رهان تركيا على اتفاق مكة: استثمارات مرتقبة وطفرة بالصادرات الدفاعية وواردات الطاقة

12 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 05:03 (توقيت القدس)
 خلال توقيع اتفاقية الدفاع في مكة المكرمة، السعودية، 7 أغسطس 2026 (مراد تشيتينموهوردار/ ال

أظهر اتفاق مكة ما بين تركيا والسعودية وباكستان، أن أنقرة تريد إمساك العصا من المنتصف بالاقتصاد كما بالسياسة، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المفتوحة مع الشرق والغرب، وتواجدها داخل مجموعة العشرين، مؤسسة نهج الحياد الإيجابي والمحافظة على علاقات جيدة مع الأطراف المتخاصمة، كما حالها مع أوكرانيا وروسيا، وإيران والولايات المتحدة.

وتحاول تركيا، منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، عام 2003، التزام "عدم الانحياز" بعد إعلانها، وقتذاك، تصفير المشاكل مع الجوار، لتعزز حضورها بحلف شمال الأطلسي، وتستمر بالتفاوض للدخول بالاتحاد الأوروبي، وبالوقت نفسه تسعى للانتقال إلى العضوية الكاملة بمجموعة "بريكس" بعد تقديمها الطلب في سبتمبر/ أيلول 2024. لكن ما تسرّب من آفاق اقتصادية ومجالات تعاون مشترك مع السعودية وباكستان حالياً، وقد تتوسع بانضمام دول أخرى لاتفاق مكة لاحقاً، يزيد من ميول تركيا نحو الشرق والدول الإسلامية، أكثر من مساعيها نحو الغرب الذي يرفع جدار الاتحاد الأوروبي بوجهها منذ أول مساعيها للانضمام قبل 65 سنة.

ويجمع اتفاق مكة لأول مرة بين القوة المالية السعودية والتطور الصناعي التركي، بخاصة العسكري، مع القوة النووية والعسكرية الباكستانية، ما زاد احتمالات التوسع للشراكة بين الدول الثلاث في قطاعات اقتصادية تطاول الطاقة والصناعات الدفاعية والاستثمار والتجارة وسلاسل الإمداد.

ورصدت تقارير دولية عدة، منها تلك الصادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) والمعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، مسارات اقتصادية سيتمخض عنها اتفاق مكة، التي لن تنحصر بالبند الأمني الذي يشير إلى أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعتبر هجومًا على جميع الأطراف، بل سيفتح الاتفاق ستة مسارات اقتصادية تشمل: توطين الصناعات الدفاعية، وتوسيع الاستثمارات المتبادلة، وتعزيز أمن الطاقة، وتطوير الممرات التجارية وسلاسل الإمداد، وزيادة التعاون في مجالات التكنولوجيا والتصنيع المتقدم، إضافة إلى تعزيز التكامل الاقتصادي بين الاقتصادات الثلاثة، بما يدعم قدرتها على مواجهة المخاطر الجيوسياسية وتقلبات الأسواق العالمية.

وهو ما رآه مدير مركز الفكر للدراسات الاستراتيجية بإسطنبول، باكير أتاجان، فرصة للدول الثلاث، فمن خلال ضخ الاستثمارات السعودية بالصناعات الدفاعية التركية، يمكن تحقيق قفزة بتطوير الأسلحة على أنواعها، وبمقدمتها المسيّرات، وتسريع إدخال التقنيات والذكاء الاصطناعي، مؤكداً لـ"العربي الجديد" أن آثار الاتفاق ستنعكس على اقتصادات الدول الثلاث وتوسيع الصناعات العسكرية، متوقعاً بالوقت ذاته دخول دول أخرى خليجية وعربية بالاتفاق ليكون نواة لتكتل بالمنطقة يحمل جميع مواصفات القوة والاستمرارية، من مال وقوة ومساحة وأسواق الطاقة وموقع جغرافي.

