خصخصة إليتروبراز: دروس من تجربة عملاق الطاقة البرازيلي
استمع إلى الملخص
- تأسست "إليتروبراز" في 1962 وامتلكت أصولاً غير مرتبطة بالطاقة، مثل مطار وسينما، ومع الخصخصة بدأت في التخلص من الأصول غير الأساسية لتحسين الكفاءة.
- تقدم تجربة "إليتروبراز" دروساً لدول أمريكا اللاتينية في الخصخصة، مع التركيز على تحديث البنية التحتية والحذر في العقود طويلة الأجل، مما قد يؤثر على سياسات الخصخصة في المنطقة.
تنتشر شبكة شركة "سنترَيس إليتريكَس برازيليراس"، أكبر شركة كهرباء في أميركا الجنوبية، عبر البرازيل بفضل محطاتها الكهرومائية وخطوطها، لتغطي احتياجات نحو 75 مليون منزل من السافانا وصولاً إلى السواحل المزدحمة.
وبحجمها هذا، كان يُفترض أن تكون قوة اقتصادية ضخمة، لكنّها تحولت إلى نموذج حي على صعوبات الخصخصة، بما يحمله من دروس لبقية دول القارة مع توجه موجة جديدة من الحكومات اليمينية الوسطية نحو بيع المؤسّسات المملوكة للدولة، وفق وكالة "بلومبيرغ".
ولكن، منذ أن تخلّت الحكومة البرازيلية عن حصتها الأكبر عام 2022، عانت الشركة لإيجاد موطئ قدم ثابت. فقد ورثت إدارة جديدة، من أصحاب الخبرة في قطاعات النفط والمصارف، شركة متضخمة بأصول غريبة تراكمت عبر السنين: مستشفى، وسينما، وكنيسة، ومطار. أما البيروقراطية المتشعبة الناتجة عن دمج عدة شركات أصغر في كيان حديث واحد، فقد عقدت المهمة وانعكست سلباً على أداء السهم في البورصة.
لكن مؤشرات الانعطاف الإيجابي بدأت تظهر. ففي 6 أغسطس/آب، أعلنت الشركة عن نمو قوي في الإيرادات وتوزيعات أرباح معقولة، ما دفع المستثمرين إلى رفع السهم فوق سعر الطرح الأولي البالغ 42 ريالاً برازيلياً (7.73 دولارات) بعد أن أمضى معظم السنوات الثلاث الماضية دونه. ويقول محللون إن الرئيس التنفيذي إيفان مونتيرو وفريقه أحرزوا تقدماً في إعادة الهيكلة وجعل الشركة أكثر شفافية وقابلية للتوقع والاستثمار.
تاريخ طويل وأصول غريبة
تأسست "إليتروبراز" عام 1962، ولعبت دوراً محورياً في "المعجزة الاقتصادية" البرازيلية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، حين تجاوز معدل النمو 10% سنوياً بدعم من استثمارات البنى التحتية الضخمة. لبناء محطاتها الكهرومائية، اضطرت الشركة إلى تشييد مدن بكاملها، وهو ما يفسر امتلاكها لمرافق غير مرتبطة بالطاقة.
فمحطة "فورناس" على نهر غراندي أسهمت في إنشاء مدينة ساو جوزيه دا بارا (7800 نسمة حالياً)، وما زالت الشركة تملك فيها مطاراً وفندقين وسينما. المطار كان مخصصاً في الأصل لسهولة وصول مسؤولي الشركة، لكنه يُستأجر اليوم من البحرية البرازيلية. أما أحد الفندقين فيستغله الجيش، فيما تحاول الشركة بيع الآخر والتخلص من السينما. أما المستشفى فقد شُيّد أثناء بناء مجمع "باولو أفونسو" الكهرومائي في ولاية باهيا، وتبرعت به الشركة العام الماضي لجامعة عامة محلية.
السنوات الطويلة من التوسع تركت سمعة ثقيلة: تكاليف مرتفعة، وأصول غير ضرورية، وأنظمة متكرّرة. حتى إعداد التقارير المالية كان يستغرق أياماً من العمل اليدوي على الجداول. أما الخصخصة التي دفع بها الرئيس السابق "جايير بولسونارو" فقد بدأت تغيّر المعادلة. فمنذ توليه المنصب في سبتمبر/أيلول 2023، خفّض مونتيرو النفقات التشغيلية بنسبة 18% وعدد الموظفين بنسبة 17%.
