زهران ممداني... اشتراكي في قلب الرأسمالية يغازل جيوب سكان نيويورك

03 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:27 (توقيت القدس)
زهران ممداني في ختام تجمع انتخابي، نيويورك 26 أكتوبر 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الانتخابات العامة لعمدة نيويورك: يتنافس زهران ممداني، كيرتس سيلوا، وأندرو كومو في الانتخابات، حيث يتصدر زهران استطلاعات الرأي بفضل رؤيته الاقتصادية التي تركز على العدالة الاجتماعية ودعمه للفقراء.

- أهمية نيويورك الاقتصادية: تُعتبر نيويورك مركزاً مالياً عالمياً، تواجه تناقضات بين ثراء بعض سكانها وضغوط المعيشة. يقترح زهران تجميد الإيجارات وبناء وحدات سكنية ميسورة، بينما يفضل منافسوه سياسات مختلفة.

- السياسات الاجتماعية والاقتصادية: يركز زهران على خدمات عامة مثل رعاية الأطفال المجانية وحافلات مجانية، بينما يركز منافسوه على الأمن. يقترح زهران رفع الضرائب على الأثرياء لتمويل وعوده.

تُجرى غداً الثلاثاء الانتخابات العامة لعمدة نيويورك، بعد فترة تصويت مبكّر امتدت من 25 أكتوبر/تشرين الأول إلى 2 نوفمبر/تشرين الثاني. وتشهد الانتخابات صراعاً محتدماً بين المرشحين الثلاثة؛ زهران ممداني والجمهوري كيرتس سيلوا والمستقل أندرو كومو، وكل منهم يلعب ورقته الاقتصادية، فالمال وحده من يقنع الصوت، والناخب قبل أن ينظر لوول ستريت يتحسس جيبه إذ تطل منه الدولارات.

ويتقدم زهران استطلاعات الرأي بفضل رؤيته الاقتصادية وقربه من المواطن واهتماماته وهو الذي ينتمي إلى الجناح الاشتراكي داخل الحزب الديمقراطي، ويُعرف بدفاعه الصريح عن العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وبتبنيه قضايا الفقراء والمهمشين والمهاجرين. ويصف نفسه بأنه "اشتراكي ديمقراطي"، ويؤمن بأن الدولة يجب أن تلعب دوراً أساسياً في ضمان السكن والتعليم والرعاية الصحية بوصفها حقوقاً لا امتيازات.
وعرف زهران بالعمل على الدفع بمشاريع إصلاحية جريئة، منها توسيع خدمات الإسكان العام وتقييد نفوذ شركات العقار الكبرى. فهو يمثل جيلاً جديداً من السياسيين الذين يستلهمون تجربة بيرني ساندرز وحركة "العدالة للجميع"، ويعملون على ترجمة الاشتراكية إلى حلول واقعية تعيد الاعتبار للمواطن العادي في وجه سلطة رأس المال.
ودخل زهران دائرة الضوء لأنّ الانتخابات تخصّ مدينة لا تشبه باقي المدن، نيويورك يقطنها أكثر من 8.4 ملايين نسمة يجعلها محط اهتمام شعبي، فما بالك إذ كانت أكبر اقتصاد حضري في الولايات المتحدة. ووفق بيانات مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي، فالناتج المحلي الإجمالي لمنطقة نيويورك الإحصائية المجمعة حوالى 2.608 تريليون دولار في عام 2023. أما بالنسبة لمدينة نيويورك نفسها، فقد بلغ ناتجها المحلي الإجمالي 1.43 تريليون دولار، رقم يفوق اقتصادات دول عديدة.

أهمية نيويورك اقتصادياً وتناقضاتها

تظلّ نيويورك كما يصفها الخبراء مدينة تقوم على توازن دقيق بين المال والسياسة، مدينة تعتمد على ضرائب أصحاب الدخول العليا في تمويل الخدمات، لكنها أيضاً موطن الطبقة العاملة والمهاجرين. في مؤشرات المراكز المالية العالمية تتربع نيويورك على القمة، وليس غريباً أن تجد بين جنباتها وفي قلبها وول ستريت وبورصة نيويورك وبورصة ناسداك (أكبر بورصة تعمل على أساس الشاشات الإلكترونية، وتضمّ في الغالب شركات تكنولوجية)، ومركز نيويورك المالي العالمي، وبنك الاحتياطي الفيدرالي وجي بي مورغان. وهنا تكمن أهمية المدينة من الناحية الاقتصادية لدرجة اعتبارها قلب العالم المالي، إذا اشتكى منها عضو تداعت له باقي المراكز المالية. فهي تدير ميزانية بلدية تقارب 116 مليار دولار للسنة المالية 2026، فيما تحمل شريحة الـ1% الأعلى دخلاً نحو 48% من عبء ضريبة الدخل الشخصي للمدينة في 2021. هذه أرقام تفسّر الزخم حول منصب العمدة، فأي قرار ضريبي أو إنفاقي ينعكس فوراً على المدارس، والنقل، والخدمات.
نيويورك هي أيضاً المدينة التي تضم أكبر عدد من أصحاب الثروات في العالم، فوفق "فوربس" تحتضن 123 مليارديراً في عام 2025، إلى جانب مئات آلاف المليونيرات بحسب تقارير الثروة العالمية، فيما تعاني فئات واسعة من ضغط تكاليف السكن والمعيشة. هذا التناقض يجعل سياسات تكلفة المعيشة قلب البرنامج الاقتصادي لأيّ مرشح.

