خطة الكهرباء السورية... تعديل التعرفة وفق شرائح تراعي الفقراء
استمع إلى الملخص
- تعمل المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء على تحديث البنية التحتية بإدخال عدادات ذكية، بهدف تحسين كفاءة الشبكة وضمان إدارة أفضل للاستهلاك، مع دعم خيارات الدفع المسبق واللاحق.
- تركز الخطة الاستراتيجية على تعزيز مشاريع الطاقة البديلة وتحسين كفاءة الإنتاج، مع تعديل التعرفة لتراعي الفئات محدودة الدخل وتحقيق توازن بين تكلفة الإنتاج والدعم.
تقدّر خسائر قطاع الكهرباء في سورية سنوياً بنحو مليار دولار، في وقت يدفع فيه المواطن حالياً نحو نصف دولار لكلّ كيلوواط ساعة من طريق الاشتراك بمولدات خاصة، بينما تراوح تكلفة الإنتاج الفعلية بين 14 و15 سنتاً. ويشكّل الاستهلاك المنزلي نحو 60% من إجمالي الكهرباء المنتجة، بينما يستهلك القطاع الحكومي نحو 30%، ويستحوذ القطاع الصناعي على 10% فقط. وفي هذا الإطار، أكدت مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد" أن وزارة الطاقة السورية تُعد خطة جديدة ستُعلَن نهاية الأسبوع الجاري، تعتمد على رفع تعرفة الكهرباء وفق شرائح استهلاك، بهدف تقليل الخسائر المالية وتحقيق توازن أفضل بين الدعم الحكومي والتكلفة الحقيقية للإنتاج.
وبحسب المعلومات، ستكون الشريحة الأولى حتى 300 كيلوواط لكل دورة شهرين مدعومة بمقدار ثلثي كلفة إنتاجها، أي سيكون الكيلوواط الساعي بنحو خمسة سنتات، فيما سترتفع الشريحة الثانية لما يزيد على 300 كيلوواط إلى 13 سنتاً، مع استمرار الدولة في تحمّل جزء من تكلفة الإنتاج. وتتضمن الخطة أيضاً تخفيض سعر الكهرباء للقطاع الصناعي من 30 سنتاً إلى 15 سنتاً، على أن يدفع القطاع الحكومي السعر نفسه بعدما كان يستهلك الكهرباء مجاناً، وتُقتطع التكلفة من موازنات المؤسسات العامة، ما يساهم في ترشيد استهلاك الكهرباء في تلك الدوائر. وفي إطار تحسين نظام الفوترة، ستُركَّب عدادات جديدة من منشأ تركي تبلغ كلفة الواحد منها ما بين 60 دولاراً و70 دولاراً، مع إمكانية تقسيط المبلغ على الفواتير الشهرية. وسيُعمَّم النظام على جميع المحافظات مع مراعاة الأولويات حسب المناطق والقطاعات.
نحو الرقمنة وتحديث الكهرباء في سورية
وتعتزم المؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء إدخال العدادات الكهربائية الذكية على نطاق واسع، عبر طرح مناقصة دولية ضخمة رقم 2025/4 لاستيراد 6.5 ملايين عداد ذكي بهدف إنشاء بنية تحتية متكاملة وتحديث شبكة القياس والتحصيل. ويشمل المشروع توريد ستة ملايين عداد أحادي الطور للجهد المنخفض 220 فولت، إضافة إلى 500 ألف عداد ثلاثي الطور متعدد الوظائف للجهد المنخفض 380/220 فولت، مع التزام مواصفات فنية دقيقة ومتوافقة مع نظام البنية التحتية للقياس المتقدم (AMI) ودعمهما خيارَي الدفع المسبق واللاحق، إلى جانب تركيب وتشغيل ودعم الأنظمة البرمجية اللازمة.
ولضمان جدية العروض، اشترطت المؤسسة تقديم تأمين أولي بقيمة 211 ألف دولار، فيما تبلغ قيمة التأمين النهائي بعد إرساء العقد 10% من قيمته الإجمالية، مع التزام مدة ارتباط العرض بـ90 يوماً وتسليم المعدات وفق شروط "CFR" أو "CPT" في مستودعات المؤسسة بدمشق أو طرطوس. ويأتي هذا المشروع في خطوة استراتيجية لتحسين كفاءة شبكة الكهرباء في سورية وضمان إدارة أفضل للاستهلاك والتحصيل.
