خطة الصندوق السيادي السعودي الجديدة: هل يتقلص الإنفاق في نيوم؟
استمع إلى الملخص
- تم تنفيذ 80% من مشروعات البنية التحتية في نيوم، مع التركيز على استكمال المرافق لجذب السياح، كجزء من رؤية السعودية 2030 لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.
- تواجه نيوم ارتفاع التكاليف وتأخيرات، مما دفع السعودية لإعادة ترتيب أولوياتها الاستثمارية، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات لتحقيق عوائد أفضل.
واجه مشروع نيوم الضخم في السعودية تحديات تمويلية نتيجة لحجمه وتراجع أسعار النفط في 2025 عنها عند الإعلان عن المشروع، إلا أن القائمين على المشروع يؤكدون استمرار المشروع الذي دخل مرحلة النضج التنفيذي متجاوزا مرحلة التصورات النظرية، بينما تشير تقارير إعلامية غربية إلى تراجع أو تباطؤ مشاريع رئيسية في نيوم.
ووفقا للموقع الرسمي لمشروع نيوم الذي يعد ركيزة أساسية في رؤية السعودية 3030، قد شهد في العام 2025 تحولات مهمة، كما يتوقع أن يستمر العمل في المشروع خلال 2026 وأبرزها ميناء نيوم. ويؤكد القائمون على المشروع أنه ممتد ولا يرتبط الانتهاء منه بتاريخ 2030. وقال نائب الرئيس التنفيذي للمشروع ريان فايز إن العمل جار على تنفيذ استثمارات ضخمة ومستمرة في البنية التحتية. وأضاف خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة الاستثمار في الرياض، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن هناك عملية تقييم مستمرة لجدوى المشروعات التي يجرى تنفيذها وكذا مراجعة الميزانيات للتركيز على ما أثبت نجاحه، مشيرا إلى أهمية مراعاة التطورات الإقليمية عند تقييم مسار المشروع.
ووصل تنفيذ بعض مشروعات التنمية التحتية في المشروع إلى 80% وفقا لنائب الرئيس التنفيذي، مشيرا إلى أن المشروع يمتد على مساحة 26 ألف كيلومتر مربع، حيث يُركَّز حاليا على استكمال المرافق الأساسية مثل المطار لتكون البنية التحتية جاهزة قبل استقبال السياح وسكان المدينة. ويُعد جذب السياح ركيزة أساسية في خطة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (رؤية 2030) لتنويع اقتصاد المملكة بعيدا عن النفط. وبموجب الخطة، تستهدف السعودية جذب 150 مليون سائح سنويا بحلول عام 2030، ثلثهم على الأقل من الخارج.
وقال محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان في المؤتمر السنوي لمبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، أواخر أكتوبر الماضي، إن استراتيجية صندوق الثروة السيادي للفترة من 2026 إلى 2030 سيُعلن عنها "قريبا جدا" وستركز على ست "منظومات" رئيسية. وهذه المنظومات الست هي السفر والسياحة، والتنمية الحضرية، والصناعات التحويلية المتقدمة، والصناعة والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، والبنية التحتية المتجددة، ونيوم بوصفها منظومة خاصة بها.
معوقات مشروع ذا لاين
أشارت عدة صحف أجنبية، الأسبوع الماضي، ومنها فاينانشال تايمز في 6 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، وإندبندنت في 4 نوفمبر، وتايمز أول نوفمبر الجاري، إلى أن المشروع يواجه معوقات عدة أهمها التأخيرات التي تواجه مشروع ذا لاين، أحد أهم مشاريع نيوم. وقالت فاينانشال تايمز إن مشروع "ذا لاين"، الذي أعلن عنه ولي العهد محمد بن سلمان في 10 يناير/كانون الثاني 2021، هو أساس مشروع مدينة "نيوم" في صورة مدينة حديثة متكاملة، وكانت فكرة المشروع، كما أعلن عنها في موقع المشروع، هي بناء مدينة ذكية كبرى تدار بالكامل بالتقنيات الحديثة.
لكن المشروع، وفقا للصحيفة نفسها، بدأ يتقلص تدريجيا مع تبين صعوبة تنفيذه وفشل الفكرة الأساسية له، وهي التنقل داخل المدينة عبر مشروع "ذا لاين"، أو "الهايبر لوب"، وهو نظام نقل فائق السرعة للركاب والبضائع، يعتمد على كبسولات تسافر داخل أنابيب منخفضة الضغط بما يسمح بالوصول إلى سرعات عالية جدا، وتطفو باستخدام الرفع المغناطيسي لدفعها للأمام. وكشفت وكالة بلومبيرغ، في 5 إبريل/نيسان الماضي، أن مساحة ذا لاين التي كانت عند إطلاق المشروع 170 كم، تقلصت الآن وأصبحت 2.4 كم فقط، بعدما فشلت المملكة في جذب المستثمرين الأجانب لها وعزوفهم عنها.
