أقرت اللجنة المشرفة على الميزانية التشغيلية للمؤسسة الوطنية للنفط، الخميس، صرف الدفعة الثانية من مخصّصات عام 2026، في خطوة تهدف إلى دعم العمليات التشغيلية للقطاع النفطي وضمان استمرار الإنتاج، وسط ضغوط متزايدة على المالية العامة الليبية وارتفاع تكاليف التشغيل.
وأكدت ثلاثة مصادر مطلعة من داخل قطاع النفط لـ"العربي الجديد" أن صرف الدفعة الثانية يأتي ضمن ترتيبات مالية تهدف إلى توفير السيولة اللازمة لاستمرار أعمال المؤسسة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تمويل برامج الصيانة والخدمات الفنية وسداد جزء من الالتزامات القائمة تجاه الشركات المتعاقدة.
وفقاً للاتفاق التنموي الموحّد الموقع بين الأطراف الليبية، تبلغ الميزانية التشغيلية المخصصة للمؤسسة الوطنية للنفط نحو 13.8 مليار دينار، إلّا أن الاعتمادات التي جرى الإفراج عنها منذ بداية العام لم تتجاوز مليار دينار، أي ما يعادل نحو 157 مليون دولار وفق سعر الصرف الرسمي (6.38 دنانير للدولار) وهو ما يمثل قرابة 7% فقط من إجمالي المخصّصات. كما تضمنت الترتيبات المالية تخصيص نحو سبعة ملايين دولار لتسوية جزء من المستحقات المالية المتراكمة لصالح عدد من شركات الخدمات النفطية العالمية، من بينها هاليبرتون وهيل إنترناشونال وكور وإن أو في، بهدف الحفاظ على استمرارية الخدمات الفنية ودعم العمليات التشغيلية.
وجاء القرار خلال الاجتماع الثالث للجنة المشكلة بموجب قرار رئيس حكومة الوحدة الوطنية برئاسة وزير المالية راشد أبوغفة، إذ ناقش أعضاء اللجنة عدداً من الملفات المالية والفنية والمحاسبية المرتبطة بميزانية المؤسسة، قبل الموافقة على الإفراج عن الدفعة الجديدة، مع فرض ضوابط تهدف إلى تعزيز الشفافية ورفع كفاءة الإنفاق. وقالت وزارة المالية إنّ اللجنة شدّدت على ضرورة التزام المؤسسة الوطنية للنفط بالاشتراطات المالية والفنية المعتمدة، بما يضمن توجيه المخصصات إلى أولويات التشغيل والصيانة وتحقيق الأهداف المحددة للميزانية.
وتأتي هذه الخطوة في وقت ارتفعت فيه احتياجات المؤسّسة النفطية خلال السنوات الأخيرة، إذ زادت ميزانيتها التشغيلية من نحو 12 مليار دينار في عام 2025 إلى 13.8 مليار دينار في 2026، نتيجة ارتفاع تكاليف الصيانة والتشغيل والعقود الفنية، إضافة إلى زيادة تكلفة المعدات والخدمات المستوردة المقومة بالعملات الأجنبية.
ويرى المختصّ في قطاع الطاقة حسين الصديق لـ"العربي الجديد" أنّ التحدي لا يرتبط بحجم التمويل فحسب، بل بانتظام تدفقه، محذراً من أن تأخر الاعتمادات أو سداد الالتزامات قد يؤثر على خطط الصيانة والاستكشاف، وبالتالي على قدرة القطاع على المحافظة على مستويات الإنتاج الحالية.
ويشرح المحلل المالي عبد الهادي الأسود لـ"العربي الجديد" أنّ الإفراج عن الدفعة الثانية من الميزانية يمثل محاولة لتحقيق توازن بين حماية القطاع النفطي، باعتباره شريان الاقتصاد الليبي ومصدر النقد الأجنبي، وبين الضغوط التي تواجه المالية العامة في ظلّ ارتفاع الإنفاق الحكومي وتزايد الطلب على العملة الأجنبية.
ويضيف أنّ استمرار تمويل المؤسسة الوطنية للنفط يجب أن يكون جزءاً من رؤية طويلة الأمد تضمن استدامة الإنتاج وتحسين كفاءة الإنفاق، وليس مجرد حلول مؤقتة لمعالجة الاحتياجات التشغيلية، خصوصاً في ظلّ اعتماد الاقتصاد الليبي بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية. ويعتمد الاقتصاد الليبي أساساً على قطاع النفط، الذي يوفر أكثر من 90% من عائدات التصدير ومعظم موارد النقد الأجنبي، ما يجعل انتظام تمويل المؤسسة الوطنية للنفط عاملاً أساسياً للحفاظ على استقرار الإيرادات العامة وسعر الصرف.
وفي المقابل، يواصل الإنتاج النفطي تسجيل مستويات مرتفعة نسبياً، إذ بلغ متوسط الإنتاج خلال يوليو نحو 1.35 مليون برميل يومياً، بإجمالي إنتاج شهري بلغ 41.71 مليون برميل، إضافة إلى نحو 3.75 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي، وفق بيانات المؤسسة الوطنية للنفط. وكان رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، قد حذر في وقت سابق من تداعيات تأخر اعتماد الميزانيات التشغيلية، مشيراً إلى أن المؤسّسة لم تتلقَّ كامل مخصّصاتها التشغيلية خلال عام 2025، وأن ذلك أدى إلى تراكم مستحقات لصالح شركات الخدمات والموردين، وهو ما انعكس على تنفيذ بعض برامج الصيانة والتطوير.