رواج تجاري غير مسبوق في إدلب بالذكرى الأولى لسقوط نظام بشار الأسد
استمع إلى الملخص
- يؤكد التجار أن الحركة التجارية بلغت مستويات غير مسبوقة، مدفوعة بالإقبال الكبير على الشراء للاحتفال بمرور عام على التحرير، مما أدى إلى استقدام شحنات جديدة من البضائع.
- يرى الخبراء أن ما يحدث في إدلب هو تحول طبيعي للمناطق الخارجة من أنظمة قمعية، حيث يعكس إطلاق الحسومات تحول السوق من اقتصاد النجاة إلى اقتصاد الحياة والرفاهية.
تشهد أسواق مدينة إدلب حراكاً تجارياً غير مسبوق، مع حلول الذكرى الأولى لتحرير سورية وسقوط نظام الأسد، بعدما أعلنت عشرات الشركات وأصحاب المحال والمولات عن إطلاق عروضات وحسومات واسعة، لتتحول شوارع المحافظة ومدنها الرئيسية إلى ما يشبه كرنفالاً اقتصادياً تتلألأ فيه الأضواء واليافطات، وسط ازدحام افتقدته المنطقة لسنوات طويلة.
في هذا السياق، يقول علي الكاسر، أحد تجار المدينة، إن هذه العروض ليست مجرد حملة تسويقية موسمية، بل تعد "احتفالاً اقتصادياً يعكس تبدل المزاج الشعبي بعد عام على انتهاء القبضة الأمنية وتحرر الحركة التجارية والانفتاح على التبادل بين المدن والريف". ويضيف في حديثه إلى "العربي الجديد" أن القدرة الشرائية ازدادت تدريجياً مع تراجع المخاوف الأمنية التي كانت تخنق حركة السوق، مشيراً إلى أن المستهلكين يعيشون للمرة الأولى منذ سنوات إحساس الشراء بلا خوف. ويوضح الكاسر أنه اتفق مع عدد من أصحاب المحال على إطلاق حسومات تصل إلى 40% لجذب الزبائن، خصوصاً بعد التحسن الأمني وفتح الطرقات بين مدن المحافظة، الأمر الذي سهّل وصول البضائع وخفّض تكاليف الشحن، ما جعل التخفيضات ممكنة دون خسائر تُذكر، مكتفين بهامش ربح بسيط.
من جهته، يؤكد عمر الرواس، صاحب محل للأدوات الكهربائية، أن الحركة التجارية خلال الأسبوع الأخير بلغت مستوى لم تشهده المدينة منذ أكثر من عشر سنوات، ويشير في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أن الإقبال الكبير دفعه لاستقدام شحنات جديدة من الأجهزة الصغيرة والأدوات المنزلية لأول مرة منذ لحظة التحرير، بعدما كان يتردد طويلاً في زيادة المخزون بسبب عدم الاستقرار خلال السنوات الماضية. ويلفت الرواس إلى أن الزبائن باتوا يبحثون عن أي فرصة للاحتفال بمرور عام على نيل البلاد حريتها، وأن مظاهر الفرح انعكست مباشرة على المبيعات، إذ يرغب كثير من الأهالي في تجديد منازلهم أو شراء أجهزة جديدة لاستقبال عام الحرية الثاني بشيء من التجديد.
ويرى أن أصحاب المحال بدورهم يشاركون هذا المزاج العام عبر تقديم حسومات مناسبة وتشجيع الزبائن على الشراء. ويضيف أن السوق يتعافى فعلياً للمرة الأولى منذ سنوات، وأن الأجواء العامة تمنح التجار دافعاً للاستمرار وتوسيع أعمالهم، مؤكداً أن المناسبة تشكل فرصة اقتصادية واجتماعية في آن واحد، فكما يحتاج الناس إلى الاحتفال، يحتاج التجار أيضاً إلى استعادة الثقة بالسوق، وهذا ما بدأ يتحقق بالفعل.
وفي أحد المولات الكبرى في وسط مدينة الدانا، شمال إدلب، تقول سمر الزين، إحدى العاملات فيه، إنهم عملوا على "تزيين المول بألوان العلم الجديد، وإطلاق حملات سحب وهدايا مجانية"، وتؤكد أن هدفهم الأساسي هو إعادة ثقة المستهلك، مشيرة إلى أن الشعور العام بالتحسن انعكس مباشرة على المبيعات. بينما يتجول وائل الحسن مع عائلته في أحد المولات الحديثة على أطراف إدلب، يقول إن العروض هذا العام ليست مجرد تخفيضات، بل فرصة لتعويض سنوات طويلة كان فيها الشراء رفاهية لا يقدر عليها أحد.
ويضيف أنه اشترى لأطفاله ملابس عيد التحرير بنصف السعر مقارنة بالمحال التي لم تطلق عروضاً مشابهة. بدورها، تشير هبة بكرو، وهي معلمة مدرسة، إلى أنها لم تشهد ازدحاماً مماثلاً منذ عام 2011، وتقول إن الأسعار ما زالت مرتفعة نسبياً مقارنة بالدخل، "لكن المنافسة بين المحال لأول مرة منذ سنوات خفّضت الأسعار بشكل ملموس، خصوصاً في الأدوات المنزلية والملابس".
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي فراس الحمود أن ما يحدث في إدلب حالة طبيعية تعيشها المناطق الخارجة من أنظمة قمعية، حيث تبدأ الأسواق بالتنفس مجدداً، ويعود التجار إلى توسيع أعمالهم دون خشية من الاحتكار أو الملاحقة الأمنية أو الانهيار المفاجئ، ويوضح أن انخفاض مستوى المخاطر وعودة الثقة بالاستقرار ساعدا التجار على تخفيض الأسعار دون الخوف من الخسارة. ويضيف في حديث لـ"العربي الجديد"، أن إطلاق الحسومات الواسعة مؤشر إيجابي يدل على تحول السوق من اقتصاد النجاة إلى اقتصاد الحياة، مشيراً إلى أن المستهلك بات يشتري للراحة والرفاهية وليس فقط للحاجة الأساسية، وهو ما لم يكن ممكناً خلال سنوات الحرب.
ويختم الحمود قائلاً إن "اليافطات الملونة، والازدحام، ورائحة القهوة التي تفوح بين المحال، جعلت إدلب تبدو وكأنها تعيش أول اختبار حقيقي للعودة إلى حياة طبيعية. فعيد التحرير هذا العام لم يكن مناسبة سياسية فحسب، بل كان موسماً اقتصادياً أعاد الأمل للتجار والأهالي، وإعلاناً بأن عاماً جديداً من الحرية قد بدأ، وأن السوق مثل الناس قادر على النهوض من جديد".