دجاج حرّ يتجول في مزرعة، 18 مايو 2026 (Getty)
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

يتفق أتراك استطلعت "العربي الجديد" آراءهم، على أن بلادهم "لا شرقية ولا غربية"، بل صلة وصل بين الشرق والغرب عبر موقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية بالقارتين، آسيا وأوروبا، تاركين الأفضلية للعلاقات التجارية والسياسية والتبدلات التي تنتج من الصراعات.

وتركيا التي تسعى لعضوية كاملة بمجموعة "بريكس"، هي الوحيدة بين دول حلف "الناتو" التي استُميلت إلى تكتل اقتصادي يمكن أن ينافس الغرب ويهدد الدولار عملةً مسيطرةً على الاقتصاد الدولي، رغم ضخامة وإغراء حجم التبادل التركي مع دول حلف الشمال الأطلسي البالغ نحو 289.7 مليار دولار، وتسجيلها فائضاً تجارياً مع حلفائها البالغ عددهم 31 دولة، بصادرات بلغت نحو 150.3 مليار دولار، ما يمثل حوالى 55.9% من إجمالي الصادرات التركية إلى العالم. ويبقى الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول والأكبر لتركيا، إذ يستحوذ على أكثر من 40% من إجمالي الصادرات التركية إلى العالم. وفي المقابل، يتجاوز التبادل التجاري التركي مع مجموعة بريكس 160 مليار دولار.

يقول المحلل التركي جيواد كوك، إن اتفاق مكة تحول ونقطة بداية لتحالفات إقليمية، قد يزيد من النظرة الدولية لتوجه تركيا نحو الشرق، ولكن برأيه، ستسعى تركيا لتسويق هذا التحالف بالدول الغربية، ولن تخسر المظلة والتمويل والعلاقات مع حلف الناتو أو التبادل التجاري مع أوروبا. ويرى كوك خلال حديثه لـ"العربي الجديد" أنه رغم مطلب الدفاع المشترك بالاتفاق، إلا أن بلاده ستسعى للتسويات وسحب فتيل التوتر واستبعاد الاصطدام، معتبراً الاتفاق تكاملاً بين قوى تمتلك عوامل التحالف القوي كما "لا تتحرك تركيا من دون التنسيق مع الغرب والولايات المتحدة خاصة"، لذا لا خوف من خسارة دول الناتو أو تراجع التبادل والاستثمارات الأوروبية، مؤكداً عدم "الخلط" بين التحالفات الاقتصادية كمجموعة "بريكس" والعسكرية كـ"الناتو".

ويضيف المتحدث أن بلاده، منذ عقود، تسعى لكينونة واستقلالية، فهي تحافظ وتطور علاقاتها بروسيا والصين في الوقت الذي تنمّيها مع الولايات المتحدة، ولكن، السياسة الثابتة هي عدم الابتعاد عن المنظومة الأطلسية ضمن تسويق تركيا لازدواجية المظلة الأمنية وازدواجية المكاسب. بدوره، يرى الأكاديمي بجامعة ابن خلدون والمحلل التركي، وهبي بايصان، في حديثه لـ"العربي الجديد" أن الحرب في المنطقة ومخاطر الجغرافيا، فضلاً عن مصالح تركيا، فرضت تحالفات جديدة لا تتعارض، برأيه، مع التحالفات مع الغرب، إذ إن السعودية وباكستان مقربتان من الدول الأوروبية والولايات المتحدة.

وحول هوية تركيا السياسية والاقتصادية بعد ما يمكن وصفه بازدواجية التوجه، يصف المحلل التركي توجه بلاده بالبراغماتية متعددة الأقطاب محركها المصالح. ويركز بايصان على أن اتفاق مكة وما قد يليه من توسع اقتصادي، هو تحالف إقليمي فرضته التطورات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية، فأنقرة تعي وتحرص على العلاقات مع الدول الأوروبية التي تعتبر محركاً اقتصادياً وداعم تطورها، وبالوقت نفسه تتطلع إلى حسن العلاقات والتدفقات المالية مع السعودية والخليج والدول الشرقية، ما يعزز توجه تركيا نحو سوق عسكري وسلعي مفتوح، يعزز قطاع الطاقة ويجد خطوط إمداد بديلة.