دان ألاماريو: الأسواق تعيد التموضع وسط عالم يتشظّى في 2026
استمع إلى الملخص
- يشير ألاماريو إلى انقسام العالم إلى كتلتين تجاريتين، مما يعيد توجيه الاستثمارات نحو الداخل، مع بقاء الصين وجهة استثمارية مهمة رغم التحولات.
- يؤكد ألاماريو على أهمية تنويع مصادر الطاقة لضمان الاستقرار الاقتصادي، مع تطوير شبكات الكهرباء وتخزين الطاقة، وتوقع تباطؤ الانتقال الكامل نحو الطاقة المتجددة.
يقدّم دان ألاماريو، كبير المحللين في مؤسسة الأبحاث الاقتصادية والجيوسياسية المستقلة "ألباين ماكرو" بكندا، خلال مقابلته مع "العربي الجديد" قراءة تحليلية لتوقعات الاقتصاد العالمي في عام 2026.
كما يتناول أبرز المخاطر الجيوسياسية ومستقبل الطاقة وانعكاسات التفكك العالمي على الاستثمار والتجارة الدولية. وفيما يلي نص الحوار:
- ما أبرز المخاطر العالمية التي قد تُطيح السيناريو الأساسي لتوقعات الاقتصاد لعام 2026؟
ستظلّ التوترات الجيوسياسية مرتفعة، مع استمرار الولايات المتحدة بوصفها محرّكًا رئيسيًا للتغيرات على الساحة الدولية. ورغم أن مخاطر اندلاع نزاعات عسكرية واسعة قد تكون أقل مما أوحت به العناوين في شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، فإن احتمال تجدّد صراع في منطقة الخليج الفارسي مع تورّط إيران، يظلّ قائمًا وقد يؤدي إلى اضطرابات كبيرة إذا استمرّ.
يتمثّل الخطر الثاني في احتمال تشكّل موجة عالمية من الاحتجاجات التي تقودها فئة الشباب، بما يحمله ذلك من مخاطر عدم الاستقرار الاجتماعي. هذا الحراك تغذّيه عوامل اقتصادية، أبرزها غلاء المعيشة وتراجع الآفاق الاقتصادية، إلى جانب الغضب من حكومات يُنظر إليها على أنها فاقدة للشرعية أو متورطة في الفساد. خلال عام 2025، أدّت احتجاجات من هذا النوع إلى سقوط حكومات في بعض الدول وقد تكون الاحتجاجات الأخيرة في إيران جزءًا من هذا المسار الأوسع.
أما الخطر الثالث الذي لا يحظى بالتقدير الكافي، فيتعلق بتصاعد الحروب التجارية بين الصين وعدد من الدول الأخرى خارج إطار النزاع الأميركي–الصيني وهو تطور قد تكون له تداعيات أعمق على التجارة العالمية مما يُتوقع حاليًا.
• أي من هذه المخاطر تعتقد أنه الأكثر استخفافًا به من جانب الأسواق؟
يبدو أن النزاعات التجارية بين الولايات المتحدة والصين قد دخلت، في الوقت الراهن، مرحلة من الاستقرار النسبي أو التهدئة الحذرة. غير أن الخطر الحقيقي الذي لا يحظى بتقدير كافٍ من الأسواق يتمثل في احتمال تصاعد الحروب التجارية بين الصين وبقية دول العالم، خارج الإطار الأميركي–الصيني. في هذا السياق، يبرز ما يمكن وصفه بـ"صدمة الصين 2.0".
الطفرة في صادرات السلع الصناعية الصينية أدت إلى فائض تجاري غير مسبوق، ما بات يهدد القواعد الصناعية في عدد متزايد من الاقتصادات. وبالنظر إلى ما يحمله تآكل القطاع الصناعي من مخاطر على الأمن القومي والاستقرار السياسي، لا تبدو القوى الاقتصادية الكبرى مستعدة لقبول هذا المسار. بالفعل، بدأت دول عدة بفرض رسوم جمركية وقيود تجارية على الواردات الصينية ومن المرجح أن تتصاعد هذه الإجراءات خلال الفترة المقبلة.
في هذا الإطار، تحوّل نموذج التصنيع الصيني القائم على التصدير إلى نقطة تصدع سياسية واقتصادية. ولم يعد السؤال المطروح ما إذا كانت الدول ستتحرك، بل إلى أي مدى وبأي سرعة، ستذهب في مواجهة هذا التحدي.
• يبدو أن التفكك العالمي بات ظاهرة بنيوية. كيف سينعكس ذلك على التجارة الدولية وتدفقات الاستثمار؟ وهل نتجه نحو تسارع هذا المسار أم استقراره؟
على الرغم من التهدئة الحالية في النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين، فإن الاتجاه العام على المدى المتوسط إلى الطويل يشير إلى انقسام تدريجي للعالم إلى كتلتين تجاريتين متنافستين. هذا المسار لا يزال بطيئًا ولن يتخذ شكل الحرب الباردة، إذ ستستمر التجارة في السلع الأساسية بينما ستشهد الصناعات التنافسية والمعادن الحيوية مستويات أعلى من فك الارتباط وتقليص المخاطر.
