محاكمة رسوم ترامب: الرئيس الأميركي يخشى من "مسألة حياة أو موت"
استمع إلى الملخص
- القضية تمثل اختبارًا لصلاحيات ترامب التنفيذية، حيث جمعت إدارته 88 مليار دولار من الرسوم حتى سبتمبر، مع توقعات بزيادة العائدات إلى 2.3 تريليون دولار خلال عقد، مما يؤثر على التجارة العالمية والاقتصاد الأميركي.
- القضاة يعتبرون الرسوم نوعًا من الضرائب التي يجب أن يقرها الكونغرس، وقد يؤدي الحكم ضدها إلى إعادة التفاوض مع دول كبرى، مما يعيد تشكيل العلاقات التجارية الدولية.
تواجه الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب على العالم تشكيكاً من المحكمة العليا الأميركية قد يطيح قانونيتها. وعلى الرغم من ثقل المحافظين في المحكمة، إلا أن ذلك لم يشفع للرئيس الأميركي في عدم مواجهة أسئلة صعبة تضعه في مأزق أمام سلطاته القانونية والدستورية.
القضاة قد يلغون أو يحدون بشدة من السياسة الاقتصادية لإدارة ترامب، وأسواق العالم تعيش في حالة من عدم اليقين حول مصير الاتفاقيات الجمركية المعقودة وتلك التي لا تزال في مسار التفاوض، والانعكاسات التي قد تطاول سلسلة التجارة الدولية. إلا أن الكثير من المحللين يؤكدون أن للرئيس طرقاً أخرى قانونية قد يسلكها للإبقاء على الرسوم.
وعلى كل الأحوال، ستكون الدول المتأثرة بالرسوم في وضع غير مستقر لأشهر مقبلة، خصوصاً المفاوضات مع الصين وأوروبا واليابان وغيرها، إضافة إلى القلق من تغييرات قد تطاول آلاف الشركات الأميركية وكذا الدولية التي بدأت بدفع الرسوم، أو وضعت سياسات طويلة الأمد للتكيف معها.
ساعتان ونصف ساعة من المرافعات يوم الأربعاء، وضعت محامي ترامب تحت وابل الأسئلة التي تحوم حول إمكانية أن يكون الرئيس قد فرض تعرفاته على عشرات الدول بشكل خاطئ بالاستناد إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977، وسط تزايد احتمال تدخل المحكمة العليا لوقف المسار الحالي للتعرفات.
تُعتبر هذه القضية، بحسب صحيفة "واشنطن بوست"، أبرز نزاع يخص سياسات الرئيس ترامب يصل إلى المحكمة العليا حتى الآن، والأولى التي يُطلب فيها من القضاة إصدار حكم نهائي. وتشير "مؤسسة الضرائب" غير الربحية إلى أن إدارة ترامب جمعت حتى سبتمبر/ أيلول الماضي، نحو 88 مليار دولار من الرسوم الجمركية بموجب "قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية" (IEEPA)، ومن المتوقع أن ترتفع العائدات إلى 2.3 تريليون دولار خلال السنوات العشر المقبلة.
من شأن القرار المرتقب أن يُحدث أثراً واسعاً على التجارة العالمية والاقتصاد الأميركي والتضخم والشركات. كذلك يُعد أول اختبار حقيقي لمدى استعداد المحكمة العليا لتأييد أو تقييد تأكيدات ترامب بشأن صلاحياته التنفيذية الواسعة خلال ولايته الثانية. وقد يشكّل هذا الحكم أيضاً لحظة سياسية مفصلية في مسيرة ترامب، الذي جعل من التعرفات الجمركية ركيزة أساسية في ولايته، واستخدمها أداة ضغط في المفاوضات التجارية وفي نزاعات متعددة.