الإيجار والإسكان

يشكل المستأجرون الأغلبية في نيويورك، ويعيش أكثر من مليونين منهم في شقق ذات إيجار مستقر، ينبغي أن تكون هذه المنازل أساس الأمان الاقتصادي للطبقة العاملة في المدينة. بدلاً من ذلك، استغل إريك آدامز العمدة السابق كل فرصة للضغط على المستأجرين، إذ قام المعينون منه في مجلس إرشادات الإيجار برفع الإيجارات على الشقق المستقرة بنسبة 12.6%.
وتفوق زهران ممداني في محور الإيجار والسكن على منافسيه فهو يمنح راحة فورية للمستأجرين عبر التجميد وبناء عام مكثّف، بينما كومو يعد بتسريع المعروض ضمن القواعد القائمة، وسليوا يفضّل تحرير كلفة المُلاك لتنعكس وفق رؤيته على المستأجرين.
زهران ممداني انطلق من فرضية "نيويورك مكلفة جداً"، ويعِد بتجميد الإيجار فوراً للشقق المستقرة إيجاراً، مع بناء 200 ألف وحدة ميسورة خلال عشر سنوات، وتشديد تطبيق القوانين على "الملاك السيّئين". قوة هذا التعهد أن الإيجار يطاول الأغلبية فالوحدات المؤجرة تمثل 68.1% من المخزون السكني في 2023، والشقق المستقرة تشكل نحو 41% من سوق الإيجار، أي أن قرار مجلس إرشادات الإيجار يصيب ملايين المستأجرين. وللتذكير، صوّت المجلس لزيادات قدرها 2.75% لعقود السنة الواحدة و5.25% لعقود السنتين (2024 - 2025)، ثم 3% و4.5% (2025 - 2026)، مع تقديرات مدنية تشير إلى زيادات تراكمية بنحو 12.6% خلال أربع سنوات من عهد آدامز.

بينما أندرو كومو يعارض "التجميد" خياراً أول، ويميل إلى تسريع العرض عبر تمويلات وصفها بـ "مبدِعة"، تقوم على تصفية تراكُم ملفات الإسكان في دائرة الحفاظ والتطوير السكني والاستفادة من برامج استثمار صناديق التقاعد، وتمويل مشترك بمليارات بين المدينة والولاية، مع تعهّد بتعيين أعضاء من مجلس إرشادات الإيجار في مدينة نيويورك بدل توجيه سياسي مباشر.
بدوره، يرفض كيرتس سليوا "التجميد"، ويركّز على دعم الملاك الصغار وإصلاحات تنظيمية، إلى جانب تعديل الضرائب العقارية وخفض أعباء الأبنية المتعددة الأسر، وإحياء الشقق الشاغرة المستقرة عبر تسهيل الإصلاح، فلسفته أقرب لمقاربة مؤيدة للعرض وميل إلى كبح الضرائب لا تثبيتها.

النقل العام والحافلات

ممداني وعد بخفض الكلفة فوراً على ملايين الركاب، لكن نجاحه مرهون بتفاهم مع هيئة النقل الحضرية التي تتحكّم بها الولاية، في حين كومو وسليوا يركزان على السلامة والتنفيذ أكثر من مبدأ المجانية، لهذا يتفوق زهران في هذه النقطة بالنظر لما ينعكس على جيب المواطن. فهو وعد بحافلات مجانية وسريعة ومسارات أولوية وإشارات "تخطي الطوابير"، ومناطق تحميل مخصصة. ويستند إلى تجربة مع هيئة النقل الحضرية للحافلات المجانية على خمسة خطوط (واحد في كل مقاطعة) بين 2023 و2024.
كومو طرح مقاربة "تنفيذيّة" للنقل تقوم على إسناد إدارة المشاريع الرأسمالية للمترو لفريق إنشائي تابع للمدينة لتقليل الكلفة وتأخير الزيادات على الأجور، مع تعزيز وجود الشرطة في المترو لمكافحة الجريمة والتجاوزات والتهرّب من الدفع، في حين سليوا يتبنى نهجاً أمنياً صريحاً، تعزيز شرطة النقل، فرق متخصّصة للجريمة في المترو، وتشديد تطبيق القواعد، بالتوازي مع فرض ضرائب مالية لتخفيف كلفة التنقل بما فيها رسوم الازدحام.
من خلال مقارنة وعود المرشحين الثلاث يكون زهران قد تفوق عليهم بالقضاء على مشكلة الزمن، إذا تعهد بجعل الحافلات أسرع من خلال بناء مسارات أولوية بسرعة، وتوسيع إشارات تخطي طوابير الحافلات، ومناطق تحميل مخصّصة لمنع الوقوف المزدوج وإبقاء السيارات بعيدة عن الطريق. ويقول في برنامجه "الحافلات السريعة والمجانية لن تجعل الحافلات موثوقة وسهلة الوصول فحسب، بل ستحسن الأمان للركاب والسائقين مما يخلق خدمة عالمية المستوى يستحقها سكان نيويورك.

رعاية الأطفال والغذاء

يتبنى زهران خدمات عامة تُخفض الكلفة عند صندوق البقالة ودفعات الحضانة، بينما كومو يوسّع العرض التربوي تدريجياً، ويمنح سليوا تخفيفاً مالياً سريعاً لكن أثره الكلي أقل على فجوة الكلفة الكبيرة.
ويتفوق زهران بتعهده برعاية أطفال مجانية من 6 أسابيع حتى 5 سنوات، وشبكة متاجر بقالة مملوكة للمدينة لضبط الأسعار عبر تخفيض النفقات العامة والشراء بالجملة والتوزيع الموحّد وطرح مباشر لخفض فاتورة الأسرة. بينما كومو يدعم توسيع  الحضانة وضمان مقاعد مناسبة وتوسيع أنشطة ما بعد المدرسة، ضمن حزمة "القدرة على التحمّل" الأوسع، بينما لا يطرح سليوا شبكة بقالة عامة، بل يركّز على فرض بعض الضرائب وخفض تكلفة التنقل وإعفاء العاملين من ضريبة المدينة وهذا يتطلّب موافقة الولاية ولا يمكن التعهد به جزافاً.

ويكمن تفوق زهران في محور رعاية الأطفال في كونه يرى أن  تكلفتها هي الأعلى للعائلات العاملة في نيويورك بعد الإيجار وتدفعهم لمغادرة المدينة بمعدل ضعف معدل جميع الآخرين. ويقع العبء الأثقل على الأمهات، اللواتي يتخلين عن الوظائف المدفوعة للقيام برعاية الأطفال دون أجر. ووعد بضمان برامج عالية الجودة لجميع العائلات، والعمل على رفع أجور العاملين في مجال رعاية الأطفال و"الذين يعيش ربعهم حالياً في فقر"  لتكون مساوية لأجور معلمي المدارس العامة. وحسب زهران فإن ذلك سيعزز من تطور الطفولة المبكرة، و"يوفر المال للآباء ويحافظ على بقاء عائلاتنا في المدينة التي يسمونها بيتاً".
ويرى أيضاً أن أسعار الطعام خارجة عن السيطرة. ويقول "ما يقرب من 9 من كل 10 من سكان نيويورك إن تكلفة البقالة ترتفع على نحوٍ أسرع من دخلهم. فقط الأثرياء جداً هم من لا يشعرون بالضغط عند الدفع"، وتعهد كعمدة بإنشاء شبكة من متاجر البقالة المملوكة للمدينة تركز على الحفاظ على الأسعار المنخفضة، وليس تحقيق الأرباح، بدون الحاجة لدفع إيجار أو ضرائب عقارية.

الأمن العام

يطرح زهران دائرة للسلامة المجتمعية تُعطي الأولوية للصحة النفسية والاستجابة للأزمات ونشر مختصين في 100 محطة مترو، وتوسيع برامج الوقاية من العنف ومنع جرائم الكراهية بتمويل كبير مضاعف 800 مرة، والهدف منع العنف قبل وقوعه وإعادة تركيز دور الشرطة على مهامها الأساسية. بينما كومو وسليوا يتجهان إلى تعزيز الحضور الشرطي في المترو والشوارع، ومكافحة التهرّب من الدفع، مع تحديث البوابات والبنية التقنية. وهنا يتفوق عليهما زهران بجعل الوقاية والخدمات الاجتماعية في صدارة أمن المدينة قبل التفكير في جيب المواطن، في حين يقدّم كومو وسليوا نهجاً أمنياً مباشراً.

من يدفع الفاتورة؟

يعرض زهران تمويل وعوده عبر رفع ضريبة الشركات لتوازي نيوجيرسي 11.5% وإضافة 2% على من يتجاوز دخلهم مليون دولار، مع تشديد التحصيل وإغلاق الثغرات وإنهاء العقود دون مناقصات، في حين أندرو كومو يميل إلى تعبئة التمويل وتسريع التنفيذ من دون التعويل على زيادات ضريبية كبيرة، عبر شراكات بين المدينة والولاية وتفعيل استثمارات صناديق التقاعد، وسليوا يعد بتخفيفات وتمويلها عبر اقتطاعات وتدقيق العقود وخفض الهدر.

المساهمون