خطة ترامب لمواجهة الغلاء... معركة شاقة قبل انتخابات التجديد النصفي
استمع إلى الملخص
- دعت السيناتور إليزابيث وارن إلى تشريعات لزيادة المعروض السكني وتقليل الضغوط السعرية، مشددة على تمرير قانون رود للإسكان وممارسة ضغوط على الجمهوريين لدعمه.
- يواجه ترامب تحديات في تنفيذ مقترحاته قبل الانتخابات النصفية، حيث يشكك الاقتصاديون في تأثيرها وسط ارتفاع التضخم واستمرار الأسعار المرتفعة، مما يثير الجدل بين مؤيديه ومعارضيه.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن حزمة واسعة من المقترحات الاقتصادية تستهدف خفض كلفة المعيشة وتعزيز القدرة الشرائية للأسر، في تحول واضح عن خطابه السابق الذي كان يقلل من شأن أزمة الغلاء. وهو ما يعني أن البيت الأبيض أدرك متأخراً أن استمرار ارتفاع أسعار السكن والخدمات الأساسية، وبقاء التضخم فوق المستهدف الرسمي للاحتياطي الفيدرالي، رغم تباطؤ وتيرته، تسبب في تآكل شعبية ترامب. ورغم إشادته بقوة الاقتصاد الأميركي، ونموه وانخفاض البطالة، عبّر ترامب عن إحباطه من استمرار تشاؤم الأميركيين حيال الاقتصاد وتركزهم على ارتفاع الأسعار، بحسب صحيفة وول ستريت جورنال.
وأظهر استطلاع لشبكة "فوكس نيوز" منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي أن نسبة تأييده في الملف الاقتصادي بلغت 39%، بما يتماشى مع استطلاع آخر أجرته رويترز/إبسوس في نفس التوقيت أظهر أن شعبية ترامب انخفضت إلى أدنى مستوياتها تقريباً في ولايته الحالية مع استياء الناخبين المنتمين للحزب الجمهوري من طريقة تعامله مع الاقتصاد. وبين الاستطلاع أنّ 39% من البالغين الأميركيين يوافقون على أداء ترامب في منصبه، انخفاضاً من 41% في وقت سابق من ديسمبر/ كانون الأول وعلى بعد نقطة واحدة من 38% في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني، وهي أدنى شعبية لترامب في 2025.
سقف بطاقات الائتمان
ودعا ترامب، مساء الجمعة الماضي، إلى فرض سقف لمدة عام واحد على أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان عند مستوى 10%، اعتباراً من 20 يناير/كانون الثاني الجاري. وجدد الرئيس تمسكه بالمقترح يوم الأحد خلال حديثه مع الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية أثناء عودته إلى واشنطن من فلوريدا. وقال عن شركات بطاقات الائتمان الكبرى: "لقد أساءوا استخدام بطاقات الائتمان فعلاً". وهو ما تسبب في تراجع أسهم كبرى شركات بطاقات الائتمان خلال تعاملات أول أمس الاثنين. وهبطت أسهم كابيتال وان وسينكروني فاينانشال بما يصل إلى 10%، بينما تراجعت أسهم أميركان إكسبريس وسيتي غروب بنحو 4%، في حين انخفضت أسهم جيه بي مورغان تشيس وبنك أوف أميركا بنحو 2%.
وكتب عبر منصته "تروث سوشال": "اعتباراً من 20 يناير 2026، وبصفتي رئيس الولايات المتحدة، أدعو إلى فرض سقف لمدة عام واحد على أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان عند 10%"، وأضاف: "يرجى العلم أنّنا لن نسمح بعد الآن باستغلال الشعب الأميركي من شركات بطاقات الائتمان التي تفرض أسعار فائدة تتراوح بين 20% و30%، بل وأكثر من ذلك، وهي ممارسات تفاقمت دون رادع خلال إدارة جو بايدن، دون القدرة على تحمل التكاليف". وتوقع بنك ويلز فارغو الأميركي، أن يؤدي ذلك إلى خفض أرباح البنوك الكبرى قبل الضرائب بنسبة تتراوح بين 5% و18%، كما توقع أن يقضي على الأرباح لدى الشركات التي تركز حصرياً على بطاقات الائتمان وخدماتها المرتبطة، مثل كابيتال وان وسينكروني فاينانشال.
