ذهب السودان: اهتمام سعودي بالشراء وبالاستثمار في المعادن
استمع إلى الملخص
- يواجه السودان تحديات في تصدير الذهب بسبب التهريب والعلاقات المتوترة، لكن التعاون مع السعودية يفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والتصدير، مما يعزز كفاءة القطاع وقيمته الاقتصادية.
- يعتمد السودان بشكل كبير على إيرادات الذهب لتسيير نفقات الدولة، مما يجعل تعزيز التعاون الدولي ضروريًا لضمان استدامة القطاع وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
تعتزم المملكة العربية السعودية الاستثمار في قطاع المعادن السوداني، معلنة استعدادها لشراء الذهب، وتقديم كافة إمكانياتها الفنية والمالية وخبراتها السابقة لتنشيط قطاع المعادن. فيما أبدت الحكومة السودانية رغبتها في منح الشركات السعودية مربعات لاستكشاف المعادن الصناعية المتعددة.
وأعلن رئيس شركة مصفاة الذهب السعودية سليمان صالح العثيم جاهزية شركته للدخول الفوري في عمليات شراء الذهب المنتج في السودان، مستندة إلى خبرتها في سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والمختبرات المتكاملة من الاستكشاف وحتى الإنتاج. جاء ذلك خلال لقاء وزير المعادن نور الدائم طه خلال مشاركته في فعاليات مؤتمر التعدين الدولي بالرياض الشهر الماضي.
فيما أكدت الحكومة السودانية استعدادها لتقديم كافة التسهيلات المطلوبة لضمان كفاءة العمليات الاستثمارية للمملكة العربية السعودية في السودان، وأن التعاون الحقيقي بين الطرفين يستهدف إعادة تشغيل شركات الإنتاج والاستكشاف المتوقفة التي تحتاج للدعم الفني والمالي بما يعزز مصالح السودان والمستثمرين ويطور قطاع التعدين.
محاصرة التهريب
ورحب عبد المنعم الصديق، رئيس شعبة مصدري الذهب، بالخطوة السعودية، وقال لـ"العربي الجديد": "شعبة مصدري الذهب ترحب بأي دولة تتعاون مع صادر الذهب وتعمل على شرائه بطريقة تنافسية، ما يساهم في تعظيم صادر الذهب السوداني وفق أسس وضوابط تراعي مصلحة الاقتصاد، وتعمل من أجل الحصول على عائدات صادر الذهب لتضخ في شرايين الاقتصاد السوداني بعيدًا عن التهريب والمهربين الذين عملوا على تدمير الاقتصاد عبر تبديد الكميات الوفيرة من الذهب التي تنتجها البلاد".
ورأى الخبير في مجال الذهب الطيب الجعلي أن إعلان جاهزية مصفاة الذهب السعودية لشراء ذهب السودان خبر إيجابي ومطمئن؛ لأنه يعكس عودة الاهتمام الحقيقي بقطاع التعدين السوداني، ويؤكد أن بلده ما زال يمتلك فرصًا قوية تجعله شريكًا اقتصاديًا موثوقًا ومحل اهتمام في الإقليم، وشرح لـ"العربي الجديد" قائلا: "في تقديري، أهمية هذه الخطوة لا تتوقف عند شراء الذهب فقط، بل تفتح أفقًا أوسع للتعاون يمكن أن ينتقل من مجرد صفقات إلى شراكات متكاملة تشمل الاستكشاف والإنتاج والمعالجة والخدمات اللوجستية، وهو ما يحتاجه القطاع فعليًا ليتطور وتزداد كفاءته وتتحول موارده إلى قيمة اقتصادية حقيقية".
وأضاف أن النجاح الحقيقي لمثل هذه التوجهات يتأتى من إدارتها بعقلية واضحة تقوم على الحوكمة والشفافية، وبعقود عادلة تحفظ مصالح جميع الأطراف، وتحوّل هذه الاهتمامات الاستثمارية إلى شراكات طويلة الأجل قائمة على مبدأ المنفعة المتبادلة؛ بحيث يحقق المستثمر عائدًا مستقرًا وآمنًا، ويكسب السودان في المقابل نقل خبرات ومعرفة، وتطويرًا للبنية التحتية التعدينية، وإعادة تشغيل القدرات المعطلة، وزيادة الإيرادات المستدامة، بما يساهم في بناء قطاع تعديني قوي يخدم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
بين الرياض ودبي
إلا أن المختص والمراقب لعمليات شراء الذهب بالبورصات العالمية معاوية أبايزيد عدد الفروق بين السوق السعودي وسوق دبي للذهب، وقال إن "دبي تعد مركزًا عالميًا لتجارة الذهب وإعادة التصدير، حيث تقوم سياستها الاقتصادية على حرية التجارة وتسهيل الإجراءات دون تعقيدات كبيرة في عمليات الشراء والبيع، وتتوفر فيها بنية متكاملة لتجارة الذهب تشمل الأسواق الحرة والمصافي العالمية ومناطق إعادة التصدير، إلى جانب أنظمة مرنة تشجع التجار والمستثمرين من مختلف الجنسيات.
