رهان إماراتي على ميناء بديل لتجاوز مخاطر هرمز

20 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 02:06 (توقيت القدس)
دخان يتصاعد من ميناء جبل علي عقب هجوم إيراني، 1 مارس 2026 (فاضل سنا/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تسعى الإمارات لتطوير ميناء الفجيرة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، وتعزيز مرونة الاقتصاد الإماراتي من خلال شبكة نقل بديلة تربط دبي وأبوظبي ودول الخليج.
- تواجه المنطقة تحديات جيوسياسية واقتصادية تؤثر على النقل البحري، مما يدفع للتوسع في موانئ مثل خورفكان والفجيرة، لتوفير منافذ بديلة لحماية التجارة الخارجية.
- يُعتبر مشروع ميناء الفجيرة جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لتعزيز النفوذ الغربي ومواجهة التوسع الصيني، ويربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، مع نتائج ملموسة تظهر مستقبلاً.

تجري مجموعة موانئ دبي العالمية محادثات متقدمة مع حكومة الإمارات لتطوير ميناء جديد متعدد الأغراض ومحطة حاويات على الساحل الشرقي في إمارة الفجيرة المطلة على خليج عمان، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تجاوز مضيق هرمز وتقليل الاعتماد على ميناء جبل علي الذي تعرض لهجمات إيرانية، عبر بناء شبكة نقل تتفادى المضيق وتسمح بنقل الحاويات برّاً إلى دبي وأبوظبي وبقية دول الخليج العربي.
وكانت طهران قد هددت باستهداف ميناء جبل علي في دبي، رداً على هجوم أميركي استهدف أحد جسور السكك الحديدية الاستراتيجية في إيران. وشنت طهران هجمات على منطقة جبل علي التجارية في مارس/ آذار الماضي، ما أحدث حرائقَ وأضراراً بالميناء. وأكدت "موانئ دبي" رغبتها في التكيف مع الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الراهنة التي أثرت بشكل مباشر على الملاحة البحرية، حيث أوضح مسؤول في الشركة أن "هناك خططاً قيد العمل بشأن التنويع لتجاوز هذا الاضطراب"، مما يعبر عن سعي الإمارات لتعزيز مرونة اقتصادها وتحصينه ضد أي صدمات أمنية مستقبلية، بحسب ما أورد تقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز في 13 يوليو/ تموز الجاري.
وتعكس هذه الخطوة تحولاً في التخطيط الاقتصادي والبنية التحتية بالمنطقة، إذ لم تعد الموانئ والممرات الاستراتيجية تُصمم بناء على فرضية التدفق الحر والمستمر للملاحة، فيما يجري إعادة بناء البنية التحتية للشحن والطاقة في الخليج على افتراض أن إغلاق هرمز سيتكرر، بحسب تقدير للمحلل الاقتصادي، إيمون شيريديان، نشرته منصة تريدينغ فيو (TradingView)، المعنية بتحليلات الأسواق العالمية والخدمات المالية، في 14 يوليو الجاري، مشيراً إلى أن صانعي القرار تيقنوا من ضرورة إيجاد منافذ بديلة دائمة لحماية حركة التجارة الخارجية وتأمين الممرات البحرية التي تعتمد عليها الإمارات في إعادة التصدير والخدمات اللوجستية.
وتأتي المبادرة الإماراتية في وقت تشتد فيه الضغوط المالية والأمنية على قطاع النقل البحري بالمنطقة، حيث قدرت وكالة موديز للتصنيف الائتماني تراجع أرباح موانئ دبي العالمية الإجمالية من 6.6 مليارات دولار في عام 2025 إلى نحو 5.9 مليارات دولار في العام الجاري جراء النزاع المستمر.

ويدفع هذا العبء المالي المتزايد الحكومات والشركات إلى تبني حلول استراتيجية تعتمد على السواحل المفتوحة المطلة على المحيط الهندي بدلاً من نقاط الاختناق البحرية المعرضة للتعطيل. وفي هذا السياق يشير مراقبو الملاحة اللوجستية إلى أنه "مع تزايد عدم الاستقرار في مضيق هرمز، تعيد الحكومات ومشغلو الخدمات اللوجستية النظر في الوفرة والمرونة والممرات البديلة بدلا من الاعتماد على نقطة اختناق واحدة"، وهو ما يتجلى في التوسعات الهائلة المتزامنة في الموانئ المجاورة كخورفكان والفجيرة، بحسب ما أورد تقدير نشرته منصة (Splash247)، المتخصصة في شؤون النقل البحري والموانئ العالمية، في 14 يوليو الجاري.