وقال غولدمان ساكس: "لا يزال من غير الواضح كيف يعتزم ترامب فرض هذا السقف دون أمر تنفيذي، أو إجراء طوعي، أو تشريع يقره الكونغرس". وبحسب بيانات الاحتياطي الفيدرالي، ارتفعت أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان بحدّة في السنوات الأخيرة، متجاوزة بكثير معدلات القروض الاستهلاكية الأخرى. وبلغ متوسط الفائدة 22.30%، مقارنة بـ16.28% في عام 2020. وتجني شركات بطاقات الائتمان أرباحها من الفوائد والرسوم المفروضة على التجار والعملاء عند استخدام البطاقات، فضلاً عن رسوم أخرى.
خفض تكاليف المعيشة
ومن جانبها، قالت السيناتور الأميركية إليزابيث وارن، في بيان لها أول أمس الاثنين، إن الرئيس ترامب اتصل بها هاتفياً عقب خطاب ألقته انتقدت فيه سياسات إدارته الاقتصادية، محملة البيت الأبيض مسؤولية عدم اتخاذ إجراءات كافية لخفض تكاليف المعيشة عن العائلات الأميركية. وأوضحت وارن، وهي العضو الأعلى في لجنة الخدمات المصرفية والإسكان والشؤون الحضرية بمجلس الشيوخ، أنها وجهت رسالة مباشرة للرئيس خلال المكالمة، شدّدت فيها على أن معالجة أزمة القدرة على تحمل التكاليف تتطلب تحركاً سياسياً وتشريعياً واضحاً، وليس الاكتفاء بالخطاب العام، وأضافت: "أخبرته أن الكونغرس يمكنه تمرير تشريع يفرض سقفاً على أسعار الفائدة على بطاقات الائتمان، إذا كان مستعداً للنضال فعلياً من أجل ذلك".
كما دعت وارن، في بيانها، الرئيس ترامب إلى ممارسة ضغوط مباشرة على الجمهوريين في مجلس النواب لتمرير قانون رود ROAD للإسكان، الذي يحظى بدعم من الحزبين، مؤكدة أن مجلس الشيوخ أقره سابقاً بإجماع الأعضاء. ويهدف القانون إلى زيادة المعروض من الوحدات السكنية وتقليص الضغوط السعرية في سوق الإسكان، عبر تقليص القيود الإدارية والتخطيطية التي ترفع كلفة البناء وتبطئ تنفيذ المشاريع، بما يفتح المجال أمام زيادة العرض وخفض الأسعار، خصوصاً أمام المشترين لأول مرة.
ويرتكز القانون على فكرة أن أزمة السكن ليست أزمة تمويل بقدر ما هي أزمة تنظيم ومعروض، ويسعى إلى دفع الولايات والمدن لإصلاح قوانين تقسيم الأراضي، وتسريع تراخيص البناء، وربط بعض أشكال الدعم الفيدرالي بمدى التقدم في إزالة القيود التي تعيق تطوير الإسكان الميسر. وكانت السيناتور الديمقراطية ألقت خطاباً قبيل إصدار البيان بساعات، انتقدت فيه ترامب لرفع التكاليف على العائلات الأميركية، رغم تعهده خلال حملته الانتخابية بخفضها من اليوم الأول لتوليه المنصب. واعتبرت أن معالجة ملفات مثل سقف فوائد بطاقات الائتمان أو أزمة الإسكان لا تتحقق دون استخدام الرئيس نفوذه التنفيذي والسياسي مباشرةً. واختتمت وارن بيانها بالقول: "لا مزيد من التأخير. حان الوقت لتقديم إغاثة حقيقية للعائلات الأميركية".
