ديلسي رودريغيز... من نائبة إلى حارسة مفاتيح النفط والميزانية في فنزويلا
استمع إلى الملخص
- تراكب المناصب والنفوذ الاقتصادي: تجمع رودريغيز بين منصب نائبة الرئيس ووزيرة النفط، مما يمنحها سيطرة على القرارات الاقتصادية، بما في ذلك الاستيراد وسعر الصرف، وإدارة الأزمات المالية.
- استراتيجية التعامل مع العقوبات: تبنت رودريغيز استراتيجيات مرنة لمواجهة العقوبات، مثل توجيه الشركات نحو أسواق جديدة وفتح قنوات تجارية بديلة، مما ساعد في تهدئة التوترات مع القطاع الخاص.
على شاشة التلفزيون الرسمي في كراكاس، ظهرت ديلسي رودريغيز بوجه محسوب النبرة في يوم تهتز فيه البلاد، لكنها كانت تتحدث بعينٍ على سؤال واحد يساوي اقتصادا كاملا، من يملك شرعية التوقيع على النفط والديون والرواتب عندما يُقال إن الرئيس أُسِر وتظهر صوره معصوب العينين.
في 3 يناير/كانون الثاني 2026 قالت إن نيكولاس مادورو "يبقى الرئيس الوحيد" رغم إعلان واشنطن اعتقاله، وطالبت بأدلة على أنه حي، في مواجهة رواية دونالد ترامب عن تنصيبها واتصالات أميركية معها. هذا المشهد وحده يلخص موقعها الحقيقي داخل الدولة الفنزويلية، فهي ليست مجرد نائبة للرئيس، بل صمام التحكم في اقتصاد يعيش على برميل النفط ويتنفس تحت ضغط العقوبات.
مدرسة تشافيز
رودريغيز ابنة مدرسة سياسية "تشافيزية" تعلّمت أن الدولة لا تترك السوق وحده حين تصبح الأسعار سلاحا، وأن السيادة تُقاس بقدرة الحكومة على إبقاء الخزينة عاملة ولو بأدوات استثنائية. لذلك لم يكن صعودها إلى قلب القرار الاقتصادي مصادفة، بل نتيجة مسار صنعته السلطة التنفيذية نفسها عندما احتاجت وجها يجمع بين الولاء السياسي والخبرة التفاوضية والحنكة الاقتصادية. وعندما تم تعيينها نائبة للرئيس ضمن إعادة ترتيب حكومي بعد انتخابات مثيرة للجدل، لم تتقدم إلى الواجهة بوصفها وجها بروتوكوليا، بل كونها بوابة الملفات الثقيلة منذ تلك اللحظة.
تراكب المناصب
أهم ما غيّر صورة ديلسي هو تراكب المناصب، ففي سبتمبر/أيلول 2020 كانت ضمن القيادة التي تدير ملف المالية في ذروة انهيار العملة وشح الدولار، ثم في أغسطس/آب 2024 أضيفت إليها وزارة النفط خلال تعديلات مادورو الحكومية، لتصبح نائبة الرئيس ووزيرة النفط في آن واحد، مع إعادة توزيع حقيبة المالية. هكذا تحولت ابنة كراكاس إلى وزن مزدوج داخل الحكومة، فهي من يفاوض على تدفق الإيرادات ومن يقرر كيف تُنفق أو تُحجب، وبين القرارين مساحة واسعة من النفوذ تمتد من الاستيراد إلى سعر الصرف وصولا إلى مزاج السوق نفسه.
مبيعات تحت الإشراف
هذه السلطة انعكست في طريقة تعامل ديلسي مع السوق خلال فترات الاضطراب. ففي إبريل/نيسان 2020، وفي خضم قفزات الأسعار واضطرابات الإمداد، أعلنت الحكومة إجراءات رقابية على شركات غذاء كبرى، وأعلنت معها رودريغيز آلية "مبيعات تحت الإشراف" ضمن حزمة للحد من الأسعار. في ذلك الوقت كانت الرسالة واضحة، حين يشعر النظام بأن التضخم يهدد الشرعية الاجتماعية يعود إلى أدوات الضبط المباشر، حتى لو كلفه ذلك صداما مع القطاع الخاص، بل حتى لو فتح بابا واسعا لاتهامات بالتدخل المفرط أو خنق المنافسة.