تقليل الاعتماد على المضيق

في هذا الإطار، يشير الخبير الاقتصادي في مكتب استشارات بلندن، علي متولي، لـ "العربي الجديد"، إلى أن مشروع الميناء الإماراتي الجديد لا يمثل مجرد توسع في البنية التحتية، بل هو خطوة استراتيجية لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز ممرّاً وحيداً للتجارة والطاقة، حيث يهدف إلى خفض تكلفة المخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية. فأزمة المنطقة لا تقتصر على احتمال إغلاق مضيق هرمز فقط، وفق تأكيد متولي، بل تمتد لتشمل ارتفاع أقساط التأمين وتأخر السفن، ووجود منفذ على الساحل الشرقي خارج نطاق المضيق يمنح الإمارات مرونة أكبر ويحافظ على استمرارية التجارة خلال الأزمات، بحسب تقديره.
وإزاء ذلك، تبني الإمارات خريطة لوجستية مزدوجة تعتمد على ميناء جبل علي مركزاً رئيسياً داخل الخليج، وميناء الفجيرة منفذاً آمناً نسبياً خارج مضيق هرمز، وهو ما يعزز موقع الدولة مركزاً إقليمياً للتجارة حتى في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية، وفق متولي، مؤكداً أهمية هذا التنوع اللوجستي في ضمان استقرار سلاسل الإمداد.

وينعكس هذا التوجه بشكل مباشر على قطاع الأعمال بحسب متولي، حيث قد تلجأ شركات الشحن والتخزين والغذاء والدواء وقطع الغيار إلى نقل جزء من مخزونها أو عملياتها إلى الفجيرة لتقليل مخاطر التعطل، كما أن المشروع يمتلك القدرة على جذب استثمارات جديدة في مجالات التخزين والوقود البحري والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير، ما يخلق فرصاً اقتصادية متنوعة تدعم النمو غير النفطي.

طريق جديد

من جانبه، يؤكد أستاذ الاقتصاد في جامعة نيس الفرنسية، آلان صفا، لـ "العربي الجديد"، ضرورة النظر إلى المشروع الإماراتي الجديد ضمن إطار الصراع الأميركي الإيراني الأوسع، فهو ليس مجرد مبادرة لوجستية عابرة بل جزء من استراتيجية طويلة المدى تتجاوز حدود الحرب القصيرة الأمد، وقد تم اتخاذ القرار بشأنه قبل سنتين خلال فترة إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، وفي سياق اجتماعات مجموعة العشرين التي عقدت في الهند. ويأتي المشروع جزءاً من رؤية لطريق جديد يمتد على مدى 35 عاماً ويربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، حيث عرضت الولايات المتحدة على الهند إنشاء خط بحري منافس للصين ينطلق من الهند إلى الإمارات، ثم إلى السعودية عبر مشاريع القطاع الخاص، ومن السعودية نحو أوروبا، ما يجعل الهدف الأساسي منه تعزيز النفوذ الغربي ومواجهة التوسع الصيني في المنطقة، بحسب ما يرى صفا.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يرى صفا أن المشروع من شأنه أن يؤثر على جذب الاستثمارات الأجنبية للإمارات، لكن النتائج الملموسة لن تظهر إلا بعد مرور عدة سنوات من التنفيذ، ما يستلزم وجود نقطة استقرار في الشرق الأوسط بين إسرائيل وجميع البلدان التي ستمتد عبرها هذه الشبكة اللوجستية لضمان نجاحها واستدامتها. أما بالنسبة لأهمية الميناء بحد ذاته، فيؤكد صفا أنه يحمل قيمة مضافة ويوفر مخرجاً إضافياً لدول الخليج يعزز الانفتاح التجاري، لكنه لا يحل محل مضيق هرمز تماماً، وفق تقديره. وبما أن المشروع يحتاج إلى سنوات عديدة لإظهار نتائجه، فلا يمكن اعتباره حلّاً سريعاً أو طارئاً للأزمة الحالية في منطقة الخليج، وبالتالي فهو مشروع استثمار مستقبلي، بحسب ما يخلص صفا.