رسوم ترامب تهدد الصناعة الأوروبية والعرب خارج المعادلة
استمع إلى الملخص
- تواجه صناعة الأدوية العالمية أزمة هيكلية بسبب ضغوط اقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة والبحث والتطوير، مما يؤدي إلى نقص في الإمدادات وتهديد استدامة القطاع.
- تعتمد الدول العربية بشكل كبير على استيراد الأدوية، ويُقترح تنويع مصادر الاستيراد واعتماد سياسات تسعير ذكية لمواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار.
ضربة جديدة تواجهها صناعة الأدوية حول العالم، حيث أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة الماضي، جولة جديدة من التعرفات الجمركية تشمل فرض رسوم بنسبة 100% على الأدوية ذات العلامات التجارية أو الحاصلة على براءات اختراع اعتباراً من الأول من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ما لم تكن الشركات المصنعة تشيد مصانع لها في الولايات المتحدة.
وركز القرار على الأدوية ذات العلامات التجارية أو التي تحميها براءات اختراع أو غيرها من حقوق الملكية الفكرية، ما يمنع منافسة الأدوية الجنيسة (المكافئة) حتى انتهاء هذه الحماية. ووفق ترامب فإن تلك التعرفات الجمركية ستحفز شركات الأدوية إلى نقل عمليات التصنيع للولايات المتحدة. وجاء فرض تلك الرسوم الباهظة رغم إعلان شركات عالمية منها أسترازينيكا وسانوفي خفض أسعار عدد من أدويتهما في الولايات المتحدة، استجابةً لضغوط من ترامب لتقليل التكلفة على المرضى.
كما أعلنت شركة الأدوية الأميركية، إيلي ليلي، أنها ستستثمر خمسة مليارات دولار لتشييد مصنع ضخم في ولاية فيرجينيا، ليكون الأول ضمن أربعة مصانع جديدة تخطط الشركة لتدشينها في الولايات المتحدة. وخصصت شركات منها، أسترازينيكا، وروش، وغلاكسو سميث كلاين، وجونسون آند جونسون، مليارات الدولارات للاستثمار في القدرات التصنيعية والبحثية داخل أميركا. قرار ترامب الأخير يعمق أزمة صناعة الدواء العالمية التي شهدت في الآونة الأخيرة سلسلة من الاضطرابات المتشابكة. أججها قرار فرض رسوم جديدة عليها، مما ينذر بمرحلة صعبة قد تترك آثارها في مختلف القارات، بما في ذلك المنطقة العربية.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، حيث إن الرسوم الأميركية على الأدوية تهدد صناعة الأدوية الأوربية، كما تهدد بإلغاء 3.1 مليارات دولار من صادرات سنغافورة، وقال نائب رئيس الوزراء ووزير التجارة في سنغافورة، غان كيم يونغ، السبت الماضي، إن شركات الأدوية في البلاد تسعى للحصول على توضيحات بشأن ما إذا كانت ستُمنح إعفاءً من الرسوم الجمركية الباهظة التي فرضتها الولايات المتحدة على منتجاتها.
ضغوط على الشركات الكبرى
المعادلة أصبحت أكثر تعقيداً مع تصاعد ضغوط التسعير في بريطانيا، واستمرار النقص في فرنسا، والتسريحات الضخمة في الدنمارك، وصولاً إلى الرسوم الجمركية الأميركية التي ستصيب المصانع التي لا توجد في الولايات المتحدة. وفي هذا السياق أكد الرئيس التنفيذي لدار الدواء العالمية الأردنية، خالد حرب، لـ"العربي الجديد" أن أزمة الدواء العالمية الراهنة ليست أزمة ظرفية، بل أزمة هيكلية تتجلى في ضغوط اقتصادية على الشركات الكبرى التي تواجه ارتفاع تكاليف الطاقة والبحث والتطوير، وفي نقص تشغيلي لأدوية أساسية حتى في أسواق متقدمة مثل فرنسا، إضافة إلى بُعد سياسي جعل الدواء ورقة ضغط في ما وصفه بـ"التسليح التجاري"، كما ظهر في الرسوم الأميركية الأخيرة على الصادرات الأوروبية.
