استمع إلى الملخص
- تسببت الحرب في تدمير 80% من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج وارتفاع التكاليف التشغيلية، مع تأثيرات بيئية سلبية على خصائص التربة.
- يتطلب التعافي الزراعي إخلاء الأراضي وإدخال المستلزمات الأساسية، مع تحديات أمنية وسياسية تعيق الجهود المبذولة لإعادة بناء القطاع.
لم يكن الدمار الذي أصاب القطاع الزراعي في قطاع غزة نتيجة حرب عابرة أو خسائر جانبية، بل خلاصة استهداف ممنهج وطويل الأمد بلغ ذروته خلال حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام 2023. هذا الاستهداف الإسرائيلي لم يقتصر على تدمير الأرض والمحاصيل، بل ضرب في الصميم واحدة من أهم ركائز الاقتصاد المحلي والأمن الغذائي، وحوّل الزراعة من مصدر صمود وإنتاج إلى قطاع شبه منهار يعتمد على المساعدات الطارئة.
ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2022، ساهم القطاع الزراعي بنحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة مضافة بلغت 343 مليون دولار، وقيمة إنتاج إجمالية وصلت إلى 575 مليون دولار. كما وفر هذا القطاع مصدر دخل كلياً أو جزئياً لأكثر من 560 ألف شخص، بحسب منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، ما يجعله شريان حياة لشرائح واسعة من المجتمع.
أرقام تكشف الكارثة في غزة
قبل الحرب، بلغت المساحات المزروعة في قطاع غزة نحو 117 ألف دونم، وكانت الخضروات تمثل 77% من الإنتاج النباتي و42% من القيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي، مع زراعة قرابة 40 صنفا من الخضروات. إلا أن الحرب قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب، إذ تشير التقديرات إلى تدمير نحو 80% من الأراضي الزراعية، فيما بلغ إجمالي الأراضي المدمرة أو المتضررة 36.9% من مساحة القطاع، أي ما يزيد عن 75% من الأراضي الزراعية.
هذا الدمار انعكس بشكل مباشر على الإنتاج، حيث انخفضت المساحات المزروعة بالخضروات من 85 ألف دونم إلى نحو 7 آلاف دونم فقط، وتراجع الإنتاج من 405 آلاف طن إلى أقل من 49 ألف طن، بخسائر تتجاوز 356 ألف طن. وقال المزارع الفلسطيني ياسين عصفور لـ"العربي الجديد" إنه يمتلك 17 دونماً من الأراضي الزراعية في المناطق الشرقية لمدينة خانيونس جنوب القطاع، والتي لا تزال حتى اليوم تحت السيطرة الإسرائيلية، ما بات يُعرف بمناطق داخل "الخط الأصفر". وقال عصفور إن أرضه كانت قبل حرب الإبادة مصدر رزق لعائلته ولعدد من العمال الموسميين، لكنها تحولت إلى مساحة صامتة لا يُسمح له بالوصول إليها أو استصلاحها. وأوضح أنه ينتظر بدء المرحلة الثانية من أي اتفاق يسم".
الضرر وإمكانية التعافي
من جهته، أكد الخبير في الشأن الزراعي، المهندس نزار الوحيدي لـ"العربي الجديد"، أن إخلاء الأراضي الزراعية والسماح بإدخال المستلزمات الأساسية يمكن أن يضمنا عودة ما يقارب 60% من الإنتاج الزراعي خلال فترة قصيرة نسبياً. لكنه يشدد على أن ذلك مرهون بفحص التربة وتقييم الأضرار البيئية بدقة. وقال الوحيدي: "الضرر الأكبر في التربة تركز في المناطق العمرانية أكثر من الزراعية، وإن كانت الأخيرة قد تضررت أيضاً، وعلى أي حال، لا يمكن الزراعة بشكل عشوائي دون فحص التربة، لأن بعض المناطق تعرضت لحرق وتجريف غير طبيعتها الكيميائية والبيولوجية".
ولفت إلى أن الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ خلال حرب الإبادة بتجريف الأرض، بل كان يحرقها ويغيّر خصائصها، ما يجعلها غير صالحة للزراعة لسنوات. وتجدر الإشارة إلى أن عودة الزراعة تواجه تحديات مركبة، أبرزها بقاء نحو 60% من أراضي القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، إضافة إلى تخوف المزارعين من تجدد الحرب، كما تمنع إسرائيل إدخال البذور والأسمدة ومعدات الزراعة بالكامل، ما يجعل أي محاولة للتعافي محدودة التأثير.
وكذلك تحدثت دراسات بيئية، أن الصواريخ والمتفجرات أحدثت تغيرات كبيرة في تركيبة التربة، حيث غطت مواد كيميائية ناتجة عن المتفجرات طبقة بسمك يصل إلى ستة سنتيمترات، ما يهدد بتلوث المحاصيل بمواد مسرطنة في حال الزراعة دون معالجة علمية.
واقتصادياً، لا تزال التكاليف التشغيلية للزراعة مرتفعة للغاية، خاصة الوقود وخراطيم المياه والنايلون الزراعي واستئجار الأراضي، ويعني ذلك أن تكلفة الإنتاج المحلي ستكون أعلى من تكلفة المحاصيل المستوردة، خصوصا في حال إلغاء القيود والتنسيقات على الشاحنات التجارية، ما يضعف قدرة المنتج المحلي على المنافسة.
من الاكتفاء إلى الانهيار
بدوره، أكد المختص في الشأن الاقتصادي، سمير أبو مدللة لـ"العربي الجديد"، أن قيمة الإنتاج الزراعي في غزة بلغت عام 2022 نحو 575 مليون دولار، وشكلت 11% من الناتج المحلي، ووفرت آلاف فرص العمل، "أما اليوم، بفعل الحرق والتجريف انهار الإنتاج إلى أقل من 13% فقط، وخسر المزارعون أكثر من 500 مليون دولار حتى الآن". وقال أبو مدللة إنّ "غزة كانت قبل الحرب تحقق اكتفاءً ذاتيا بنسبة 115% من الخضروات، بل وتصدّر الفائض إلى الخارج، بينما وصلت الفجوة الغذائية اليوم إلى أكثر من 85%، الأسعار ارتفعت بشكل جنوني وأصبحت الخضروات التي كانت أساس المائدة، سلعة نادرة".
ويرى أن السياسات الإسرائيلية، سواء المباشرة أو غير المباشرة، ألحقت أضراراً جسيمة بالقطاع الزراعي، من خلال تدمير الأراضي والبنية التحتية وفرض قيود صارمة على الوصول إلى الأراضي وإدخال المدخلات الزراعية، مشيراً إلى أن هذه القيود تُبرر غالباً بدواعٍ أمنية، لكنها أدت عملياً إلى نتيجة واحدة وهي تراجع الإنتاج وارتفاع التكاليف وتعطل التعافي. ولفت أستاذ الاقتصاد في غزة إلى أنّ عودة القطاع الزراعي تتطلب فتح المعابر بشكل منتظم، والسماح بدخول البذور عالية الجودة والأسمدة ومعدات الري، إل.