 

ولا يأتي التحرك الصيني في فراغ، بل في سياق سباق عالمي أوسع على الأصول الحقيقية، وفي مقدمتها الذهب. فمع ارتفاع مستويات الدين، وتراجع الثقة في العملات الورقية، تتجه الدول الكبرى إلى تعزيز حيازتها من المعادن النفيسة، لكن الصين تبدو الأكثر تنظيمًا وجرأة في هذا المسار، عبر الدمج بين الشراء والاستحواذ والإنتاج. وفي المقابل، تراقب دول غربية هذا التوسع الصيني بقلق متزايد، خصوصا في كندا وأميركا اللاتينية، حيث تتزايد المخاوف من انتقال السيطرة على موارد استراتيجية إلى أطراف خارج المنظومة الغربية. وواصل بنك الشعب الصيني تعزيز احتياطياته من الذهب خلال العام الجاري بوتيرة منتظمة، في مسار شراء شهري متواصل يعكس تحولا استراتيجيًا في إدارة الأصول الاحتياطية. ووفق البيانات الرسمية، أضاف البنك المركزي الصيني كميات جديدة من الذهب حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2025، لترتفع احتياطياته المعلنة إلى نحو 74.1 مليون أونصة، أي ما يعادل قرابة 2300 طن، ما يضع الصين ضمن أكبر حائزي الذهب رسميا على مستوى العالم.

ويأتي هذا التوسع في وقت تتسم الأسواق المالية العالمية بارتفاع مستويات عدم اليقين، وتقلبات أسعار الفائدة، وتراجع الثقة طويلة الأجل في العملات الورقية، لا سيما في ظل بيئة دولية مشحونة بالتوترات الجيوسياسية والعقوبات المتبادلة. وقال محللون إن استمرار مشتريات البنك المركزي، بالتوازي مع توسع الشركات الصينية في الاستحواذ على مناجم الذهب بالخارج، يعكس رؤية صينية متكاملة تهدف إلى الجمع بين تكديس الاحتياطي وتأمين الإنتاج من المنبع، بما يعزز قدرة الصين على مواجهة الصدمات المالية المستقبلية ويعيد رسم موقع الذهب داخل منظومتها النقدية والاقتصادية. وتشير صفقات الصين في البرازيل وكندا، بجانب مشترياتها المكثفة من الذهب هذا العام، إلى إعادة رسم تدريجية لخريطة السيطرة على الذهب عالميا. فبكين لا تراهن على الأسعار فقط، بل على الامتلاك طويل الأجل للأصول، في رهان استراتيجي يعكس تحول الذهب من مخزن للقيمة إلى أداة نفوذ اقتصادي وجيوسياسي.

المساهمون