مهندسة الالتفاف
مع ذلك، رودريغيز ليست نموذج "التأميم المستمر" بقدر ما هي عقل إدارة الاختناق. فمع العقوبات الواسعة وقيود الدفع والشحن، احتاجت الحكومة إلى قنوات التفافية تتعايش مع واقع السوق بدل كسره. من هنا ظهرت تحت إشرافها استراتيجية دفع الشركات الخاصة نحو أسواق في آسيا والشرق الأوسط، وتطوير التجارة الخارجية عبر ترتيبات جديدة، كوسيلة لتخفيف أثر العقوبات وخلق منافذ للسلع والمدفوعات خارج المسارات المعتادة. وهنا تحديدا برزت براغماتيتها، فهي تخفف القبضة عند الحاجة وتفتح هوامش محسوبة، لكنها لا تتنازل عن المقود ولا تسمح بأن تتحول المرونة إلى فقدان للسيطرة.
هذا التوازن بين الخطاب الاشتراكي والواقع التجاري ظهر أيضا في مشهد لافت داخل فنزويلا نفسها. ففي يوليو/تموز 2021 حضرت رودريغيز افتتاح مؤتمر اتحاد أصحاب الأعمال "فيديكاماراس" في زيارة نادرة لمسؤول بهذا المستوى، وكانت بمثابة إشارة إلى تهدئة محسوبة بعد سنوات من قطيعة وعداء. لم تكن المصالحة هنا سياسية، بل اقتصادية قبل كل شيء، لأن الدولة تحتاج إنتاجا وتمويلا وتهريبا أقل، والقطاع الخاص يحتاج مساحة تنفّس في اقتصاد يعاني الانكماش والضرائب غير المستقرة وندرة الائتمان، إضافة إلى مناخ شديد الحساسية تجاه أي خطاب عدائي جديد يمكن أن يعيد القطيعة إلى نقطة الصفر.
ميزانية النفط
وحين انتقلت إلى وزارة النفط، لم تُسلم حقيبة تقنية فقط، بل تسلّمت ميزانية البلاد المقنّعة، فالنفط في فنزويلا ليس قطاعا بين قطاعات، بل مركز الثقل في العملة الصعبة، وبالتالي في الاستيراد وسعر الصرف ورواتب الدولة. لذلك فإن أي صدام خارجي أو قرار قضائي يتعلق بأصول النفط يتحول سريعا إلى ملف سيادي بامتياز، لأن عائداته ليست مجرد أرقام في دفاتر الدولة، بل شروط بقاء يومية للاقتصاد الرسمي ولقدرة الحكومة على إدارة الحد الأدنى من الخدمات. وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، وصفت رودريغيز محاولة بيع شركة التكرير وتسويق النفط الأميركية "سيتغو" لمصفاتها بأنها "قسرية واحتيالية"، وهو توصيف يكشف كيف تتعامل مع النفط كجبهة قانونية ومالية لا تقل أهمية عن الآبار نفسها، وكأصل استراتيجي يُخاض حوله النزاع في المحاكم كما يُخاض في الموانئ والأسواق.
اشتراكية وواقعية
بهذه الصورة، جسّدت رودريغيز في السنوات الأخيرة دولة تحاول أن تبقى قادرة على الدفع وسط اقتصاد يختنق بالعقوبات وتآكل الثقة وتقلّبات النفط. كانت تلبس خطاب الاشتراكية حين تتحدث عن السيادة والعدالة وحق الدولة في ضبط السوق، ثم تميل إلى إجراءات صارمة عندما تنفلت الأسعار أو تهتز الإمدادات، فتستدعي الرقابة وتلوّح بسلطة الحكومة على سلاسل الغذاء والدواء. وحين تصبح العقوبات أقوى من الشعارات، تُظهر وجها براغماتيا لا يعتذر عن التراجع التكتيكي، فتفتح منافذ للتجارة وطرقا بديلة للدفع ومساحات محسوبة للقطاع الخاص كي يستمر الإنتاج، من دون أن تُسقط من حسابها هاجس السيطرة على مفاصل الاقتصاد الحساسة.
مفاتيح الاقتصاد اليومي
وفي يناير/كانون الثاني 2026 عاد اسمها إلى الواجهة على نحو أوسع من فكرة الخلافة السياسية، لأنها عمليا صارت تمسك مفاتيح الاقتصاد اليومي بتوقيع يفتح باب صادرات النفط أو يغلقه، وبقرار يحدد إن كانت الخزينة ستجد ما يكفي لدفع الرواتب وتمويل الاستيراد، وبخطاب يوازن بين شرعية السلطة وبين حاجة السوق إلى حد أدنى من اليقين. في لحظة كهذه، لا تبدو رودريغيز مجرد شخصية في واجهة الحكم، بل نقطة ارتكاز يمكن أن يتغيّر عندها مسار بلد بأكمله، ليبقى السؤال معلقا هل يدخل صباحا على أجور تُدفع، أم على نفط معلّق بلا توقيع معترف به.