أما على صعيد الاستثمار، فيتجه عدد متزايد من الدول إلى تفضيل الشراكات مع الحلفاء وهو ما ينعكس تدريجيًا على تدفقات رؤوس الأموال. في الوقت نفسه، يؤدي تنامي دور الحكومات، لا سيما في الاقتصادات الغربية عبر سياسات إعادة التصنيع، إلى إعادة توجيه الاستثمار نحو الداخل. ورغم هذه التحولات، يُرجّح أن تظل الصين وجهة قابلة للاستثمار، في ظل غياب نية حقيقية لدى بكين وواشنطن للذهاب نحو قطيعة اقتصادية كاملة.
• بعيدًا عن التنافس الأميركي–الصيني، كيف ينعكس صعود القوى الوسطى على أسواق الطاقة والاقتصاد الكلي؟ وهل يقود ذلك إلى تنافس أوسع أم إلى تعاون إقليمي؟
لا يزال من المبكر الجزم بتداعيات هذا التحول، إلا أن الشرق الأوسط يشهد بوضوح إعادة تشكيل في التحالفات الإقليمية. نرى، على سبيل المثال، تقاربًا بين السعودية وباكستان وتركيا من جهة، وبين الإمارات والهند واليونان من جهة أخرى. هذه الترتيبات قد تتصلّب وتتحول إلى تنافسات، لكن المشهد لا يزال في حالة سيولة، فيما تفضّل معظم دول المنطقة في المرحلة الراهنة التركيز على التنمية الاقتصادية بدل الانزلاق إلى صراعات مفتوحة.
يبقى تموضع القوى الإقليمية بين الولايات المتحدة، التي لا تزال المزوّد الأمني الرئيسي في المنطقة والصين التي باتت الشريك الاقتصادي الأهم لعدد من دولها، عاملًا حاسمًا في تحديد مسار هذه التحولات.
في هذا السياق، تمثل إيران عنصر عدم اليقين الأكبر، في ظل أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية. إذا أمكن تفادي أزمة إيرانية طويلة الأمد، فمن المرجح أن تبقى علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسواق النفط محدودة وأن تتحدد الأسعار أساسًا بعوامل العرض والطلب وقرارات منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك). وفي المحصلة، لا يقود هذا المشهد إلى تنافس أو تعاون خالص، بل إلى مزيج متغير من الاثنين.
• كيف ينعكس تداخل أمن الطاقة مع التحول الطاقي على المخاطر الاقتصادية حتى عام 2030؟ وما التقنيات أو أنواع الوقود الأكثر أهمية في هذا السياق؟
ستمنح معظم الدول أولوية متزايدة لضمان تنوّع مصادر الطاقة وقدرتها على الصمود، بدل الاعتماد على مسار واحد أو مصدر واحد. الوقود الأحفوري والطاقة النووية والطاقة المتجددة ستظل جميعها جزءًا من مزيج الطاقة، إذ يقدّم كل منها مزايا مختلفة من حيث الكلفة وتوافر الإمدادات والمرونة في مواجهة الصدمات.
أظهرت التجارب الأخيرة أن الرهان المفرط على نوع واحد من الطاقة أو على مورد بعينه قد يضع الاقتصادات في موقع هش، كما هو الحال في دول واجهت مخاطر تراجع صناعي نتيجة هذا الخيار. لذلك، تتجه سياسات الطاقة في عدد متزايد من الدول نحو مقاربة تقوم على "تعدد الخيارات"، حتى لو جاء ذلك على حساب تسريع التحول الأخضر.
في هذا الإطار، يُرجّح أن يتباطأ الانتقال الكامل نحو الطاقة المتجددة، مع بقاء الطاقة البديلة عنصرًا مهمًا في المزيج، لكن من دون توقع تحول سريع إلى نظام يعتمد بالكامل على الكهرباء المتجددة.
أما على مستوى التقنيات، فتبرز شبكات الكهرباء وقدرات النقل وتخزين الطاقة والبطاريات والطاقة النووية والغاز الطبيعي المُسال بوصفها عناصر محورية خلال المرحلة المقبلة، إلى جانب استمرار دور مصادر الطاقة المتجددة مع تطور كفاءتها وانخفاض كلفتها.
• مع تعميق الاقتصادات الناشئة تعاونها عبر منصات مثل "بريكس+"، وسعيها إلى تطوير أنظمة دفع بديلة، هل ترى في ذلك إعادة ترتيب دائمة للبنية المالية العالمية، أم مجرد استجابة مؤقتة للضغوط الراهنة؟
من المرجح أن يظل تأثير هذه التطورات محدودًا وعلى هوامش التجارة العالمية، إذ إن أنظمة الدفع البديلة ليست جديدة. وأشك في قدرة "بريكس+" على التحول إلى تكتل متماسك قادر على اتخاذ قرارات منسّقة، نظرًا لضعف القواسم المشتركة بين دوله ووجود تناقضات وتنافسات استراتيجية في ما بينها.
تظهر تجارب أخرى متعددة الأطراف، حدود هذا النموذج، حيث تحولت مؤسسات مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين إلى منصات للنقاش أكثر منها أدوات فاعلة للتغيير. ومن المرجح أن يظل "بريكس+" ضمن هذا الإطار. حتى الاتحاد الأوروبي، رغم تماسكه النسبي وامتلاكه عملة موحدة وبنية سياسية مشتركة، يواجه صعوبات كبيرة في الحفاظ على وحدته.