هل ينجح ترامب؟
وقالت صحيفة واشنطن بوست، في افتتاحيتها، أول من أمس الاثنين: "لحسن الحظ، لا يملك الرئيس السلطة لمنع الشركات من فرض فوائد تتجاوز 10%"، وأضافت: "ببساطة، لا طريقة لتقديم ائتمان قصير الأجل وغير مضمون لغالبية الناس بأسعار فائدة منخفضة تصل إلى 10%. فأسعار الفائدة تعكس مستوى المخاطر التي يتحملها المقرضون عند تقديم القروض، وكلما ارتفعت المخاطر ارتفعت الفائدة". وأوضحت الصحيفة، أن "أحد أسباب ارتفاع مخاطر الإقراض عبر بطاقات الائتمان هو أن المقترضين لا يقدمون أصولاً لضمان القرض. فالرهن العقاري، على سبيل المثال، أقل خطورة، لأنّ المقرض يستطيع في نهاية المطاف الاستحواذ على المنزل إذا تعثر المقترض عن السداد".
وتابعت: "لتوضيح الصورة، يمكن النظر إلى سعرين آخرين للفائدة: سعر الفائدة بين البنوك وسعر الفائدة الأساسي. سعر الفائدة بين البنوك هو السعر الذي يحدّده الاحتياطي الفيدرالي، ويتراوح حالياً بين 3.5% و3.75%. وهو السعر الذي تدفعه البنوك عندما تقترض من بعضها البعض، وهو أدنى سعر فائدة في السوق؛ لأن المخاطر فيه شبه معدومة. فالبنوك، كما هو معروف، تمتلك سيولة كبيرة. أما سعر الفائدة الأساسي، فهو السعر الذي تُبنى عليه معظم قروض المستهلكين. وهو أعلى من سعر الفائدة بين البنوك، ويبلغ حالياً 6.75%، لأنّه حتّى المستهلكون ذوو الجدارة الائتمانية العالية يظلون أقل موثوقية من البنوك. فالشخص الذي يمتلك تصنيفاً ائتمانياً ممتازاً وأصولاً كبيرة سيجد صعوبة في الحصول على قرض شخصي بفائدة تقل عن 7% أو 8% في الوقت الحالي".
وأشارت الصحيفة إلى أن المشكلة الأكبر التي تواجه الفقراء ليست ارتفاع أسعار الفائدة، بل نقص الوصول إلى الائتمان والخدمات المصرفية. ففي بعض الحالات، قد تكون بطاقة ائتمان ذات فائدة مرتفعة وحدّ ائتماني منخفض أفضل من البدائل المتاحة، مثل إصدار شيك من دون رصيد (وهي جريمة) أو اللجوء إلى مقرضين غير قانونيين يستخدمون أساليب تحصيل أكثر قسوة من البنوك. وأكدت أن تجار التجزئة، وهم من أكبر أرباب العمل في البلاد، سيتعرضون لضربة قاسية نتيجة تراجع حجم المشتريات، كما أن بعض شركات الطيران والفنادق، التي تعتمد على اتفاقيات بطاقات الائتمان المرتبطة بعلاماتها التجارية لتأمين جزء كبير من إيراداتها، قد تواجه الإفلاس، كما أن صدمة كبيرة للنظام المصرفي ستضرّ بعدد لا يحصى من الشركات الصغيرة بطرق غير متوقعة.
وكان السيناتوران جوش هاولي من ميزوري، وبيرني ساندرز من فيرمونت، قدما، العام الماضي، مشروع قانون لفرض سقف 10% على فوائد بطاقات الائتمان، لكنه لم يحقق أي تقدم، على الأرجح لأن معظم أعضاء مجلس الشيوخ لا يرغبون في الإضرار بالاقتصاد الأميركي. وفي المقابل، توقع تحليل حديث لجامعة فاندربيلت أن تحقق بعض هذه الإجراءات فائدة محدودة للمستهلكين إذا دخلت حيز التنفيذ. ففرض سقف 10% على فوائد بطاقات الائتمان، بحسب الجامعة، قد يوفر على الأسر الأميركية نحو 100 مليار دولار سنوياً من مدفوعات الفائدة.
