رسوم ترامب تضع صناعة السيارات البريطانية في قلب العاصفة التجارية

20 يناير 2026   |  آخر تحديث: 18:33 (توقيت القدس)
ميناء ألكسندرا، إنكلترا، 28 يونيو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأثرت صناعة السيارات البريطانية بشكل كبير بسياسة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مما زاد من تعقيد الصراع الجيوسياسي والتجاري، خاصة وأن الولايات المتحدة تعد أكبر سوق خارجية للسيارات البريطانية.
- تعتمد شركات السيارات في المملكة المتحدة على سلاسل توريد عالمية، مما يضاعف تأثير الرسوم على مُدخلات الإنتاج، رغم أن الاقتصاد البريطاني يعتمد بشكل أكبر على صادرات الخدمات.
- تواجه الصناعة تحديات كبيرة في ظل المنافسة الدولية، خاصة في قطاع السيارات الكهربائية، حيث تهدد الرسوم الجمركية الوظائف وسلاسل التوريد وتزيد من الضغوط الاقتصادية.

شهدت المملكة المتحدة خلال الأشهر الأخيرة تطورات اقتصادية متسارعة تتجاوز النطاق التجاري التقليدي، بعدما استخدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب سياسة الرسوم الجمركية كسلاح تفاوضي للضغط على حلفائه الأوروبيين بشأن ملف غرينلاند. هذه الخطوة لم تُقرأ في سياقها الجيوسياسي فحسب، بل تحوّلت بسرعة إلى عامل اضطراب في سلسلة صناعية حساسة يقودها قطاع السيارات البريطاني، الذي وجد نفسه في قلب صراع لا يتعلق بأسعار الصلب أو توازن الميزان التجاري، بل بإعادة رسم مناطق النفوذ في القطب الشمالي.

تبدأ القصة بإعلان ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على السلع الواردة من المملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى اعتباراً من الأول من فبراير، ترتفع إلى 25% اعتباراً من يونيو/حزيران إذا لم تتغيّر المواقف السياسية تجاه غرينلاند. وقد وصفت صحف بريطانية هذه السياسة بأنها "خطوة غير مسبوقة في العلاقات التجارية عبر الأطلسي"، كونها تربط بين التجارة والموقف السياسي من أراضٍ تقع على بُعد آلاف الكيلومترات من أوروبا.

هذا الإعلان جاء في توقيت معقّد بالنسبة لبريطانيا، إذ تواجه صناعة السيارات المحلية ضغوطاً منذ سنوات. ففي عام 2025 هبط إنتاج السيارات إلى أدنى مستوى له منذ خمسة وسبعين عاماً، بحسب تقارير صحيفتي "ذا صن" و"إندكس بوكس" وهي منصة للذكاء السوقي وتحليل البيانات، نتيجة مزيج من الرسوم القائمة وضعف الطلب المحلي وسلسلة من الاضطرابات أبرزها الهجوم السيبراني الذي طاول مصانع "جاكوار لاند روفر" وتسبب في توقف الإنتاج لفترة طويلة.

مواجهة دبلوماسية على خط لندن–واشنطن

تُعد الولايات المتحدة أكبر سوق خارجية للسيارات البريطانية، إذ بلغت قيمة صادرات هذا القطاع نحو عشرة مليارات جنيه خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يونيو/ حزيران الماضي، وفق بيانات وزارة الأعمال والتجارة. وهو ما يجعل أي حركة في الرسوم الجمركية الأميركية قادرة على إحداث اهتزازات فورية في الصناعة البريطانية.

وتُضاف إلى ذلك حقيقة أن شركات السيارات العاملة في المملكة المتحدة تعتمد على سلاسل توريد عالمية تشمل قطعاً إلكترونية ومواد خاماً عالية القيمة، ما يجعل تأثير الرسوم مضاعفاً على مُدخلات الإنتاج وليس فقط على مبيعات السيارات النهائية.

في القراءة الاقتصادية الأولية، لا يظهر خطر الركود في الأفق. يرى اقتصاديون بريطانيون أن ناتج الاقتصاد الكلي لن يتأثر بشكل كبير، لأن حصة صادرات السلع البريطانية إلى الولايات المتحدة لا تتجاوز ما بين 2 و3% من الناتج المحلي الإجمالي.

من هنا تظهر أهمية تعليق البروفيسور جوناثان بورتس، وهو اقتصادي بريطاني بارز وأستاذ للاقتصاد والسياسات العامة الذي قال لـ"العربي الجديد" إن الاقتصاد البريطاني أصبح "أكثر اعتماداً على صادرات الخدمات، وليس الصناعات التحويلية التقليدية"، ما يقلل من حجم المخاطر العامة على الاقتصاد الكلي ويجعل الصدمات التجارية أقل تأثيراً على مؤشرات النمو مقارنة باقتصادات تعتمد على الصناعات الثقيلة. مع ذلك يلفت إلى وجود استثناء حساس يتعلق بصناعة السيارات الكهربائية، إذ "توجد مخاوف حقيقية من احتمال هيمنة الصين على هذا القطاع في أوروبا والمملكة المتحدة، ما يطرح تساؤلات حول الاستجابة الصناعية والسياسية المناسبة".

وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في اللحظة الراهنة، لأن تهديد الرسوم الأميركية يستهدف قطاعاً يكافح أصلاً لتحويل نفسه تكنولوجياً وسط منافسة دولية حادة.

ويقدر سايمون فرينش، كبير الاقتصاديين في شركة بانمور ليبيروم (Panmure Liberum)، وهي مؤسسة خدمات مالية بريطانية، في تقرير لصحيفة التايمز، متوسط النمو الفصلي الحالي بنحو 0.3 %، فيما يتوقع أن يؤدي تطبيق الرسوم إلى خفض لا يتجاوز 0.05 نقطة مئوية فقط من هذا المتوسط. ويشير إلى أن التأثير الكلي "يبقى محدوداً" ولا يرقى إلى مستوى الصدمة القادرة على إدخال الاقتصاد في حالة ركود.

إلا أن تحليل فرينش يضيء مفارقة جوهرية: فبينما تبدو الصورة الكلية غير خطيرة، إلا أن الأثر الحقيقي يتمركز داخل قطاع السيارات تحديداً. هذا القطاع يعمل ضمن بيئة تنافسية عالمية مرتبطة بانتقال الصناعة نحو السيارات الكهربائية، وتواجهه منافسة آسيوية شرسة من الصين وكوريا الجنوبية، إلى جانب تحولات في الطلب في أوروبا والولايات المتحدة. لذلك، فإن أي تغيير في تكلفة الوصول إلى السوق الأميركية لا يُعد مسألة هامشية، بل ضربة مباشرة لمعادلة الربحية والاستثمار.

مخاوف على الوظائف وسلاسل التوريد

على مستوى سوق العمل، تشكّل هذه الديناميكيات مصدر قلق حقيقياً. تقدّر مؤسسة معهد أبحاث السياسات العامة (IPPR) أن نحو خمسة وعشرين ألف وظيفة مباشرة في قطاع السيارات قد تكون معرضة للخطر في حال انهيار الصادرات إلى الولايات المتحدة، مع امتدادات إلى سلسلة التوريد التي تشمل المعدّات اللوجستية والنقل والصيانة والمكونات.

ويقول الباحث برانش نارايانان لمنصة "إندكس بوكس" إن الرسوم التي قد تصل إلى 35% ستؤدي إلى "انخفاض حاد في حصص السوق" بما يهدد قدرة المصنعين البريطانيين الكبار على الحفاظ على وجودهم في السوق الأميركية.

التداعيات لا تتوقف عند القدرة التنافسية أو الوظائف. هناك أيضاً قناة التضخم، التي تُعد الحلقة الأكثر حساسية اقتصادياً في السياق البريطاني. فقد حذرت تحليلات نقلتها صحف بريطانية مثل ذا تايمز،  من أن أي حرب تجارية مصغّرة قد تعطل عملية تباطؤ التضخم التي شهدتها المملكة المتحدة خلال الأشهر الماضية، التي تراجعت إلى 3.2% في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.

ووفق توقعات بعض بنوك الاستثمار مثل "غولدمان ساش" و"كابيتال إيكونوموميكس" أن الرسوم بنسبة 25% يمكن أن تقتطع ما بين 0.3 و0.5% من الناتج في اقتصادات منفتحة مثل بريطانيا وألمانيا، مع إمكانية رفع الأسعار في سلاسل القيمة وبالتالي الضغط على قرارات بنك إنكلترا بشأن أسعار الفائدة.

في المقابل، يرى قادة داخل الصناعة أن ما يجري لا يتعلق بالتجارة بقدر ما يتعلق بـ"تسليح التجارة". هذا ما عبّر عنه أندي بالمر، الرئيس التنفيذي السابق لشركة "أستون مارتن"، الذي قال في تعليق على منصة "إندكس بوكس ماركت" إن: "الرسوم لم تعد أداة لضبط الميزان التجاري، بل أصبحت وسيلة جيوسياسية للضغط"، محذراً من أن "جاكوار لاند روفر" التي تعتمد بشدة على السوق الأميركية قد تواجه "صدمة من نوع البجعة السوداء" بعد أزمة الهجوم السيبراني الأخير. واعتبر بالمر أن نقل التصنيع إلى الولايات المتحدة ليس خياراً عملياً لأن بناء مصانع جديدة يستغرق ما لا يقل عن عامين، ما يعني أن الهروب من الرسوم ليس السيناريو الواقعي أمام الشركات البريطانية.

المساهمون