خفض فائدة وشيك في بريطانيا... والعالم يستعد لتأثيراته
استمع إلى الملخص
- خفض الفائدة قد يعزز أسهم شركات البناء والإسكان، لكن الضرائب المرتقبة قد تحد من الأثر الإيجابي، بينما تراجع الجنيه الإسترليني وانخفض العائد على السندات يعكس القلق في الأسواق.
- تأثيرات خفض الفائدة قد تمتد إلى سياسات الفائدة الأميركية وأسواق المال في الخليج، مما يفتح فرص استثمارية جديدة في ظل أسعار فائدة منخفضة.
يبدو أنّ بنك إنكلترا يقترب من اتخاذ خطوة حاسمة بخفض أسعار الفائدة الشهر المقبل، بعد أن قفز معدل البطالة في بريطانيا إلى 5%، وهو أعلى مستوى منذ أربع سنوات، فيما تباطأ نمو الأجور للمرة الأولى منذ بداية العام. دفعت هذه المؤشرات الأسواق المالية إلى تسعير احتمالات خفض الفائدة في ديسمبر/ كانون الأول بنسبة تجاوزت 70%، في تحوّل واضح عن التقديرات السابقة التي رجّحت بقاء السياسة النقدية دون تغيير. ويترقّب المتعاملون اجتماع بنك إنكلترا المقرر في 18 ديسمبر المقبل، إذ يرون أنّ هناك فرصة كبيرة، تقارب ثلاثة من كل أربعة، لأن يُقدِم البنك على خفض الفائدة بمقدار 0.25%.
في السياق، قال مدير الاقتصاد في معهد المحاسبين القانونيين البريطانيين، سورين تيرو، إنّ "الاقتصاد البريطاني يعيش حالة ترقّب قبل الموازنة العامة"، مشيراً إلى أنّ "الشركات المتأثرة بارتفاع تكاليف التأمين الوطني والضرائب تتجه لتقليص التوظيف خشية موجة جديدة من الإجراءات المالية الصارمة". وحذّر تيرو من أنّ "الركود في نمو الأجور سيتسارع خلال الشتاء، مع ارتفاع تكاليف العمالة وتراجع الطلب الاستهلاكي"، ما يجعل سوق العمل "الضحية الأولى لأي زيادات ضريبية مرتقبة"، وفق ما نقلته صحيفة ذا غارديان البريطانية، اليوم الثلاثاء.
وفي المقابل، رأت عضو لجنة السياسة النقدية في بنك إنكلترا، ميغان غرين، أنّ الأسوأ قد يكون انتهى بالفعل، مؤكدة خلال مؤتمر في لندن أنّ "تعديلات سوق العمل ربما بلغت ذروتها"، لكنها اعترفت بأنّ "عودة البطالة في بريطانيا إلى مستوى 5% ليست علامة جيدة على الإطلاق"، بحسب ما أوردته "ذا غارديان" أيضاً. أما صحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، فذكرت في تقرير لها، اليوم الثلاثاء، أنّ بيانات مكتب الإحصاء الوطني البريطاني أظهرت ارتفاع معدل البطالة إلى 5% في الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر/ أيلول، وهو أعلى مستوى في بريطانيا خلال عقد كامل خارج فترة جائحة كورونا.
كذلك أظهرت البيانات انخفاض عدد العاملين في كشوف الرواتب بنحو 180 ألف وظيفة منذ إعلان وزارة المالية رفع الضرائب على أصحاب العمل في موازنة العام الماضي، وتراجع نمو الأجور إلى 4.6% مقابل 4.8% في الشهر السابق. ورأت الصحيفة أنّ هذه الأرقام تمثل انتكاسة لوزيرة المالية راشيل ريفز، قبل الموازنة المرتقبة في 26 نوفمبر/ تشرين الثاني، إذ يُتوقع أن تعلن زيادات ضريبية جديدة لسد فجوة مالية تُقدّر بنحو 30 مليار جنيه إسترليني.
وتعتبر الأسواق المالية هذه المؤشرات إشارة صريحة إلى تليين السياسة النقدية، إذ ارتفعت أسهم شركات البناء والإسكان البريطانية بعد صدور بيانات البطالة التي عززت توقعات خفض الفائدة. وتقدّمت أسهم "باركلي غروب"، المطور العقاري اللندني المعروف بمشروعاته السكنية الفاخرة، إلى جانب "بيرسيمون"، التي تُعد من كبرى شركات بناء المنازل في شمال إنكلترا، و"بارت ديفلوبمنتس" و"ريدرو"، وهما من أبرز مطوري المساكن في بريطانيا. وفي هذا السياق، قال المحلل كريس بووشام لـ"ذا غارديان" إنّ "توقعات خفض الفائدة منحت دفعة قوية لأسهم شركات البناء، رغم أن الضرائب المقبلة قد تُخفّف جزئياً من هذا الأثر".
من جهتها، تحدّثت "فاينانشال تايمز" عن رهانات الأسواق على خفض الفائدة التي ارتفعت من نحو 60% إلى 75% فور صدور البيانات، بينما تراجع الجنيه الإسترليني بنسبة 0.2% أمام الدولار إلى 1.314 دولار، وانخفض العائد على السندات الحكومية لأجل عامين إلى 3.74%، وهو أدنى مستوى منذ أغسطس/ آب الماضي. ورأى محللون لدى شركة "تي دي سيكيوريتيز" الكندية المتخصّصة في تحليل الأسواق أنّ "هذا التقرير يكاد يُثبّت قرار خفض الفائدة في ديسمبر"، في وقت حذّر فيه بنك إنكلترا من احتمال بلوغ البطالة ذروتها في منتصف 2026 عند مستوى يزيد قليلاً على 5%.
ولا تقتصر أهمية هذه التطورات على الساحة المحلية البريطانية، إذ رأى محللون أنّ انعكاسات قرار بريطانيا قد تمتد إلى سياسات الفائدة الأميركية وأسواق المال في الخليج، بحسب تقديرات اقتصادية متداولة. فخفض الفائدة في لندن، إذا تحقق في ديسمبر المقبل، قد يعيد إشعال موجة من التيسير النقدي عبر المحيط الأطلسي، حيث يراقب مجلس الاحتياط الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) التضخم والبطالة بعين حذرة. وإذا تحرّك بنك إنكلترا أولاً، فقد يجد الفيدرالي نفسه تحت ضغط لتسريع دورة الخفض في الولايات المتحدة خلال النصف الأول من العام المقبل.
أما بالنسبة إلى الأسواق العربية، وخصوصاً في الخليج، فإنّ أي خفض في الفائدة البريطانية أو الأميركية ينعكس مباشرة على عملات مرتبطة بالدولار أو على استثمارات سيادية ضخمة في السندات البريطانية. كذلك قد يفتح المجال أمام تدفقات رأسمالية جديدة نحو لندن، مع سعي الصناديق العربية لاقتناص فرص استثمارية بأسعار فائدة أدنى.
وبينما تنتظر الأسواق صدور الموازنة البريطانية قريباً، يبقى السؤال مفتوحاً: "هل يجرؤ بنك إنكلترا على خفض الفائدة مبكراً لإنعاش اقتصاد أنهكته الضرائب والتباطؤ، أم يختار التريث خوفاً من عودة التضخم؟". قد يأتي الجواب مع عطلة عيد الميلاد، "هدية مبكرة" كما وصفها بعض المحللين، لكنها، مثل كثير من الهدايا المالية، قد تخفي وراء بريقها ارتدادات تتجاوز حدود الجزر البريطانية.