ويرى كبير الاقتصاديين في "موديز أناليتكس"، مارك زاندي، أن استخدام إيرادات الرسوم الجمركية لتمويل مدفوعات مباشرة قد يمنح الاقتصاد دفعة مؤقتة، وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة جونز هوبكنز، روبرت باربيرا، إنّ مشتريات السندات من "فاني" و"فريدي" قد تخفض معدلات الرهن بنحو 0.2 إلى 0.25%. غير أن تحويل هذه المقترحات إلى سياسات طويلة الأمد يتطلب وقتاً، ويؤكد خبراء قانونيون أن الكونغرس سيحتاج إلى إقرار سقف فوائد بطاقات الائتمان، كما دعا ترامب المشرعين إلى تقنين حظر شراء المستثمرين للمنازل المنفردة.
معركة شاقة
ويواجه ترامب معركة شاقة لتخفيف ضغوط الأسعار قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. ويقول اقتصاديون إن المقترحات الجديدة لن تحدث أثراً كبيراً على الظروف الاقتصادية التي تشعر المستهلكين بالتشاؤم. فالتضخم لم يقفز بفعل الرسوم الجمركية كما خشي البعض، لكنه ظل أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، وقال زاندي: "حتى مع تباطؤ وتيرة ارتفاع الأسعار، لا يزال الناس قلقين بشدة من ارتفاع كلفة الضروريات".
وتظل الأسعار أعلى بنحو 25% مما كانت عليه قبل خمس سنوات، فيما أدت الرسوم الجمركية واضطرابات أخرى إلى ارتفاع سلع معينة مثل القهوة خلال العام الماضي، كما بات العثور على وظائف أصعب في سوق عمل متباطئ، وأصبح امتلاك منزل بعيد المنال لكثيرين، بينما ترتفع أقساط الرعاية الصحية. وختم باربيرا بالقول إنّ مقترحات ترامب "لا تشكل الكثير في مجموعها، والوتيرة التي يمكن تنفيذها بها تجعل من الصعب تصور أن تلعب دوراً كبيراً في انتخابات التجديد النصفي".
وقالت صحيفة وول ستريت جورنال، في تقرير نشرته أول من أمس الاثنين، إنّ الرئيس ترامب أعلن سلسلة مبادرات تهدف إلى زيادة نفوذ الحكومة على الاقتصاد وتكاليف المعيشة، ولو على حساب إرباك بعض داعميه في بورصة وول ستريت، عبر طرح أفكار ارتبطت تقليدياً بالتيار الديمقراطي الليبرالي. وتشمل المقترحات، بحسب الصحيفة، حظر شراء المستثمرين الكبار للمنازل السكنية المنفردة، وتوجيه شركتَي التمويل العقاري المدعومتَين حكومياً "فاني ماي" و"فريدي ماك" لشراء سندات رهن عقاري بقيمة 200 مليار دولار، في محاولة لخفض معدلات الفائدة على مشتري المنازل، كما لوح ترامب باستخدام إيرادات الرسوم الجمركية لتمويل مدفوعات لا تقل عن 2000 دولار لمعظم الأميركيين.
وفي أوقات مختلفة، حمل ترامب رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول مسؤولية العوائق الاقتصادية، وضغط علناً من أجل خفض أكبر لأسعار الفائدة. وفتح مُدّعون فيدراليون تحقيقاً جنائياً بحق باول، وهي خطوة قال إنّها تهدف إلى تمكين الرئيس من السيطرة على البنك المركزي ودفع خفض الفائدة. ويبدو أن ترامب يركز الآن، وفق وول ستريت جورنال، على تحسين القدرة على تحمل التكاليف، مع توقعات بمزيد من المقترحات خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس هذا الشهر.