خطوة أوروبية حاسمة نحو اليورو الرقمي لتعزيز السيادة النقدية
استمع إلى الملخص
- الاتفاق الأوروبي يمنح الحكومات تفويضاً تفاوضياً لإطلاق اليورو الرقمي بصيغتيه: الإلكترونية المتصلة بالإنترنت وتلك القابلة للاستخدام دون اتصال، رغم تعارضه مع بعض مقترحات البرلمان الأوروبي.
- رغم بدء البنك المركزي الأوروبي العمل على اليورو الرقمي في 2021، لا يزال المشروع بانتظار الإطار القانوني، مع توقع بدء مرحلة تجريبية في 2027 وإطلاق العملة بحلول 2029.
أحرز مشروع اليورو الرقمي تقدماً مفصلياً بعد أن توصلت حكومات دول الاتحاد الأوروبي إلى موقف مشترك بشأنه، في خطوة تُعد محطة أساسية على طريق إطلاق العملة الرقمية الأوروبية، التي ينظر إليها صناع القرار في بروكسل وفرانكفورت بوصفها أداة استراتيجية لتعزيز السيادة النقدية للاتحاد ودور اليورو عالمياً، في ظل تصاعد النفوذ الأميركي في مجال العملات المستقرة المقومة بالدولار. وأعلنت وزيرة الاقتصاد الدنماركية ستيفاني لوسه، التي تتولى بلادها الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، أن اليورو الرقمي يشكل خطوة مهمة نحو نظام مدفوعات أوروبي أكثر متانة وتنافسية، ويمكن أن يسهم في تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية والأمن الاقتصادي لأوروبا، إضافة إلى دعم الدور الدولي لليورو.
ويمنح الاتفاق الحكومات الأوروبية تفويضاً تفاوضياً واضحاً، يشدد على أن العملة الرقمية يجب أن تتوافر منذ إطلاقها بصيغتيها: الإلكترونية المتصلة بالإنترنت، وتلك القابلة للاستخدام من دون اتصال، معتبراً أن الوظيفتين "ضروريتان وأساسيّتان". ويتماشى هذا التوجه مع موقف البنك المركزي الأوروبي، لكنه يتعارض مع مقترحات طرحت داخل البرلمان الأوروبي، دعت إلى الاكتفاء بالنسخة المتصلة بالإنترنت في حال تمكن القطاع الخاص من توفير بدائل مناسبة.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد أطلق مسار العمل على اليورو الرقمي عام 2021، إلا أن المشروع لا يزال بانتظار الإطار القانوني اللازم. وقدمت المفوضية الأوروبية اقتراحها التشريعي في عام 2023، لكن التوصل إلى مقاربة موحدة بين الدول الأعضاء استغرق أكثر من عامين، في ظل تباين الرؤى بشأن تداعيات العملة الرقمية على النظام المالي والمصارف التجارية. وتتمثل الخطوة التالية في استكمال البرلمان الأوروبي موقفه الرسمي من المشروع، تمهيداً لانطلاق المفاوضات بينه وبين مجلس الاتحاد الأوروبي. وفي حال نجحت الحكومات والبرلمان في التوصل إلى اتفاق خلال العام المقبل، فقد يبدأ البنك المركزي الأوروبي مرحلة تجريبية في عام 2027، على أن يُنظر في إطلاق العملة فعلياً بحلول عام 2029.
وتأتي هذه التحركات في وقت يتصاعد فيه القلق الأوروبي من الاعتماد المفرط على شركات أميركية كبرى مثل "فيزا" و"ماستركارد" و"باي بال" في أنظمة الدفع، إلى جانب مخاوف متزايدة من أن تحظى العملات المستقرة المدعومة بالدولار، التي يروج لها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بموطئ قدم أوسع داخل السوق الأوروبية. وكان النائب الأوروبي فرناندو نافاريتي، المنتمي إلى حزب الشعب الأوروبي (يمين الوسط)، قد طرح في تقرير نشره في أكتوبر الماضي تصوراً يقضي بإطلاق نسخة إلكترونية واحدة فقط من اليورو الرقمي، في حال لم يقدم القطاع الخاص حلولاً بديلة. غير أن البنك المركزي الأوروبي رفض هذا الطرح مؤكداً أن الجمع بين النسختين المتصلة وغير المتصلة ضروري لتحقيق الفوائد الكاملة للعملة الرقمية.
ولتفادي أي آثار سلبية محتملة على الاستقرار المالي، شددت الحكومات الأوروبية على ضرورة وضع حدود قصوى للمبالغ التي يمكن للأفراد الاحتفاظ بها باليورو الرقمي. وكان وزراء مالية منطقة اليورو قد توصلوا في وقت سابق من هذا العام إلى اتفاق بشأن آلية تحديد هذه السقوف، تقوم على تنسيق وثيق بين البنك المركزي الأوروبي ومجلس الاتحاد. ويعكس هذا التقدم توافقاً أوروبياً متنامياً على أن اليورو الرقمي لم يعد مجرد مشروع تقني، بل ركيزة استراتيجية في معركة النفوذ النقدي والمالي العالمية، في عالم تتسارع فيه المنافسة بين العملات التقليدية والرقمية على حد سواء.