وقالت إن مشروع "ذا لاين" الذي كان من المتوقع أن يستوعب 1.5 مليون نسمة بحلول عام 2030، الآن، من المتوقع أن يعيش هناك أقل من 300 ألف شخص بحلول ذلك الوقت، لو تم المشروع.
ارتفاع تكاليف نيوم
وتشير التقارير الاقتصادية الأجنبية إلى أن تكاليف المشروع ارتفعت بشكل هائل، وتأخرت الجداول الزمنية، ولم يتحقق الاستثمار الأجنبي الذي كانت الرياض تعوّل عليه. وتباطأت أعمال البناء في أنحاء نيوم، باستثناء مشروع منتجع التزلج الصحراوي "تروجينا"، المقرر أن يستضيف دورة الألعاب الآسيوية الشتوية لعام 2029، وتقول نيوم إن التركيز انتقل الآن إلى "الهندسة المعقدة والتصميم التفصيلي المرتبط بالمرحلة الأولى من "ذا لاين".
ونقلت صحيفة "تايمز"، مطلع نوفمبر الجاري، عن مسؤول سعودي قوله: "لقد أنفقنا مبالغ طائلة. كنا نندفع بسرعة هائلة. نحن الآن نعاني من عجز في الميزانية. علينا إعادة ترتيب أولوياتنا".
ووفقا لتقرير وكالة بلومبيرغ نقلا عن مصادر لم تذكر اسمها في أكتوبر الماضي، فقد تقلّصت العقود الجديدة الخاصة بـ"نيوم"، ولم يرد ذكر المشروع في البيان التمهيدي لميزانية 2026. كما تباطأ العمل في مشروع "ذا لاين". كما واجهت مشاريع أخرى، مثل جزيرة "سندالة" الفاخرة ومنتجع التزلج الجبلي "تروجينا"، انتكاسات مماثلة. وتقول المصادر إن الحكومة تراجع أهداف نيوم في ضوء أولوياتها الأخرى، خصوصا مع توقع بقاء أسعار النفط منخفضة مدة أطول.
وقال مصدر سعودي لوكالة رويترز، في 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، إن البلاد اختارت إعادة تركيز أموالها بعد تأخيرات المشاريع الضخمة، واتجهت بدلا من ذلك إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات التي تعمل بالهيدروكربون. وذكرت رويترز أن "السعودية تخطط لإعادة تركيز صندوق بقيمة 925 مليار دولار بعد تأخير المشاريع العملاقة"، وبحسب المصدر، فإن إعادة التموضع تأتي في ظل تزايد الضغوط على صندوق الاستثمارات العامة وشركاته لتحقيق عوائد أفضل على المدى القريب. ووفقا لرويترز، فقد وواجهت نيوم، التي من المتوقع أن يبلغ عدد سكانها 9 ملايين نسمة، ومشاريع أخرى تأخيرات متكررة.
وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظرا لحساسية الأمر، إن الاستراتيجية الجديدة، مدفوعةً بتصميم على تأمين عوائد أكثر استدامةً لصندوق الاستثمارات العامة على المدى القريب، تهدف إلى تضييق نطاق التركيز على مشاريع تطوير أخرى قائمة، مثل الخدمات اللوجستية، واستغلال المعادن، والسياحة الدينية. وأضاف المصدر أن المملكة تراهن أيضا على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات التي تعتمد على مواردها الهائلة من الهيدروكربونات وغيرها من موارد الطاقة.
واستثمرت المملكة مليارات الدولارات لتنويع اقتصادها بعيدا عن النفط، مع ذلك، شكل النفط 62% من إيرادات الحكومة العام الماضي. وعندما تم الكشف عن رؤية 2030 في عام 2016، كان متوسط أسعار النفط 100 دولار للبرميل ولم تصل إلى أرقام ثلاثية منذ عام 2022. وأعلنت شركة النفط السعودية العملاقة أرامكو، الثلاثاء الماضي، عن انخفاض بلغ 2.3% في أرباح الربع الثالث من العام حيث حققت صافي دخل بلغ 104.9 مليارات ريال (نحو 28 مليار دولار)، وعزت ذلك إلى انخفاض أسعار النفط الخام والمنتجات البترولية، إلا أن الأداء تحسن مقارنة بالربع السابق مع زيادة الإنتاج.