وفي المقابل، لا يوجد في السعودية حتى الآن سوق ذهب عالمي حر ومفتوح على غرار دبي، إذ تخضع عمليات بيع وتصدير الذهب لضوابط تنظيمية أكثر تشددًا وتعقيدًا، وتركز المملكة على تنظيم السوق المحلي وحماية الموارد أكثر من كونها منصة لإعادة التصدير".
وأضاف: "دبي مركز عالمي لتجارة الذهب، حرية تجارة، إجراءات سهلة وسريعة وسوق مفتوح للمشترين الدوليين، أما السعودية فتعتبر سوقًا منظمًا يركز على الإنتاج والاستهلاك المحلي مع غياب سوق ذهب عالمي مفتوح حتى الآن". وقال خبراء اقتصاد إن الحكومة السودانية بدأت في تفعيل عدد من الاتفاقيات الاقتصادية مع السعودية بعد توجيهات مجلس السيادة بتفعيل الشراكات مع المملكة، ما يدفع باتجاه تعزيز الشراكات في مجال التعدين.
وشرح الاقتصادي أحمد إسماعيل، في حديث لـ"العربي الجديد"، قائلا إن "الخطوة جيدة، لما للسعودية من احتياطي ضخم من الذهب وتعتبر الأولى في المنطقة العربية في هذا الإطار، ما يعزز فرضية أهمية اعتماد مصفاة وبورصة للذهب السوداني بالداخل لتحقيق المصلحة المشتركة"، ولفت لأهمية التوازن في صادر الذهب واحتياطي بنك السودان لكبح جماح التهريب مع وضع خطة محكمة لتعزيز القطاع.
وأوقف السودان في مارس/ آذار من العام الماضي تصدير الذهب إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وقال وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم: "سنوقف تصدير الذهب إلى الإمارات وماضون بصورة جيدة في الترتيب للأسواق البديلة"، وتابع: "80% من إنتاج الذهب هو إنتاج للقطاع الخاص، ونبحث الآن عن أسواق جديدة، من بينها قطر وتركيا ومصر والسعودية". كما أعلنت دولة الإمارات العربية في أغسطس/ آب من العام ذاته إيقاف صادر الذهب من السودان بسبب توتر العلاقة بين الدولتين، حيث أوقفت الإمارات حركتي الطيران والسفن مع السودان.
ولفتت تقارير سابقة للشركة السودانية للموارد المعدنية إلى استيراد بورصة دبي 1.8 طن من الذهب من السودان من جملة طنين تم تصديرهما خلال عام الحرب 2023 في الفترة من 15 إبريل لنهاية أغسطس. اعتماد على الذهب وزير المعادن السابق محمد بشير أبو نمو قال في تصريحات سابقة إن 95% من إنتاج الذهب السوداني يتجه للإمارات، حيث بلغت الكمية المصدَّرة خلال الفترة من يناير/ كانون الثاني إلى يونيو/ حزيران 2025 حوالي عشرة أطنان بعائد مالي وصل إلى 870 مليون دولار.
وتعتمد الحكومة بنسبة 90% على إيرادات الذهب لتسيير نفقات الدولة بعدما توقفت المصادر الأخرى خلال فترة الحرب. ووفقًا لآخر إحصائيات الحكومة حتى منتصف العام الماضي، فاق إنتاج السودان من الذهب 37 طنًا مع زيادة عدد العاملين في التعدين التقليدي إلى نحو أربعة ملايين مواطن، مقارنة بمليونين قبل الحرب، وفق قول المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية محمد طاهر عمر، الذي قال إن إنتاج الذهب خلال الأشهر الستة الأولى من العام الحالي بلغ 37.3 طنًا، وخرج الناتج الأكبر من ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر.