زيادة الأجور في تركيا لن تحل أزمة التضخم

زيادة الأجور في تركيا لن تحل أزمة التضخم

03 يناير 2023
تركيا شهدت ارتفاعاً كبيرا في التضخم العام الماضي (Getty)
+ الخط -

ترقب الأتراك قرار لجنة الأجور بنسبة الزيادة السنوية على الحد الأدنى للأجور، ولم تخيب اللجنة آمالهم حين قررت رفع الحد الأدنى إلى 8500 ليرة تركية (455 دولاراً)، وبذلك ارتفع بنسبة تقارب 55% بالمقارنة مع مستوى الأجور عام 2022، وكما عبر الرئيس رجب طيب أردوغان فإنّ نسبة رفع الحد الأدنى للأجور التي أقرت تصل لـ100% مقارنة بيناير/ كانون الثاني 2022 و54.6% مقارنة بيوليو/ تموز 2022، و74% على أساس سنوي.

ورغم الأثر السلبي لهذا الرفع على عالم الأعمال والموازنة العامة للدولة، فقد أقرت الحكومة الزيادة، بل أكد أردوغان أنه يمكن أن تتبعها زيادات أخرى إذا لزم الأمر، كما أكد أن مسؤولية الحكومة هي ضمان التوصل إلى النتيجة الأسلم والأكثر مراعاة واستدامة للبلاد والشعب، وشدد على أنّ حكومته لا ترضى أن تُهضم حقوق العمال ولا بالإضرار بمستوى التوظيف من خلال وضع عبء لا يمكن تحمله من قبل أرباب العمل، لكنّها في الوقت نفسه تعمل على حماية الأسر من ارتفاع معدلات التضخم.

ارتفاعات قياسية لمعدل التضخم

شهدت تركيا خلال العام الماضي سلسلة متصاعدة من الارتفاع في معدلات التضخم حتى بلغ المعدل السنوي 85.51%، في أكتوبر/ تشرين الأول، في أعلى مستوى له منذ العام 1997، وذلك كنتيجة طبيعية للانخفاض الحاد في قيمة الليرة التي تهاوت في نهاية العام الماضي من 11 ليرة لكل دولار إلى ما يزيد عن 18.60 ليرة للدولار الواحد بنهاية 2022 ، وهو الأمر الذي أشعل تكاليف الإنتاج وبالتالي الأسعار النهائية.

كما أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي بنسب كبيرة ومتتالية يزيد من إجمالي الاستهلاك، وهو الأمر الذي يزيد من اشتعال التضخم، ولكن من المؤكد أنه بنسب أصغر كثيرا مما سببه انخفاض الليرة، خاصة أن إجمالي الاستهلاك تأثر نسبيا مع تآكل القدرات الشرائية لعموم المواطنين بسبب التضخم.

بالإضافة إلى موجة التضخم العالمية التي تضرب أرجاء المعمورة حاليا، كنتيجة لتداعيات إغلاق كورونا وما تبعها من أزمات سلاسل التوريد وارتفاع أسعار الطاقة ثم الحرب في أوكرانيا، وهو الأمر الذي يعني أن تركيا تعاني من موجة تضخمية النسبة الكبرى من أسبابها يعود لانخفاض الليرة، ونسبة أخرى أصغر كثيرا تعود للظروف العالمية، ولعل ذلك ما يفسر الاهتمام الكبير من الدولة التركية بمواجهة الآثار السلبية لهذه الظاهرة على عموم الشعب مؤقتاً من خلال الحد الأدنى للأجور حتى تلوح في الأفق حلول أخرى يمكن الاعتماد عليها في إحداث نتائج فارقة.

تركيا تخالف العالم وتخفض الفائدة

فطنت الإدارة التركية مبكراً للآثار السلبية لنهج رفع أسعر الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية والتي أقبلت عليها معظم البنوك المركزية حول العالم، فمنذ أكثر من عام وحتى قبل اشتعال فتيل التضخم الحاد في تركيا خاض أردوغان حرباً ضروساً ضد معدل الفائدة مستهدفاً خفضه إلى خانة الآحاد، وهو الأمر الذي دفعه لإقالة ثلاثة محافظين للبنك المركزي، ثم القبول بالانخفاض الحاد المستمر لسعر الصرف مع كلّ تخفيض يجريه المركزي، وتحدي كلّ اللغط المحلي والدولي حول تلك السياسة.

اقتصاد دولي
التحديثات الحية

وأخيراً، تحقق المراد التركي في نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي عندما خفض البنك المركزي سعر الفائدة 1.5% على عمليات إعادة الشراء (الريبو) لأجل أسبوع، ليصبح 9%، وشدد بيان للبنك المركزي على أنه سيواصل بحزم استخدام جميع الأدوات المتاحة له حتى تظهر مؤشرات قوية على انخفاض دائم في التضخم ويتم تحقيق هدف 5% على المدى المتوسط، بما يتماشى مع الهدف الرئيسي المتمثل في استقرار الأسعار.

وتهدف الإدارة التركية من وراء خفض الفائدة إلى إتاحة المزيد من الأموال للمستثمرين المحليين بأسعار فائدة معقولة، وهو الأمر الذي سيخفض كلفة الإنتاج من جهة، ومن أخرى سيضمن تحفيز المنتجين المحليين على التوسع في الأنشطة الإنتاجية بما يضمن استمرار طفرة معدلات النمو الإنتاجي وما تصاحبها من قفزات في معدلات نمو الصادرات والتي تشير التقديرات إلى بلوغها 300 مليار دولار بنهاية 2022 متجاوزة حتى توقعات الحكومة نفسها والتي كانت تضع منذ عامين فقط 250 مليار دولار كهدف استراتيجي تسعى لتحقيقه بنهاية عام 2023.

مشكلة تعاظم الفجوة التمويلية

لم تعلن الحكومة التركية أن رفعها المستمر للحد الأدنى للأجور سيؤدي إلى خفض التضخم، بل إنها تعرف جيدا أن تلك السياسات ربما تزيد من القوة الشرائية التي من المؤكد أنها ستضغط على معدلات التضخم المحلية، ولكن حرصها على مساندة مواطنيها في مواجهة موجات التضخم الحالية جدير بلفت الانتباه، بل والإشادة به كدور يجب على حكومات الكثير من الدول الاقتداء به مهما كانت تكاليفه، فالدور الأول للحكومات هو رفع الضغوط عن كاهل مواطنيها.

كما تعرف الحكومة التركية أيضاً أنها رغم ما تحققه من نجاحات على عدة مستويات وفي مقدمتها معدلات النمو وزيادة الصادرات وأعداد السياح، فان لديها العديد من التحديات التي يجب مواجهتها بشجاعة، وفي مقدمتها استمرار انخفاض العملة المحلية، الذي يعطي انطباعا سلبيا خاطئا عن مجمل الأداء الاقتصادي للدولة.

اقتصاد دولي
التحديثات الحية

كما أنها تعرف أن السبب الرئيس لانخفاض الليرة يعود إلى تعاظم الفجوة التمويلية بالنقد الأجنبي، فعلى الرغم من نجاحها في إحداث خفض كبير لعجز الميزان الجاري، وزيادة في الاستثمارات الأجنبية المباشرة، إلا أن تزايد مدفوعات خدمة الديون على الحكومة علاوة على استفحال ديون القطاع الخاص قصيرة الأجل والمستحقة السداد خلال عام واحد فقط والبالغة بنهاية العام الماضي نحو 137 مليار دولار تقريباً، كلها عوامل من المؤكد استمرارها خلال الفترة القادمة، الأمر الذي يعني ببساطة أنّ انخفاض الليرة مستمر أيضاً ما بقيت تلك العوامل.

ولأنّ انخفاض الليرة يشكل أكثر من 70% من سلة التضخم الحالية، فإنّ من الواجب على الحكومة البحث في حلول لتلك المشكلة، وأن تتنوع تلك الحلول ما بين الأجلين القصير والطويل، بالإضافة إلى أنّ حلّاً واحداً أو اثنين لن يجديا نفعاً، فالأمر يحتاج حزمة من الحلول تطبق بالتوازي وفي أقصر مدة ممكنة حتى تعطي الأثر المطلوب، ولعله من المبشرات أن تتدفق موارد مالية نحو الدولة التركية تقارب 50 مليار دولار خلال الأشهر الماضية، وهي تقارب ثلث الفجوة، وإذا تحمل احتياطي البنك المركزي الثلث الثاني منها، فإنه ليس من الصعوبة بمكان توفير الثلث الأخير، عبر أدوات مثل الصكوك الإسلامية أو حتى السندات الدولية، وتجدر الإشارة هنا إلى وجوب تعميق المكون المحلي للصادرات التركية وتوفير السيولة المالية والنقدية لذلك.