ووصف ترامب القضية في منشور على منصة تروث سوشيال بأنها "إحدى أهم القضايا في تاريخ الولايات المتحدة"، قبل أن يضيف لاحقاً أنها "مسألة حياة أو موت لبلادنا". بدأ ترامب بفرض رسوم جمركية واسعة النطاق، مستنداً إلى ما اعتبره صلاحيات مخولة له بموجب "قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية" (IEEPA)، وهو قانون يُستخدم عادةً لفرض عقوبات على دول تُهدد أمن الولايات المتحدة.
غير أن أي رئيس سابق لم يفسر هذا القانون باعتباره يمنحه سلطة فرض تعرفات جمركية، إذ لا يتضمن نصه أي إشارة إلى ذلك. ويتيح القانون للرئيس إعلان حالة طوارئ وطنية من أجل "تنظيم استيراد السلع الأجنبية لمواجهة أي تهديد غير عادي واستثنائي للأمن القومي أو للسياسة الخارجية أو للاقتصاد".
قالت كارولين ليفيت، السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، إن الرئيس ترامب تواصل مع عدد من أعضاء حكومته الذين حضروا الجلسة ومع بعض محاميه، معربةً عن تفاؤله بنتيجة القضية. وأضافت: "ما زال الرئيس واثقاً من أن المحكمة ستتخذ القرار الصائب". حتى إن قررت المحكمة العليا إلغاء الرسوم الجمركية التي أعلنها ترامب في "يوم التحرير" في إبريل/ نيسان الماضي، لم يقدّم القضاة أي إشارات واضحة إلى كيفية التراجع عن هذه السياسة التي تُعد من أبرز أدواته الدبلوماسية.
كذلك لم يتضح بعد ما إذا كانت الرسوم التي دُفعت سابقاً ستُسترد، أو ما إذا كان الكونغرس قد يُدعى إلى التدخل والتصديق عليها بأثر رجعي، وفقاً لما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال". وخلال المراحل الأخيرة من المرافعات الشفوية، علّقت القاضية إيمي كوني باريت قائلة: "يبدو لي أن الوضع قد يكون فوضوياً بالفعل".
اتفق معظم القضاة على اعتبار الرسوم الجمركية نوعاً من الضرائب، وأبدى كثيرون منهم شكوكاً في إمكانية أن يتنازل الكونغرس بهذه السهولة عن سلطته الدستورية الجوهرية في تحصيل الإيرادات للسلطة التنفيذية. وقالت القاضية سونيا سوتومايور: "لقد وُضع الدستور بحيث إذا طُلب من المواطن دفع مقابل شيء ما، فإن ذلك يكون من خلال قانون يصدره الكونغرس. لا يمكن أن تُفرض عليّ ضرائب إلا بقرار مشترك من الكونغرس والرئيس".
وذكر جوش ليبسكي من "المجلس الأطلسي للأبحاث" في تصريح لوكالة "بلومبيرغ" أن الأسئلة المتعلقة برسوم ترامب الجمركية ازدادت تعقيداً. وتتركز التوقعات الآن بين احتمال صدور حكم من المحكمة العليا ضد هذه الرسوم، وإمكانية أن يشمل القرار دعوةً إلى استرداد الرسوم التي دُفعَت مسبقاً.
وأضاف ليبسكي، قبل الانتقال إلى البُعد الجيوسياسي، أن اعتبار الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب بموجب قانون "الاقتصاد الدولي الطارئ" غير قانونية، سيُعد "ضربةً ليس فقط للبّ أجندته الاقتصادية الدولية، بل أيضاً، كما أعتقد، لجزء كبير من سياسته الخارجية".
وأشار ليبسكي إلى أن استبدال الرسوم الجمركية المفروضة على الصين قد يكون أسهل، بالنظر إلى الصلاحيات التي استخدمها ترامب خلال ولايته الأولى. غير أن صدور حكم ضده قد يدفع اقتصادات كبرى، مثل الاتحاد الأوروبي والبرازيل والهند، إلى إعادة التفاوض معه لمراجعة مواقفها.
