زيادة رواتب العسكريين في ليبيا تفجّر مطالبات واسعة برفع الأجور
- بعد زيادة رواتب الجيش، طالبت قطاعات أخرى مثل الصحة والمخابرات والعدل بزيادات مماثلة. رفضت نقابة موظفي العدل تشكيل لجنة لدراسة آلية التنفيذ، معلنة اعتصامًا سلميًا حتى تنفيذ القانون بالكامل.
- يحذر الخبراء من أن زيادة الرواتب دون إصلاحات اقتصادية شاملة لن تحسن المعيشة، وقد تؤدي إلى ارتفاع الطلب على السلع المستوردة، مما يضغط على سعر الصرف ويزيد التضخم، مع تحذير مصرف ليبيا المركزي من عجز محتمل في مخصصات الرواتب بحلول 2026.
تحولت زيادة رواتب العسكريين في ليبيا إلى شرارة لموجة جديدة من المطالبات برفع أجور العاملين في القطاع العام، إذ سارعت نقابات وموظفو وزارات وهيئات حكومية إلى المطالبة بالمساواة، في وقت يحذر فيه اقتصاديون من أن التوسع في الإنفاق على الرواتب، في ظل تراجع القوة الشرائية للدينار واستمرار الضغوط على المالية العامة، قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار، بدلاً من تحسين المستوى المعيشي للمواطنين.
واعتمد مجلس وزراء حكومة الوحدة الوطنية قراراً بزيادة رواتب منتسبي الجيش الليبي، في خطوة تأتي بعد نحو سبعة أشهر من إقرار مجلس النواب زيادات مماثلة لمنتسبي القوات التابعة لـ"القيادة العامة" في شرق البلاد. ولم يكد القرار يصدر حتى بدأت قطاعات أخرى بالمطالبة بالحصول على الزيادات نفسها، إذ طالب العاملون بوزارة الصحة برفع رواتبهم بنسبة 150%، معتبرين أن أوضاعهم المعيشية لا تقل صعوبة عن أوضاع منتسبي المؤسسات العسكرية، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية.
كما صعّد العاملون بجهاز المخابرات العامة مطالبهم بتحسين رواتبهم، فيما انضم موظفو وزارة العدل والهيئات القضائية إلى موجة الاحتجاجات، في مؤشر إلى اتساع الضغوط التي تواجهها الحكومة من مختلف مؤسسات الدولة. وأعلنت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية، الأربعاء، رفضها قرار حكومة الوحدة الوطنية تشكيل لجنة لدراسة آلية تنفيذ قانون زيادة الرواتب، معتبرة أن تشكيل لجنة جديدة يعني تأخير تنفيذ القانون بدلاً من تطبيقه.
وأكدت النقابة، في بيان، أنها ماضية في تنفيذ اعتصام سلمي، الخميس، مشيرة إلى أن الاعتصام سيستمر حتى التنفيذ الكامل لقانون زيادة رواتب موظفي العدل والهيئات القضائية، مع المطالبة بشمول موظفي وزارة العدل بالزيادات والمزايا المالية ذاتها، بما يحقق مبدأ المساواة بين العاملين. وبموجب القانون، يبلغ أعلى راتب 12 ألفاً و850 ديناراً لرتبة المشير، بينما حُدد الحد الأدنى عند 800 دينار للمستجدين في مراكز التدريب.
ولا توجد إحصاءات رسمية موحدة لأعداد العسكريين في ليبيا بسبب استمرار الانقسام المؤسسي، إلا أن تقديرات تشير إلى أن القوات التابعة للقيادة العامة في شرق البلاد تضم ما بين 30 و45 ألف عنصر، بينما يقدر عدد العاملين التابعين لوزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية بنحو 205 آلاف بين عسكريين وموظفين.
ويرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو السنين أن المشكلة لا تكمن في قيمة الرواتب الاسمية، وإنما في الانخفاض المستمر للقوة الشرائية للدينار الليبي، موضحاً أن زيادة الرواتب في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية لن تحقق تحسناً حقيقياً في مستوى المعيشة، وقال لـ"العربي الجديد" إن الموظف قد يتقاضى راتباً أعلى بالأرقام، لكنه سيجد نفسه قادراً على شراء كمية أقل من السلع والخدمات إذا استمر ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة، مشيراً إلى أن الراتب الحالي أصبح لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات الأساسية.
وأضاف أن الأولوية ينبغي أن تكون لاستقرار الاقتصاد وتعزيز القوة الشرائية للدينار، وليس الاكتفاء برفع الرواتب، لأن أي زيادة في الأجور، من دون إصلاحات اقتصادية ومالية وسياسية شاملة، ستتحول إلى زيادة اسمية لا تعكس تحسناً حقيقياً في الدخل. وأوضح أن الاقتصاد الليبي يعتمد بصورة كبيرة على الواردات، وبالتالي فإن ضخ سيولة إضافية عبر زيادة الرواتب سيرفع الطلب على السلع المستوردة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب على النقد الأجنبي، ويمارس ضغوطاً إضافية على سعر الصرف في السوق الموازية، لتعود موجة جديدة من ارتفاع الأسعار تمتص أثر الزيادة في الأجور خلال فترة قصيرة.
وتساءل: "إلى أين تتجه المالية العامة إذا استمرت الدولة في التوسع في الإنفاق على الرواتب؟"، محذراً من أن بند الرواتب أصبح يستهلك الجزء الأكبر من الإنفاق العام، فيما لا يقابله نمو في الإنتاج أو الإيرادات غير النفطية، ما يهدد بتفاقم الاختلالات المالية.
وحذر مصرف ليبيا المركزي، في أكثر من مناسبة، من الضغوط المتزايدة على المالية العامة نتيجة ارتفاع الإنفاق الجاري، ولا سيما بند الرواتب، مع توقعات بإمكانية تعرض مخصصات الرواتب لعجز بنهاية عام 2026 إذا استمرت وتيرة الإنفاق الحالية. كما يأتي القرار في ظل استمرار الضغوط على سعر صرف الدينار، إذ يبلغ السعر الرسمي للدولار نحو 6.42 دنانير، فيما يبلغ سعره في السوق الموازية نحو 8.8 دنانير، بينما يعتمد نحو 30% من سكان ليبيا على الرواتب.
وقال المحلل المالي عبد الحكيم عامر غيت إن التوسع في زيادة الرواتب، من دون تحديد مصادر تمويل مستدامة، قد يفاقم الضغوط على الموازنة العامة، خاصة في ظل استمرار ارتفاع الإنفاق الجاري واعتماد الدولة بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية. وأضاف متحدثاً لـ"العربي الجديد"، أن أي زيادة في بند الأجور يجب أن تترافق مع إصلاحات مالية وإجراءات لضبط الإنفاق، حتى لا تتحول إلى عبء إضافي على المالية العامة، وتنعكس في نهاية المطاف على معدلات التضخم وسعر الصرف.