نظام الكهرباء الجديد أساسه الشرائح
هذا وتتركز الخطة الاستراتيجية لوزارة الطاقة على المدى الطويل على تعزيز مشاريع الطاقة البديلة، بما في ذلك الطاقة الشمسية والرياح، لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي وتحسين كفاءة الإنتاج والتوزيع، في ظل التحديات التشغيلية والمالية المستمرة. وفي السياق نفسه، قال مدير مديرية الاتصال الحكومي في وزارة الطاقة السورية، أحمد سليمان، إن واقع الكهرباء في البلاد "يعاني من تدهور كبير نتيجة اهتراء البنية التحتية وتراجع قدرات الإنتاج خلال السنوات الماضية"، مشيراً إلى أنّ الوزارة أعدّت خطة شاملة لإصلاح قطاع الكهرباء تبدأ بتعديل التعرفة، وتنتهي بمرحلة التوليد الكامل للطاقة على مدار 24 ساعة للقطاع المنزلي.
وأوضح سليمان في تصريح لـ"العربي الجديد" أن القرار الخاص بالتعرفة الجديدة سيصدر خلال اليومين القادمين، على أن تُطبَّق التسعيرة رسمياً مع مطلع الشهر المقبل، لافتاً إلى أن النظام الجديد سيعتمد على عدة شرائح تراعي العائلات الفقيرة والأشد فقراً لضمان استمرار الدعم للفئات محدودة الدخل. وأضاف أن تحسّن الدخل بعد الزيادة الأخيرة في الرواتب بنسبة 200%، إلى جانب انخفاض سعر الدولار من 16 ألفاً إلى نحو 11 ألف ليرة سورية، أتاح إعادة النظر في سياسة الدعم وتسعير الكهرباء "بما ينسجم مع المتغيرات الاقتصادية، دون الإخلال بقدرة المواطن على تحمّل التكاليف".
وأكد سليمان أن خطة وزارة الطاقة "لا تقتصر على تعديل الأسعار، بل تشمل أيضاً إصلاحاً شاملاً للبنية التحتية وتوسيع قدرات التوليد والإنتاج، بما يتيح في المدى المتوسط تأمين التيار الكهربائي على مدار اليوم وتحسين كفاءة التشغيل في مختلف المحافظات".
تقييم حقيقي للخدمات
ويأتي تحليل الخبراء الاقتصاديين لتوضيح أهمية خطوة رفع التعرفة ضمن رؤية متكاملة لإصلاح قطاع الكهرباء. فالتحديات المالية والتشغيلية التي تواجه الوزارة تجعل من الضروري إيجاد توازن بين تكلفة الإنتاج والدعم المقدم للمواطنين، مع مراعاة أثر أي تعديل على حياة العائلات، القطاع الحكومي، والصناعة. ويؤكد الخبراء أن أي سياسة تسعير يجب أن تُنفّذ بتدرج وبشكل مدروس لضمان استمرار تقديم الخدمة دون التسبب بصدمات اقتصادية كبيرة.
وفي هذا الصدد، رأى عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، الدكتور علي كنعان، أن الحكومة السورية تسعى لتحسين دخل المواطنين من خلال إعادة النظر بأسعار الخدمات العامة، مشيراً إلى أن "المرحلة المقبلة تتطلب إنهاء سياسة الأسعار المتدنية أو شبه المجانية للخدمات الحكومية، مقابل رفع تدريجي للدخول بما يواكب الواقع المعيشي الجديد".
وأضاف لـ"العربي الجديد" أنّ "الخدمات يجب أن تُسعَّر وفق قيمتها الحقيقية، وليس على أساس الدعم أو الإعانات القديمة، فهذه الإعانات مضى عليها زمن طويل، ونحن اليوم في مرحلة التقييم الحقيقي للخدمات بما يعكس تكلفتها الفعلية". وأوضح أن الخطوة المنطقية تبدأ من رفع حقيقي للرواتب والأجور، ثم تسعير الخدمات الحكومية، ومنها الكهرباء، وفق معادلة توازن بين الأجور والتكلفة، مؤكداً أنه "إن لم يتحقق هذا التوازن، يجب على الحكومة العمل على إيجاد حلٍّ وسط يخفف الأثر عن الفئات المتوسطة والفقيرة".
وأشار كنعان إلى أن "تسعير الكهرباء بسعرها الحقيقي سيرفع التكلفة على المواطن، وعلى الشركات المنتجة، وعلى الحكومة نفسها، وكذلك على القطاع الصناعي الذي سيتأثر بارتفاع التكاليف"، معتبراً أنّ "الحكومة مطالبة بتحمّل جزء من التكلفة الفعلية للكهرباء لضمان انتقال متدرج نحو التسعير الواقعي دون صدمات اقتصادية". وشدد كنعان على أنّ "أي رفع سريع للأسعار قد يؤدي إلى آثار سلبية تطاول حياة المواطن والمؤسسات الحكومية، وحتى الصناعيين الذين يعتمدون على التصدير، لذلك يجب أن يكون رفع التعرفة تدريجياً ومدروساً حتى لا يتضرر أحد من هذا التحوّل".