دراسة مصرية تحذر من غياب الشفافية في التعيينات

13 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:03 (توقيت القدس)
الحكومة المصرية تخطط لطرح رؤية جديدة لإعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية، 26 مارس 2025(فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- كشفت دراسة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية عن خلل في تعيين القيادات بالجهاز الإداري المصري، حيث تعتمد التعيينات على الأقدمية والانطباعات الشخصية بدلاً من الكفاءة، مما يؤثر سلبًا على كفاءة الإنفاق العام والسياسات.

- أشارت الدراسة إلى أن نظام التعيين المؤقت يفتقر إلى الاستقرار ويعتمد على تقارير تقليدية، مما يجعل اختيار القيادات عشوائيًا ويزيد احتمالات الفساد.

- تسعى الحكومة المصرية لتحسين كفاءة القيادات عبر إعادة الهيكلة وربط الأداء بمؤشرات واضحة، مع التركيز على الشفافية والمساءلة.

دقت دراسة حديثة للمركز المصري للدراسات الاقتصادية بالقاهرة ناقوس الخطر بشأن سوء اختيار القيادات داخل الجهاز الإداري للدولة المصرية، معتبرة أن الخلل في أجهزة الدولة لم يعد مسألة إدارية داخلية، بل أصبح أحد الأسباب المباشرة لتراجع كفاءة الإنفاق العام وتعثر السياسات وتآكل المال العام، في وقت تخطط فيه الحكومة لطرح رؤية جديدة أمام صندوق النقد الدولي والبرلمان، تستهدف إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية ورفع كفاءة الإدارة العامة.

وكشفت الدراسة الصادرة في ورقة السياسات بالمركز نهاية الأسبوع، وحصل "العربي الجديد" على نسخة منها، أن منظومة تعيين القيادات والعاملين في الدولة تعاني تشوهاً هيكلياً متراكماً نتيجة غياب المعايير، والاعتماد على الأقدمية والانطباعات الشخصية، وانتشار التعيينات المؤقتة، وضعف نظم التقييم وهو ما انعكس مباشرة على جودة الخدمات وأداء المؤسسات. بحسب الدراسة، لا تزال عملية اختيار القيادات في قطاعات واسعة من الجهاز الإداري غير قائمة على الجدارة أو المهارات، بل تخضع في كثير من الأحيان لترشيحات داخلية غير شفافة.

وأكدت الدراسة أن نموذج "الأقدمية" تغلّب على نموذج "الكفاءة"، خصوصاً في المناصب العليا، بما أوجد فجوة بين طبيعة المسؤوليات وقدرات من يتولونها. وتشير الدراسة إلى أن العديد من الوظائف القيادية يتم شغلها دون توصيف وظيفي واضح، ودون إعلان حقيقي يتيح المنافسة العادلة، وهو ما يحرم الدولة الاستفادة من كفاءات قادرة على الإدارة الحديثة. ترصد الدراسة التي شاركت فيها نخبة من الأكاديميين ورجال الأعمال، ضعف التزام الجهات الحكومية بمسابقات التعيين المنصوص عليها في قانون الخدمة المدنية، مؤكدة أن الإعلانات الوظيفية في كثير من الجهات شكلية، بما يعكس شيخوخة الجهاز الإداري، وفقدان الدولة لفرص التجديد والابتكار في مواقع صنع القرار.

من أخطر ما ترصده الدراسة، الانتشار الواسع للتعيين بنظام الندب المؤقت في المناصب القيادية. ففي بعض الوزارات، تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من القيادات يشغلون مواقعهم بقرارات مؤقتة تُجدد سنويًا، منها ما سبق أن رصده " العربي الجديد" من تعيينات لمحافظ البنك المركزي حسن عبد الله وقيادات بورصة الأوراق المالية و الهيئات العامة، حيث يصدر قرار رئاسي أو من مجلس الوزراء بتعيين المسؤول في الوظيفة بصفة مؤقتة تجدد سنوياً. وترى الدراسة أن هذا النمط يفقد المؤسسات الاستقرار، ويجعل القيادات أكثر قابلية للضغوط، وأقل استعدادًا لاتخاذ قرارات إصلاحية جريئة خوفًا من عدم التجديد.

وتكشف الدراسة أن نظام تقييم الأداء لا يزال يعتمد على تقارير تقليدية تمنح غالبية الموظفين تقديرات شبه موحدة مثل "ممتاز" و"جيد جدًا"، دون مؤشرات كمية حقيقية. وتؤكد غياب ملفات أداء تقيس إنجاز المشروعات وجودة الخدمات، ورضا المواطنين ونسب التنفيذ الفعلي بما يجعل اختيار القيادات عملية عشوائية أقرب للصدفة منها للإدارة العلمية. ويرى خبراء المركز الذين شاركوا في الدراسة، أن نتائج هذا الخلل لا تتوقف عند الإدارة، بل تمتد إلى الاقتصاد ككل، عبر تراجع كفاءة الإنفاق العام وبطء تنفيذ المشروعات وضعف أداء الهيئات الاقتصادية وزيادة احتمالات الفساد وسوء الإدارة.

في المقابل، تؤكد الحكومة في تقرير صادر عن مجلس الوزراء حول الرؤية التي قدمتها الأسبوع الماضي، إلى مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية من البرلمان) أن رفع كفاءة القيادات يمثل محوراً أساسياً في خطة تطوير الجهاز الإداري بالدولة، خصوصاً داخل الهيئات الاقتصادية التي تعاني من خسائر متراكمة ونزف مالي مزمن. وتستهدف الرؤية الحكومية إعادة هيكلة الهيئات الاقتصادية، وفصل الإدارة عن المصالح المتشابكة وربط القيادات بمؤشرات أداء واضحة والحد من الخسائر الناتجة من سوء الإدارة وتعزيز الحوكمة والرقابة على القيادات التنفيذية.

وتعتبر الحكومة أن وقف نزف المال العام لن يتحقق دون مراجعة جذرية لطريقة اختيار القيادات، وإنهاء ثقافة "الموقع الوظيفي الدائم" دون محاسبة، خصوصًا بعد تعديلها قانوني الخدمة المدنية و"العمل" اللذين يتيحان للجهة الإدارية فصل العاملين وتعيينهم على درجات وظيفية مؤقتة. في سياق متصل، يرى مسؤولون في نقابات مهنية، أن إصلاح منظومة التعيين لا يحتاج تشريعات جديدة بقدر ما يحتاج إرادة سياسية وتطبيقًا صارمًا لقواعد الشفافية والمساءلة.

المساهمون