وأكد الطبيب النفسي أنطوان بيلسولو، رئيس قسم في مستشفى هنري موندو في كريتاي، لصحيفة لوفيغارو الفرنسية أن الأسواق الأوروبية تشهد نقص الكثير من الأدوية. ونقلت الصحيفة عن خبراء أن أسباب أزمة الندرة التي تعرفها أوروبا تعود إلى عدة عوامل، أبرزها: اعتماد 80% من المواد الفعالة على مصانع آسيوية، وزيادة الاستهلاك العالمي بفعل شيخوخة السكان وتوسع أنظمة الضمان الصحي. كما حذرت الصحيفة من أن هذه النواقص لم تعد تقتصر على فرنسا، بل هي ظاهرة عالمية.
أزمة الأسعار والإمدادات
الكثير من الخبراء الذين تحدثوا في الإعلام الفرنسي اعتبروا أن وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الحكم زاد الضغوط على أسواق الدواء الأوروبية. فاعتماد قاعدة "الأمة الأكثر تفضيلاً"، التي تمنع أن يكون سعر الدواء في الولايات المتحدة أعلى من السعر الأدنى عالمياً، "قد يدفع المختبرات إلى التضحية بالسوق الفرنسية والأوروبية للحفاظ على السوق الأميركية الأكبر والأكثر ربحية". فضلاً عن تهديدات ترامب الأخيرة بفرض رسوم جمركية بنسبة 100% على الأدوية المستوردة التي تنتجها شركات لم تلتزم ببناء مختبرات جديدة في الولايات المتحدة حتى الأول من أكتوبر المقبل.
وأوضحت صحيفة فاينانشال تايمز في 10 سبتمبر/أيلول أنّ بيئة التسعير الصارمة والضرائب في إنكلترا جعلت الشركات الدوائية أكثر تردداً في الاستثمار. وبرز ذلك حين ألغت الشركة الدوائية الأميركية ميرك مشروعاً بحثياً بقيمة 1.3 مليار دولار في كينغز كروس، فيما أرجأت شركة أسترازينيكا مشروعاً في كامبريدج. هذه القرارات لم تكن سوى إشارة واضحة إلى أن سياسة التسعير الحكومية تهدد جاذبية المملكة المتحدة وجهة بحثية واستثمارية في قطاع يُفترض أنه استراتيجي.
أما على مستوى نقص الإمداد فقد سجّلت الوكالة الفرنسية لسلامة الدواء نحو 3825 حالة انقطاع للأدوية في 2024، مقابل حوالي خمسة آلاف في 2023 وأقل من ألف في 2018.
وهنا أشار الباحث والخبير في سوق الدواء والرعاية الصحية، محمد توفيق، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ سياسات التسعير غير المتناسبة مع تكاليف الإنتاج والاستيراد تُضعف استدامة قطاع صناعة الدواء محلياً، وتدفع بعض الشركات إلى وقف التصنيع أو الاستيراد، بما يفاقم هشاشة الأمن الدوائي ويرفع الأعباء على المواطنين والمؤسسات الصحية.
"نوفونورديسك" تطمئن
في 10 سبتمبر/أيلول اتخذت نوفونورديسك (شركة أدوية دنماركية متعددة الجنسيات تتخذ من كوبنهاغن مقراً لها) خطوة صادمة، إذ أعلنت تسريح تسعة آلاف موظف، نصفهم تقريباً داخل الدنمارك. وبررت الشركة القرار برغبتها في توفير 1.28 مليار دولار سنوياً بحلول 2026 بعد أن فقدت أكثر من نصف قيمتها السوقية خلال عام. مما ولّد مخاوف من نقص الإمدادات في الأنسولين الذي تعد شركة نوفونورديسك الأكثر إنتاجاً وتوزيعاً له.