وتنقسم التعرفات التي فرضها ترامب إلى ثلاثة مستويات: تعرفة دنيا بنسبة 10% شملت معظم شركائه التجاريين في الربيع، وتعرفات أعلى فُرضت على دول معينة في أغسطس/ آب، إضافةً إلى تعرفات خاصة على الصين وكندا والمكسيك، برّرها ترامب بأنها ردّ على "تواطؤها" في تدفق مادة الفنتانيل ومكوناتها إلى الولايات المتحدة.
وفي ما يتعلق بجلسة المحكمة العليا، فإنّ رئيسها جون روبرتس وعدد من القضاة تعمّقوا في مبدأ "المسائل الرئيسية"، وهو المبدأ الذي استخدمته المحكمة سابقاً لإبطال إعفاء قروض الطلاب وبعض مبادرات إدارة جو بايدن، معتبرة أنها تجاوزت الصلاحيات التنظيمية التي منحها الكونغرس للرئيس. وأكدت المحكمة حينها أنه لا يجوز للسلطة التنفيذية الاستناد إلى نصوص قانونية مبهمة لمعالجة "مسائل رئيسية" في السياسة الفيدرالية.
وقال روبرتس، بحسب ما نقلت "وول ستريت جورنال": "يبدو أن هذا المبدأ ينطبق مباشرة على نظام التعرفات الجمركية". وأضاف موضحاً أن تفويض الرئيس بتنظيم المعاملات الأجنبية في حالات الطوارئ "يُستخدم هنا لفرض رسوم على أي منتج من أي دولة وبأي نسبة ولأي مدة زمنية"، قبل أن يعلّق: "يبدو أن هذا غير ملائم".
ورأى القاضي بريت كافانو أن إقرار الكونغرس قانون طوارئ مثل قانون IEEPA يعني "رغبته في تزويد الرئيس بالأدوات اللازمة للتعامل مع الأزمات بالشكل المناسب". وتساءل كافانو عن سبب اعتراض المشرّعين على استخدام الرسوم الجمركية، في حين أنهم منحوا الرئيس بالفعل صلاحيات واسعة لمواجهة حالات الطوارئ. وفي ختام المرافعات، دافع عدد من القضاة عن موقف ترامب، ما جعل من الصعب التكهن بطبيعة القرار النهائي الذي ستصدره المحكمة.
ونقلت "واشنطن بوست" عن القاضي نيل غورسوتش تساؤله أمام المحامي العام د. جون ساور، الذي يمثل الإدارة، عن تبعات منح الرئيس سلطة فرض الرسوم الجمركية دون قيود واضحة. وأوضح غورسوتش أن الدستور يمنح سلطة فرض الضرائب للكونغرس، محذراً من خطورة هذا التوسع في صلاحيات السلطة التنفيذية.
وأضاف متسائلاً: "إذا كان الكونغرس قادراً على نقل سلطة فرض الرسوم إلى الرئيس، فما الذي يمنعه من التنازل عن كامل مسؤولياته في تنظيم التجارة الخارجية، أو حتى إعلان الحرب؟". وقال بليك هاردن، كبير مستشاري السياسات التجارية في "مجلس واشنطن"، في تصريح لـ"بلومبيرغ": "من المرجح أن يلجأ ترامب إلى استخدام صلاحيات أخرى لتنفيذ أجندة (أميركا أولاً) التجارية التي حددها في مذكرة السياسة الصادرة في 20 يناير".
وأوضح أن هذه الصلاحيات تشمل استخدام المادة الـ301، التي استند إليها ترامب سابقاً في فرض رسوم على الصين خلال ولايته الأولى، أو الاستمرار في تطبيق التعرفات القطاعية بموجب المادة الـ232 التي استخدمها حتى الآن على منتجات مثل السيارات والصلب، وهدد بتوسيعها لتشمل أشباه الموصلات والأدوية والروبوتات.