كما تخلّى عن أصول غير أساسية، بينها محطات طاقة تعمل بالغاز بيعت لشركة "أمبار إنرجيا"، كذلك أعاد التفاوض بشأن العقود مع الموظفين والعملاء والمورّدين، ونقل الشركة إلى مقر جديد في ريو دي جانيرو يعتمد المساحات المفتوحة بدل المكاتب المغلقة.
إلى جانب مونتيرو، يتمتع المدير المالي "إدواردو هاياما" بخبرة طويلة في القطاع، بعد عمله محللاً لدى بنك "بي تي جي باكتول" ومديراً مالياً لشركة منافسة هي "إكواتوريال إنرجيا". الفريق يخطط لمزيد من عمليات البيع، من بينها حصص أقلية في أصول تتجاوز قيمتها 30 مليار ريال برازيلي (5.7 مليارات دولار). كما أُعفيت الشركة من التزامات تمويل بناء المفاعل الثالث لمحطة "أنغرا" النووية، التي قد تكلف 20 مليار ريال برازيلي، بحسب وكالة "فيتش رايتنغ".
ورغم تحقيق ربح بلغ 10.4 مليارات ريال برازيلي في 2024 (1.98 مليار دولار) مقارنة بـ 3.6 مليارات في 2022، لا تزال الشركة تواجه صعوبات. فالحكومة ما زالت تملك 45% من خلال نظام أسهم مزدوج، كما عزّزت إدارة الرئيس "لولا دا سيلفا" نفوذها في مجلس الإدارة، ما يقلق المستثمرين بشأن التدخل السياسي.
نحو تحديث متكامل
تعمل الشركة على تحديث أدواتها الداخلية، إذ أطلقت منصة للأرصاد الجوية تُدعى "أتموس" لتحسين التنبؤ بالطلب والتخطيط للصيانة. ويؤكد نائب الرئيس التنفيذي "جوليانو دانتاس" أن دوره لا يقتصر على تحديث البنية التحتية، بل يشمل خلق فرص مستقبلية أيضاً. أما مونتيرو، فيصر على أن خطة التحول تسير في الاتجاه الصحيح: "نحن ملتزمون بتنفيذ ما اتفقنا عليه: شركة أكثر نضجاً، مهيأة جيداً، بنماذج حديثة وخفض للتكاليف"، وفقاً لـ"بلومبيرغ".
إلى جانب ذلك، تفرض التحولات السريعة في سوق الطاقة تحديات كبيرة: انخفاض أسعار الكهرباء بسبب صعود الطاقة الشمسية والرياح جعل"إليتروبراز" أكثر تحفظاً في إبرام العقود طويلة الأجل. ومع أن الأسعار بدأت بالارتفاع مجدداً، إلا أن ما بين 32% و43% من إنتاجها المتوقع لعام 2027 لا يزال غير متعاقد عليه.
دروس لأميركا اللاتينية
تؤثر تجربة" إليتروبراز" على أميركا اللاتينية بأكملها، التي قد تكون على أعتاب جولة جديدة من الخصخصة. ففي الأرجنتين، تعهد الليبرتاري "خافيير ميلي" بخصخصة الشركات المملوكة للدولة على نطاق واسع. وفي البرازيل، قام حاكم ساو باولو "تارسيزيو دي فريتاس"، المرشّح المحتمل للرئاسة في عام 2026، بالفعل بخصخصة شركة مياه وصرف صحي حكومية كبيرة. يمكن أن يؤدي هذا الإجراء في النهاية إلى تحسين صحة الشركات، ولكن النجاح ليس مضموناً، ولا ينبغي للمساهمين أن يتوقعوا طريقاً سهلاً.
بدوره، قال ألكسندر سانت آنا، محلّل الأسهم في ARX Capital Management لوكالة "بلومبيرغ" إنّ "الشركة لا تزال في طور التطوير بعد الخصخصة"، وأصبحت في الواقع أكثر رشاقة، خفضت التكاليف وعدد الموظفين، وأعادت هيكلة شركتها القابضة. بالطبع هناك مجال للمزيد، ولكن هذه بداية. أما فيتور سوزا ، محلل أبحاث الأسهم في Genial Investimentos، فقال: "لم يجرِ تسعير الشركة بعد كشركة مخصخصة. ولكي يحدث ذلك، قد يكون من الضروري إجراء تغيير في الحكومة، وانخفاض أسعار الفائدة، واستمرار التزام الشركة باستراتيجيتها للتحوّل. لذلك، تحاول شركة " إليتروبراز" تحديث عملياتها الداخلية مع تطور البلد الذي تخدمه ليصبح قوة اقتصادية.