واتصلت "العربي الجديد" بشركة نوفونورديسك للاستفسار حول قرار تخفيض موظفيها، وأوضحت الإدارة في مراسلة لها أن عدد المسرحين شمل كل نقاطها في العالم وبلغ عددهم تسعة آلاف، ورفضت أن تشارك تفاصيل إضافية سواء تعلق الأمر بالنقاط أو المواقع التي شمل موظفيها الفصل من باب احترام الخصوصية. وأشارت "نوفونورديسك" في مراسلتها الموجهة إلى "العربي الجديد" إلى أن عملية التسريح ستستغرق وقتاً. ونفت أن يكون لخفض عدد الموظفين تأثير على إنتاجها أو توزيعها للأدوية، ولا سيما الأنسولين بحكم أنها المصنّع الأول في العالم وتغطي ما يقارب 50% من احتياجات العالم، وأنتجت العام الماضي فقط 800 مليون قلم أنسولين.
هذه التطورات المتزامنة تكشف عن أزمة هيكلية في صناعة الدواء العالمية. فبحسب تقرير الوكالة الأوروبية للأدوية الصادر في 20 أغسطس/آب الماضي، فإن 65% من حالات نقص الأدوية في الاتحاد الأوروبي تعود إلى اعتبارات اقتصادية متعلقة بالتسعير وليس إلى مشكلات إنتاجية بحتة. كما حذرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في يوليو/تموز الماضي من أن الاعتماد على التصنيع في آسيا لبعض المواد الجنيسة والمركبات الأساسية يجعل أوروبا عرضة لصدمات متكررة في سلاسل الإمداد.
وكشفت دراسة أعدها الاتحاد الفيدرالي للمستهلكين في فرنسا بعنوان "صناعة الأدوية مهددة تحت الضغط" أن أسعار الأدوية الجديدة "لا تُحدد وفقاً لتكاليف البحث أو التصنيع، بل بحسب ما يمكن أن تدفعه الدول"، بينما حذرت أكاديمية العلوم الفرنسية في تقريرها عام 2023 من أن التكاليف المرتفعة للأدوية "تثير القلق بشأن المساواة في الوصول إلى العلاج".
تداعيات عربية
أما ما يخص المنطقة العربية، التي تعتمد بنسبة تفوق 80% على استيراد الأدوية من أوروبا وأميركا فقد أوضح توفيق أنّ الدول العربية تواجه خطراً متزايداً لنقص الأدوية الأساسية وارتفاع أسعارها، مرجعاً ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية: الاعتماد الكبير على الاستيراد، حيث إن نحو 95% من المواد الفعّالة تُنتَج خارج المنطقة، خصوصاً في الصين والهند، واضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وتذبذب أسعار الصرف في دول لا تربط عملاتها بالدولار. وقالت منظمة الصحة العالمية عبر مكتبها الإقليمي في شرق المتوسط، في تقرير بعنوان "تسريع الوصول إلى المنتجات الطبية في إقليم شرق المتوسط" الصادر هذا العام، إن معظم دول المنطقة تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الأدوية، وهو ما يجعلها عرضة لاضطرابات متكررة في سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الدواء بالنسبة للمستهلكين.
وفي هذ الصدد أشار حرب إلى خطورة الأزمة، مبيناً أن الدول العربية تواجه معضلة مزدوجة، فمنها من يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد مع ضعف واضح في آليات ضبط الأسعار، ما يجعلها عرضة مباشرة للصدمات العالمية، ومنها من يمتلك صناعة أدوية جنيسة جيدة، لكنها لا تكفي لتحقيق أمن دوائي حقيقي، لكنه لفت إلى أن مثل هذه الأزمات تمثل فرصة للدول العربية لبناء سياسة إقليمية مشتركة في مجال الدواء، بما يحقق الأمن الصحي لشعوبها ويقلل من الاعتماد المفرط على الأسواق العالمية.
ولمواجهة هذه الأزمة دعا حرب إلى تبني خطوات واضحة، أبرزها تنويع مصادر الاستيراد بالانفتاح على أسواق بديلة مثل الهند وتركيا وأميركا اللاتينية، واعتماد سياسات تسعير ذكية تربط أسعار الأدوية الأساسية بآليات إقليمية لتقليل أثر الرسوم والتقلبات، فضلاً عن إنشاء صناديق دعم دوائي تمكّن الدول من التدخل وامتصاص جزء من ارتفاع الأسعار، خصوصاً في الأدوية المنقذة للحياة.